في خيمة لا تقيها حرارة الصيف اللاهبة، ولا تحميها من برد الشتاء القارس وأمطاره، تعيش سناء سعيد أيامها وسط ظروف إنسانية بالغة الصعوبة في غزة، لكن هذه السيدة التي أنهكتها الحرب والنزوح لم تسمح لقسوة الواقع بأن تنتزع منها رغبتها في مساعدة الآخرين، فقررت أن تحول المساحة المتواضعة التي تعيش فيها إلى نافذة أمل لأطفال اضطراب طيف التوحد، الذين وجدوا أنفسهم على هامش الاهتمام، في وقت هم فيه أكثر حاجة إلى الرعاية والاحتواء.
لم تكن خيمة سناء مجرد مأوى تحتمي فيه من تداعيات الحرب، بل أصبحت مساحة تحاول من خلالها أن تمنح هؤلاء الأطفال فرصة للتعلم والتواصل وتنمية مهاراتهم، وأن تعيد إليهم شيئا من الشعور بالأمان والاستقرار الذي سلبته الحرب من حياتهم، ومن هنا، انطلقت مبادرة "مخيم الحياة"، التي أطلقتها برفقة زميلتها، في محاولة لاحتضان أطفال التوحد في غزة، وتوفير مكان يجمعهم بعيدا عن العزلة والتهميش، ويمنحهم فرصة لمواصلة التعلم رغم الدمار والنزوح ونقص الإمكانات.

سناء سعيد
خيمة صغيرة تحمل أحلام أطفال غزة
داخل القطاع، حيث تتقاطع مآسي الحرب مع الجوع والنزوح وانهيار الخدمات الأساسية، يواجه الأطفال من ذوي اضطراب طيف التوحد معاناة مضاعفة، فهم لا يحتاجون إلى الغذاء والمأوى والأمان فحسب، بل إلى رعاية متخصصة وبيئة مستقرة تساعدهم على التعلم والتواصل والتكيف مع محيطهم.
وسط هذه الظروف، تحاول سناء سعيد أن توفر لهم ما تستطيع، رغم أن المكان الذي تعمل فيه لا يملك أبسط مقومات المراكز التعليمية والتأهيلية، فلا صفوف دراسية مجهزة، ولا خيمة توفر الحماية من تقلبات الطقس، ولا أدوات تعليمية كافية تساعد على تنفيذ الأنشطة بالشكل الذي يحتاج إليه الأطفال.
وتقول سناء، في تصريحات خاصة لـ«اليوم السابع»، إن المبادرة تعمل في العراء، في ظروف تزداد صعوبة مع اقتراب الشتاء، مؤكدة أن توفير خيمة واحدة يمكن أن يحدث فارقا كبيرا في قدرة القائمات على المبادرة على الاستمرار في تقديم الأنشطة.
وتوضح أن الخيمة بالنسبة إليها ليست مجرد مكان يجتمع فيه الأطفال، بل مساحة ضرورية لحمايتهم من البرد والمطر، وضمان استمرار تعليمهم وتأهيلهم في بيئة أكثر ملاءمة لاحتياجاتهم.
علاج مرضى طيف التوحد
وتبدو المفارقة الإنسانية في أن سناء نفسها تعيش داخل خيمة لا توفر لها الحماية الكافية من حر الصيف أو برد الشتاء، لكنها تحاول، بما تملكه من إمكانات محدودة، أن تجعل من هذه الظروف الصعبة دافعا لخدمة الأطفال الذين يحتاجون إلى من يقف إلى جانبهم، فبينما تحاول تأمين احتياجاتها اليومية، تحمل على عاتقها مسؤولية توفير مساحة تعليمية للأطفال، مؤمنة بأن حقهم في التعلم والرعاية لا ينبغي أن يتوقف بسبب الحرب أو نقص الإمكانات.
حكاية مبادرة ولدت من التهميش
تعود بداية "مخيم الحياة" إلى ملاحظة سناء سعيد وجود أطفال وشباب من ذوي اضطراب طيف التوحد داخل مخيم يضم فئات مختلفة من الأشخاص ذوي الإعاقة والمصابين بأمراض مزمنة.
ومع الوقت، لاحظت أن هؤلاء الأطفال لا يحصلون على فرص مماثلة للمشاركة في الأنشطة التعليمية والتوعوية التي تنظمها بعض المؤسسات، وأنهم يواجهون صعوبات في الالتحاق بالمدارس أو المشاركة في ورش العمل، بسبب عدم توافر الإمكانات أو الخبرات اللازمة للتعامل مع احتياجاتهم.
