فى ذكرى بطولات المقاومة الشعبية وعيد السويس.. غنى يا سمسمية لرصاص البندقية.. كتيبة السمسمية فى مدن القناة تضم بركة والجمل وصديق وجابر والوزيرى وعيد والصادق.. ابن الكابتن غزالى: والدى نال التكريم الشعبى

السبت، 24 أكتوبر 2026 07:00 م
فى ذكرى بطولات المقاومة الشعبية وعيد السويس.. غنى يا سمسمية لرصاص البندقية.. كتيبة السمسمية فى مدن القناة تضم بركة والجمل وصديق وجابر والوزيرى وعيد والصادق.. ابن الكابتن غزالى: والدى نال التكريم الشعبى المقاومة الشعبية بالسويس

عادل السنهورى

ابن الكابتن غزالى: «والدى نال التكريم الشعبى ويستحق التكريم الرسمى من الدولة»
 

يوم 24 أكتوبر من كل عام، يوم لا ينسى من الذاكرة الوطنية المصرية وسيبقى يوما يخلد فيه المصريون ذكرى صمود وبطولات المقاومة الشعبية وأهالى مدينة السويس بالتعاون مع قوات الجيش والشرطة عام 1973 للتصدى أمام محاولة قوات العدو الصهيونى دخول المدينة واختراق وقف اطلاق النار عقب حرب أكتوبر.

سطرت المقاومة الشعبية للمدينة الباسلة ملحمة الصمود والتحدى وتكبيد العدو خسائر فادحة فى االأرواح والعتاد والمعدات فى حرب شوارع بطولية لن تمحى من ذاكرة قادته الذين حاولوا التظاهر بتحقيق نصر زائف باحتلال مدينة السويس والزحف نحو مدينة الاسماعيلية.

تعددت أشكال المقاومة فى ملحمة النصر، فالى جانب أبطال السلاح وأصوات البندقية والمدافع والآر بى جى والقنابل، كان هناك صوت آخر للمقاومة والنصر هو صوت « السمسمية».. تلك الآلة الخاصة بموسيقى مدن القنال التى كانت بمثابة المدفع والبندقية والرصاصة فى وجه العدو وصوت المقاومة والرفض وبث الروح المعنوية والحماس وشحذ الهمم فى نفوس أهالى السويس.

542090769_805628451988877_595907079381390562_n

«السمسمية» لعبت دورا بارزا فى فترة حرب الاستنزاف حيث كانت الأداة الأكثر تأثيرًا فى الحرب الإعلامية، واستخدمها سكان القناة فى المقاومة، ورغم تطور العصر وانتهاء الحرب إلا أنها ما زالت الآلة الموسيقية التى تعزف فى المناسبات الوطنية والافراح فى محافظات السويس وبورسعيد.

أحد رموز المقاومة الشعبية فى السويس الذى قاد صوت السمسمية فى الصمود والتبشير بالنصر على العدو وكون فرقة ما زالت هى الأشهر حتى الآن وهى فرقة «ولاد الأرض» كان الكابتن غزالى الذى استطاع تحويل أنغام وأوتار السمسمية رصاصات وقنابل فنية فى مواجهة العدو واستطاع الكابتن غزالى مع ولاد الأرض أن يصنعوا تراثا ثقافيا وأدبيا وغنائيا من نبض المقاومة.

قدمت ولاد الأرض أغانى أصبحت جزءا أصيلا من تراث السويس ومقاومتها الشعبية، مثل «غنى يا سمسمية لرصاص البندقية» و«يا بيوت السويس» و«فات الكتير يا بلدنا»، وهى الأغانى التى أعاد غناءها مطربون آخرون أبرزهم فايدة كامل ومحمد قنديل ومحمد منير، الذى استعان بأغانى غزالى وفرقته فى فيلم «حكايات الغريب». الذى قام ببطولته مع شريف منير ومحمود الجندى ونهلة رأفت ومن اخراج إنعام محمد على عن قصة الأديب جمال الغيطانى كما تغنى بمؤلفاته الفنان سمير الاسكندرانى الذى غنى له «من برج الحمام بيطل مدفعى».

WhatsApp-Image-2026-10-22-at-6.33.56-PM

لكن ما حكاية مؤسس الفرقة الكابتن غزالى؟

اسمه بالكامل محمد أحمد غزالى من مواليد أبنود بقنا فى 10 نوفمبر 1928 وهو مغنى وشاعر وفدائى ورسَام وعمل موظفا بمديرية الصحة بالسويس وأطلق عليه لقب الكابتن مصحوبا باسمه فقد كان لاعب جمباز وبطل مصارعة حرة سابقا فى نادى السويس الرياضى وأحد أبطال منتخب مصر فى هذه اللعبة فى الخمسينيات وتدرب تحت اشراف البطل الأوليمبى المصرى ابرهيم مصطفى الحائز على الميدالية الاوليمبية فى العشرينيات.

