لم تكن الكتابة في الحضارات القديمة مجرد وسيلة لحفظ المعرفة وتسجيل الأحداث، بل ارتبطت أحيانًا بالمعتقدات الدينية وتصوّرات الإنسان عن الموت والحياة الأخرى، وهو ما يفسر العثور على نصوص مكتوبة داخل المقابر، دُفنت إلى جوار أصحابها لتؤدي وظائف تتجاوز الحياة على الأرض.
وفي مصر القديمة، ارتبطت هذه الممارسة بصورة واضحة بالإيمان بالحياة بعد الموت، إذ اعتقد المصريون القدماء أن المتوفى يحتاج إلى الحماية والإرشاد لعبور العالم الآخر، فحرصوا على تزويده بنصوص دينية وتعاويذ تساعده في رحلته، ومن أبرزها النصوص التي تُعرف اليوم باسم «كتاب الموتى».
كتاب الموتى
على الرغم من اسمه، لم يكن «كتاب الموتى» كتابًا بالمعنى الحديث، وإنما مجموعة من التعاويذ والصيغ الدينية والرسوم التي كُتبت على لفائف البردي، أو نُقشت على جدران المقابر والتوابيت وبعض الأدوات الجنائزية.
وهدفت هذه النصوص إلى مساعدة المتوفى في مواجهة الأخطار التي قد تعترض طريقه في العالم الآخر، وتزويده بما يحتاج إليه من حماية ومعرفة لاجتياز الاختبارات والوصول إلى الحياة الأبدية وفقًا للمعتقدات المصرية القديمة.
وتطورت النصوص الجنائزية المصرية عبر العصور؛ فظهرت «نصوص الأهرام» المنقوشة داخل المقابر الملكية، ثم «نصوص التوابيت»، وصولًا إلى النصوص التي تُعرف باسم «كتاب الموتى»، والتي انتشر استخدامها في عدد من المقابر خلال الدولة الحديثة واستمرت بأشكال مختلفة حتى العصور المتأخرة.
لماذا دُفنت النصوص مع أصحابها؟
توضح الشواهد الأثرية أن وضع النصوص داخل المقابر لم يكن له سبب واحد في جميع الحالات، وإنما ارتبط بوظائف متعددة، في مقدمتها الاعتقاد بقدرة الكلمات المكتوبة على توفير الحماية والمساعدة في العالم الآخر.
ففي مصر القديمة، لم يكن النص الديني مجرد كلمات تُقرأ، بل كان يُنظر إلى الصيغ والتعاويذ باعتبارها ذات قوة طقسية، ولذلك وُضعت بالقرب من جسد المتوفى، وأحيانًا على لفائف البردي أو أقمشة التحنيط أو جدران المقبرة، لضمان استمرار وظيفتها في حمايته ومساعدته خلال رحلته بعد الموت.
وفي حالات أخرى، قد يعكس وجود الكتابات داخل المقابر مكانة المتوفى الاجتماعية أو طبيعة عمله أو اهتماماته، بدلًا من أن تكون جميع النصوص معدة لأغراض جنائزية مباشرة.
الصين القديمة.. الكتب جزءًا من مقتنيات المتوفى
لم تقتصر ظاهرة دفن النصوص المكتوبة مع الموتى على مصر القديمة؛ ففي الصين، عثر علماء الآثار على مخطوطات ونصوص مدفونة داخل مقابر تعود إلى عصور مختلفة، وشملت مواد تتعلق بالفلسفة والأدب والتاريخ والقانون والإدارة والطب والعرافة والشؤون العسكرية.
وتشير الدراسات الخاصة بالمخطوطات الصينية القديمة إلى أن بعض هذه النصوص كان من مقتنيات المتوفى الشخصية، بينما ارتبطت نصوص أخرى بوظائف جنائزية أو بطقوس ومعتقدات تتصل بالعالم الآخر، وهو ما يجعل تفسير كل اكتشاف مرتبطًا بظروف العثور عليه ومحتواه وطبيعة المقبرة.
وتكشف هذه الشواهد عن اختلاف نظرة الحضارات القديمة إلى الكتابة؛ ففي بعض السياقات كانت النصوص وسيلة لحماية المتوفى، وفي سياقات أخرى ارتبطت بمكانته أو بمقتنياته أو بالتصورات الدينية المحيطة بموته.