وتروي سناء أن بعض الجهات كانت تنظم أنشطة لفئات عمرية مختلفة، لكنها لا تستقبل أطفال التوحد، بحجة صعوبة التعامل معهم أو عدم القدرة على إيصال المعلومات إليهم، وهو ما جعلها تشعر بأن هذه الفئة تُترك خارج دائرة الاهتمام، رغم حاجتها إلى التعليم والتأهيل والدعم النفسي والاجتماعي.
من هنا، قررت برفقة زميلتها ألا تكتفيا بمشاهدة معاناة هؤلاء الأطفال، بل أن تبدآ محاولة بسيطة لتغيير واقعهم، من خلال جمعهم في مكان واحد، وتقديم أنشطة تناسب قدراتهم واحتياجاتهم، والعمل على اكتشاف مواهبهم ومساعدتهم على تطوير مهاراتهم.
لم تبدأ المبادرة بدعم مؤسسي أو تجهيزات متكاملة، ولم تنتظر سناء توافر الظروف المثالية، بل انطلقت بإمكانات محدودة وإرادة تحاول سد فجوة تركها غياب الخدمات المناسبة، وبالنسبة إليها، لم يكن الهدف مجرد شغل أوقات الأطفال، بل منحهم فرصة للشعور بأنهم جزء من المجتمع، وأن لهم الحق في التعلم والمشاركة والتعبير عن أنفسهم، مثلهم مثل بقية الأطفال.
مخيم الحياة
أصوات القصف تلاحق الأطفال
لا تتوقف معاناة أطفال التوحد في غزة عند غياب المراكز المتخصصة أو صعوبة الوصول إلى الخدمات، حيث تفرض أصوات القصف والانفجارات والخوف المستمر تحديات إضافية على حياتهم اليومية، وتوضح سناء أن بعض الأطفال يشعرون بفزع شديد عند سماع أصوات القصف، خاصة خلال الليل، وقد تظهر عليهم ردود فعل سلوكية وانفعالية تحتاج إلى احتواء وصبر وتفهم لاحتياجاتهم الفردية.
وتزداد صعوبة التعامل مع هذه الحالات في ظل العيش داخل أماكن نزوح لا توفر الخصوصية أو الاستقرار، بينما يحتاج كثير من الأطفال إلى روتين واضح وبيئة آمنة تساعدهم على التكيف والتواصل.
وتؤكد أن هؤلاء الأطفال لا يحتاجون إلى العزل أو الإقصاء، بل إلى التعامل معهم بطريقة تراعي اختلاف احتياجاتهم، وإلى توفير مساحات آمنة يستطيعون فيها التعلم واللعب والتفاعل مع الآخرين.
وفي ظل غياب الإمكانات، تحاول سناء وزميلتها أن تمنحا الأطفال ساعات من الهدوء النسبي بعيدا عن أجواء الخوف، من خلال الأنشطة التعليمية واللعب والتدريب، في محاولة لمساعدتهم على استعادة شيء من تفاصيل الحياة التي فقدوها.
ساعات من التعلم تمنح سناء والأطفال الأمل
رغم بساطة المكان ونقص الأدوات، تحرص سناء وزميلتها على تنظيم أنشطة تساعد الأطفال على تعلم الحروف والأرقام، وتنمية المهارات الأساسية والقدرات اللغوية والتواصلية، إلى جانب أنشطة اللعب والتحفيز.
وتشير سناء سعيد إلى أن إقبال الأطفال على الحضور يمثل أحد أهم الدوافع التي تجعلها تتمسك بالمبادرة، موضحة أن بعضهم يأتي في الصباح مبكرا، ويبدو سعيدا بوجوده في المركز، بل إن بعض الأطفال يرغبون في البقاء لفترة أطول، حتى يصبح إقناعهم بالعودة إلى منازلهم أمرا صعبا أحيانا.
وتمنحها هذه اللحظات شعورًا بأن الجهد المبذول، رغم محدوديته، يصنع فارقًا في حياة الأطفال، خاصة عندما تلاحظ محاولاتهم التفاعل والتعبير عن أنفسهم، أو تقدمهم في تعلم مهارة جديدة، حيث تقول إن وجودها مع الأطفال ومتابعة تطورهم يجعلها تنشغل، ولو مؤقتا، عن قسوة الظروف التي تعيشها، ويمنحها طاقة للاستمرار رغم الأعباء اليومية.
حتى أبسط التفاصيل تتحول داخل المبادرة إلى وسيلة للتشجيع، حيث تحرص سناء وزميلتها على تقديم قطع من البسكويت للأطفال بعد انتهاء الأنشطة، باعتبارها مكافأة صغيرة تدخل السرور إلى نفوسهم وتحفزهم على المشاركة، لكن وراء هذه اللحظات البسيطة، تبقى احتياجات المبادرة أكبر من إمكاناتها، فالأطفال يحتاجون إلى ألعاب تعليمية ووسائل تدريب وأدوات متخصصة تساعدهم على تنمية قدراتهم، إلى جانب مكان يحميهم من تقلبات الطقس ويوفر الحد الأدنى من الاستقرار.
سناء سعيد
الجوع وسوء التغذية.. معاناة تتجاوز حدود الحرب
إلى جانب القصف والنزوح وغياب البيئة التعليمية المناسبة، تواجه الأسر في غزة صعوبات كبيرة في توفير الغذاء والمياه والاحتياجات الأساسية، وهي أعباء قد تكون أكثر تعقيدا لدى بعض الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد، ممن لديهم حساسيات غذائية أو صعوبات في تقبل أنواع معينة من الطعام.
وتلفت سناء إلى أن هذه الظروف تثير مخاوف بشأن صحة الأطفال ونموهم، خاصة في ظل صعوبة الحصول على الغذاء المتنوع والرعاية الصحية المناسبة.
"مخيم الحياة" يحتاج إلى الدعم ليواصل رسالته
رغم ما تبذله سناء سعيد وزميلتها، لا تزال المبادرة تواجه نقصا حادا في الإمكانات، في ظل غياب الدعم الكافي لتوفير الاحتياجات الأساسية واستمرار الأنشطة بصورة منتظمة.
وتتمثل الأولوية العاجلة في توفير خيمة تحمي الأطفال من المطر والبرد، إلى جانب الألعاب التعليمية والوسائل التدريبية والأدوات التي تساعد على تطوير مهاراتهم، فضلًا عن توفير بيئة مناسبة تتيح للقائمات على المبادرة التعامل مع الأطفال بصورة أكثر أمانا وفاعلية، كما تبرز الحاجة إلى توسيع اهتمام المؤسسات الإنسانية والأهلية بالأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد، وإدماجهم في البرامج التعليمية والتأهيلية، وتدريب العاملين على فهم احتياجاتهم والتعامل معها، بدلًا من استبعادهم بحجة صعوبة التواصل أو نقص الإمكانات.
ولا تقتصر رؤية سناء على أطفال التوحد وحدهم، فقد دفعتها تجربتها إلى الانتباه إلى فئات أخرى قد تُحرم من المشاركة في الأنشطة المجتمعية، ومن بينها الأشخاص الصم الذين يحتاجون إلى توفير مترجمي لغة الإشارة لضمان وصول المعلومات إليهم وإتاحة الفرصة أمامهم للمشاركة.
سناء سعيد.. حين تتحول المعاناة إلى رسالة إنسانية
في قصة سناء سعيد، لا تبدو الخيمة مجرد عنوان للنزوح والفقر، بل مساحة تحاول امرأة فلسطينية أن تصنع داخلها معنى مختلفا للحياة، رغم أنها لا تجد فيها الحماية الكافية لنفسها من حرارة الصيف أو برد الشتاء، فبينما تواجه مصاعبها اليومية، تواصل الوقوف إلى جانب أطفال يحتاجون إلى من يؤمن بقدراتهم، ويمنحهم فرصة للتعلم والتطور، ويعاملهم باعتبارهم أصحاب حقوق وإمكانات، لا عبئا على المجتمع.
قد لا تملك سناء مركزا مجهزا أو أدوات متطورة، لكنها تحاول أن توفر للأطفال ما تستطيع من وقتها وجهدها واهتمامها، وتجعل من مبادرتها مساحة صغيرة للفرح والتواصل وسط واقع قاسٍ.
وتبقى رسالتها الأساسية أن أطفال التوحد في غزة لا ينبغي أن يُتركوا خلف أبواب المدارس المغلقة أو خارج ورش العمل والبرامج الإنسانية، وأن حقهم في التعليم والتأهيل والأمان يجب أن يكون جزءًا أصيلًا من الاستجابة لاحتياجات المجتمع في زمن الحرب.
وما تحتاج إليه سناء اليوم ليس أكثر من الحد الأدنى الذي يسمح لهذه الرسالة بالاستمرار، خيمة تقي الأطفال المطر والبرد، وأدوات تساعدهم على التعلم، ودعم يعترف بأن وراء كل طفل قصة تستحق الرعاية، وحماية الطفولة لا ينبغي أن تتوقف عند حدود الإمكانات المتاحة.