الكابتن غزالى كان مناضلًا ومكافحًا للاستعمار خلال فترة الاحتلال الانجليزى لمصر، وكان شاعرا يكتب الأغانى لفرقة «ولاد الأرض» التى كان على رأسها، واشتهرت به واشتهر بها، استقر بمدينة السويس بعد النكسة ولم يغادرها ضمن التهجير الجماعى للمدينة وساهم بدور وطنى مساعدة الجرحى وتوصيل الأسلحة والذخيرة للجنود ثم تطوع فى القماومة الشعبية للدفاع عن مدينة السويس.

الكابتن غزالى ألف ولحن جميع أغانى فرقة «ولاد الأرض» باستثناء «يا بيوت السويس» للشاعر عبدالرحمن الأبنودى، الذى كان ضمن أعضاء فرقة ولاد الأرض فى تلك الفترة مع الفنان محمد حمام والموسيقار إبراهيم رجب وحسن نشأت والمطرب محمد العزبى، الذى غنى له «والله هترجع تانى لبيتك ولغيطك يا خال»، من تأليف وتلحين الكابتن غزالى.

فى بداية مارس من عام 1973 وقبل الحرب بسبعة أشهر تم اعتقال الكابتن غزالى بسبب خلافه مع قرارات تأجيل الحرب وتحرير الأرض ثم عاد بعد ذلك إلى السويس.
فى عام 2006، تم إنتاج فيلم تسجيلى عن مسيرته باسم «ابن الأرض»، وتوفى كابتن غزالى يوم 2 أبريل عام 2017 عن 89 عامًا، ليترك وراءه حياة عامرة بالنضال والمقاومة.

أما عن حكاية فرقة ولاد الأرض.. فقد ولدت من رحم الهزيمة والانكسار والنكسة فى 5 يونيو 67. فمن قلب الهزيمة، ولدت واحدة من أعظم تجارب المقاومة الشعبية بالفن هى فرقة «ولاد الأرض» بقيادة الكابتن غزالى.

WhatsApp-Image-2026-10-22-at-6.33.52-PM

فعقب حرب 1967 وقرار تهجير أهالى مدن القناة لحمايتهم من القصف الإسرائيلى العنيف، رفضت بعض أبناء السويس مغادرة المدينة، وكان من بينهم الكابتن غزالى، وسط الدمار وأصوات المدافع، رأى غزالى أن استعادة الروح المعنوية للصامدين والجنود لا تقل أهمية عن حمل البندقية وأن الفن لا يقل دوره فى شحذ الهمم وبث الحماس ورفع الروح المعنوية عن الرصاص.

من أسفل الأرض وداخل الخنادق والمخابئ، انطلقت الفكرة بلقاءات عفوية، ثم تبلورت فى تأسيس «فرقة البطانية» وسميت بهذا الاسم لأنهم كانوا يفترشون «بطانية ميرى» ويجلسون عليها ويعزفون ويغنون، ثم تحولت بعدها لتصبح فرقة «ولاد الأرض» رسميًا عام 1968. كان الهدف واضحا ومباشرا، وهو مقاومة اليأس، وبث روح الصمود، وتحويل آلة السمسمية الشعبية من مجرد أداة للأفراح والصيادين إلى بندقية نغمات تقاتل فى الميدان.

تكونت الفرقة- كما يشير عدد من باحثى التراث فى السويس- من نسيج السويس الحقيقى، فلم تكن فرقة أكاديمية تضم موسيقيين محترفين، بل تشكلت من عمال وفدائيين وسائقين وبنائين وفنانين رفضوا مغادرة السويس من أجل الدفاع عنها وتولى الكابتن غزالى كتابة أغلب النصوص، وقيادة الفريق روحيا وميدانيا بأسلوبه البسيط والملهم، وتحولت ضربات السمسمية السريعة وإيقاعات «الكف» إلى ما يشبه طبول الحرب والمسير، ما جعلها سريعة الحفظ والتداول بين الجنود على الجبهة.

كانت فرقة «ولاد الأرض» تتدرب وتغنى فى المخابئ، ومواقع تمركز الجيش، وورش إصلاح السلاح، وأحيانًا تحت القصف المدفعى المباشر.

WhatsApp-Image-2026-10-22-at-6.33.13-PM-copy

قبل حرب الاستنزاف، ارتبطت آلة السمسمية السواحلية بأغانى البحر والصيد والأفراح وطقوس «الضمة»، غير أن فرقة «ولاد الأرض» أحدثت نقلة نوعية وجذرية فى مسار الآلة ودورها، وخرجت نصوص كابتن غزالى من خصائص الغزل إلى الشعر السياسى التحريضى المفعم بالأمل، فخلدت الفرقة أغانى صارت أناشيد وطنية مثل، غنى يا سمسمية لرصاص البندقية.. ولكل إيد قوية حاضنة زنودها المدافع»، و«فات الكتير يا بلدنا ما بقاش إلا القليل»،و«عطشان يا صبايا دلونى على السبيل»،و«الفاتحه للعسكرى»، و«جايين لك يا سينا»،و«لا مش هاغنى للقمر».

تجولت الفرقة بمدن القناة ومعسكرات الجيش فى أنحاء مصر، والجامعات، ومصانع حلوان، ودور العرض الشعبية، لربط الجبهة الداخلية بما يدور على خط النار ونقل صوت المقاتل الصامد لكل مواطن.

أيام الصمود.. ذاع صيت فرقة «ولاد الأرض» وتجربتها بلغت تجربة الفرقة أوجها خلال معارك حرب أكتوبر 73، وتحديدا أثناء معركة السويس الشهيرة فى 24 أكتوبر وحصار المدينة طوال 100 يوم.

تحولت «ولاد الأرض» خلال الحصار إلى إذاعة شعبية متنقلة تبث الأمل وتوثق بطولات المقاومة الشعبية وتصديها للدبابات الإسرائيلية فى شوارع السويس وأمام قسم الأربعين، كانت السمسمية تعزف لتخفف وطأة الجوع والعطش ووحشة الحصار، حتى فشل العدو من احتلال المدينة وتم رفع الحصار وانتصرت المدينة.

يرى الباحثون فى تراث السمسمية أن فرقة «ولاد الأرض» لم تكن مجرد فرقة غنائية عابرة، بل كانت حركة وعى وطنى أعادت تعريف الفن الشعبى فى أوقات الأزمات الكبرى.

وفى احدى حوارته يقول كابتن غزالى: «لقد عبرت فرقة «ولاد الأرض» بحق عن النبض الجماهيرى الشعبى، لأنها لم تحصل على أى تمويل من أى جهة، فلم يستطع أحد أن يملى عليها أفكاره أو شروطه، كما أنها وُلدت من رحم الأرض وعلى صوت البنادق شابة فتية من بين جموع «ولاد البلد السوايسية» كما لا ننسى جميعا مقولته الشهيرة «الأغنية سلاح لا يقل عن المدفع أو الدبابة».

رحل الكابتن غزالى فى عام 2017، لكن إرثه ظل شاهدًا على أن أوتار السمسمية حين تصدح بالحق والحرية، تصبح أشد صلابة من الفولاذ وأبقى من أصوات المدافع، واستطاع أن يحافظ على تراث السمسمية بمدينة السويس بعد رائدها الأول الراحل «عبدالله كبربر» مع رواد وأبطال ورموز وفنانى السمسمية فى مدن القناة مثل الريس مرسى بركة وعبده العثماللى صاحب أغنية يا دنيا سمعانى)، وفوزى الجمل وحسن العشرى، ومحمد عبدالقادر، ورجب أبو الحسن، وحسن أبو صالح، وأحمد كنش، وكوثر أبو أحمد.

وكامل عيد الشاعر الراحل الكبير الذى أسس بعد النكسة فرقة «شباب النصر» ببورسعيد، لتغنى للجنود فى الخنادق وتشد من أزرهم، كما غنت للمهاجرين فى معسكرات التهجير، وقام الشاعر حافظ الصادق بتأسيس فرقة الصامدين فى الإسماعيلية.

يعد كامل عيد - كان يعمل موظفا بهيئة قناة السويس - من أهم شعراء المقاومة اثناء فترة العدوان الثلاثى وأسس فرقة شباب النصر التى ظلت تواجه العدوان بالفن وقد رفض «عيد» التهجير وظل مع المستبقين من المدينة.

كتب عيد معظم أغانى تراث السمسمية للسلم والحرب والمقاومة مثل «حروف من نار» و»مركبنا المهاجرة» و«رفرف يا نسر فى السما» و«هز الدنيا ياخال». و«رقصة أم الخلول» التى رقصت عليها الفرقة القومية بالفنانتين عايدة رياض ومشيرة اسماعيل. كما ألف العديد من كتب رصد التراث الغنائى البورسعيدى بمؤلفيه وشاعريه.

وبعد إعادة الملاحة إلى قناة السويس، غنت السمسمية من كلماته : «سالمة يا سلامة عدى وفوتى بالسلامة» واستقبلت فرقة كامل عيد الرئيس الراحل السادات بالغناء والسمسمية.

فى منتصف الثمانينيات وبداية التسعينيات، استيقظت رغبة قوية مخلصة فى الحفاظ على تراث السمسمية والضمة، والعودة بها إلى حيث أصلها، كنشاط اجتماعى وفنى جماعى لأهل بورسعيد، واحدة من أهم وأقدم هذه المبادرات للحفاظ على تراث الضمة كانت للريس زكريا إبراهيم مؤسس فرقة «الطنبورة»، ومن بعدها مركز «المصطبة» للحفاظ على التراث الغنائى الشعبى المصرى.

أبطال ورموز السمسمية وعلى رأسهم الكابتن غزالى لم ينالوا حقهم فى التكريم الرسمى اللائق والذين يستحقوه. وكما يقول الحاج أحمد ابن الكابتن غزالى» فان والدى نال تكريمات شعبية كثيرة من المحافظة والجامعة « وكل ما نرجوه أن ينال تقدير رسمى من قيادة الدولة وأن يتم الحفاظ على تراثه فى متحف السويس الذى ما زال ينقصه وجود قاعة خاصة تجمع تاريخ المدينة وشهادات أبطالها وتراث فرقة ولاد الأرض والكابتن غزالى حتى تطلع عليه الأجيال ونحافظ على الذاكرة الوطنية.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة