مولد السيد البدوى.. هل رفض شيخ العرب مقابلة السلطان بيبرس؟

الجمعة، 23 أكتوبر 2026 06:00 م
مولد السيد البدوى.. هل رفض شيخ العرب مقابلة السلطان بيبرس؟ مقام السيد البدوي

محمد عبد الرحمن

بالتزامن مع مولد السيد البدوي في طنطا، الذي استقطب ملايين الزائرين والمريدين هذا العام، تعود إلى الواجهة حكايات العلاقة بين قطب التصوف الشهير والسلطان المملوكي الظاهر بيبرس، بين ما ترويه كتب التراث عن التقدير المتبادل، وما تتناقله الروايات الشعبية عن تفاصيل اللقاء الأول.

تتحول مدينة طنطا بمحافظة الغربية، خلال أيام مولد السيد أحمد البدوي، إلى مقصد لملايين الزائرين القادمين من مختلف المحافظات، في واحدة من أبرز المناسبات الدينية والشعبية في مصر. وبين حلقات الذكر والمدائح النبوية والإنشاد الديني، يستعيد المريدون سيرة «شيخ العرب»، الذي ارتبط اسمه بالمدينة على مدى قرون، وأصبحت سيرته جزءًا من ذاكرتها الدينية والشعبية. وقد أشارت تقارير صحفية نُشرت خلال احتفالات أكتوبر 2026 إلى وصول أعداد الزائرين إلى نحو مليوني شخص في موسم المولد. 

ولا تقتصر سيرة السيد البدوي على حضوره الصوفي ومكانته لدى محبيه، بل تمتد إلى حكايات عن علاقته بالحكام والسلاطين، وفي مقدمتهم السلطان المملوكي الظاهر بيبرس، الذي تذكر مصادر تراثية أنه أكرمه وقدّره، وزاره في طنطا. وبين هذه الأخبار التاريخية والروايات الشعبية التي أضافت تفاصيل إلى الحكاية، تتشكل قصة علاقة لافتة جمعت بين سلطان امتد نفوذه على مصر والشام، ورجل صوفي ذاعت شهرته بين العامة والخاصة.

 

رواية شعبية تبدأ برفض لقاء السلطان

تتناقل الألسنة رواية شعبية عن بداية العلاقة بين الظاهر بيبرس والسيد البدوي، تقول إن السلطان سمع بما يتمتع به البدوي من كرامات ومكانة روحية وشعبية، فدعاه إلى لقائه، لكن السيد رفض في البداية، وفقًا للرواية، قائلًا إنه لا يجالس السلاطين.

وتضيف الحكاية أن هذا الرفض أثار غضب بيبرس، الذي قرر مضايقة السيد البدوي، الأمر الذي دفع شقيقه الحسن الأبطح إلى القدوم من مكة للتوسط لدى السلطان. وبحسب الرواية نفسها، أُعجب بيبرس بالحسن الأبطح، وأصبح يستدعيه للاستشارة، قبل أن يتوجه بنفسه للقاء السيد البدوي، لتتوطد العلاقة بينهما بعد ذلك.

لكن هذه التفاصيل، بما تتضمنه من حوار ومواقف متتابعة، تظل في نطاق الرواية الشعبية المتداولة، ولا تتوافر في المادة المتاحة أدلة كافية للجزم بصحتها التاريخية. ولذلك ينبغي التمييز بينها وبين ما تذكره بعض المصادر التراثية صراحة عن إكرام الظاهر بيبرس للسيد البدوي وتقديره له.

 

ماذا تقول كتب التراث عن علاقة بيبرس بالبدوي؟

على الرغم من أن تفاصيل اللقاء الأول موضع رواية شعبية، فإن أصل العلاقة بين الظاهر بيبرس والسيد البدوي ورد في مصادر تراثية استندت إليها دار الإفتاء المصرية في عرض مكانة البدوي عند الحكام والأمراء.

وتشير دار الإفتاء إلى أن الإمام عبد الوهاب الشعراني ذكر في كتابه «الطبقات الوسطى» أن الظاهر بيبرس استقبل السيد البدوي وأكرمه، وأنزله في دار الضيافة الملكية، وكان يذهب لزيارته بعدما أقام في طنطا. كما تنقل عن المؤرخ علي باشا مبارك، في كتابه «الخطط التوفيقية»، أن بيبرس كان يعتقد في السيد البدوي ويبالغ في تعظيمه.

وتمنح هذه الإشارات العلاقة بُعدًا يتجاوز الحكايات المتداولة؛ إذ تقدم صورة عن المكانة التي حظي بها السيد البدوي في عصره، وعن حضور بعض الشخصيات الصوفية في المجال الاجتماعي والسياسي خلال العصر المملوكي. ومع ذلك، فإن ما تثبته هذه الإشارات هو أصل التقدير والإكرام كما ورد في تلك المصادر، وليس بالضرورة جميع التفاصيل التي أضافتها الروايات الشعبية إلى قصة اللقاء.

 

السيد البدوي.. من فاس إلى طنطا

يُعرف السيد أحمد البدوي بأنه أحد أشهر أقطاب التصوف في مصر، وُلد في مدينة فاس بالمغرب عام 1199، ثم ارتبطت سيرته بمصر، حيث استقر في طنطا وتوفي فيها عام 1276، واشتهر بألقاب عدة، من بينها «شيخ العرب»، وأصبح مقامه في المدينة مركزًا للزيارة وموسمًا سنويًا يجذب أعدادًا كبيرة من المريدين ومحبي الطرق الصوفية. 

ومع مرور الزمن، لم تعد طنطا مجرد محطة في سيرة السيد البدوي، بل غدت جزءًا أساسيًا من حضوره في الذاكرة المصرية. فالمولد السنوي يجمع بين الطقوس الدينية والمظاهر الشعبية، وتلتقي فيه حلقات الذكر والمديح والإنشاد مع تقاليد اجتماعية توارثتها أجيال من الزائرين.

ويعكس الإقبال الكبير على المولد استمرار حضور السيد البدوي في وجدان قطاعات واسعة من المصريين، كما يكشف عن قدرة الموالد على الاحتفاظ بمكانتها بوصفها مناسبات تتداخل فيها الذاكرة الدينية مع الثقافة الشعبية والروابط الاجتماعية.

 

لماذا ارتبط اسم الظاهر بيبرس بسيرة السيد البدوي؟

تكتسب حكاية العلاقة بين بيبرس والبدوي أهميتها من اجتماع شخصيتين تنتميان إلى عالمين مختلفين: السلطان الذي ارتبط اسمه بالحكم والحروب وتثبيت أركان الدولة المملوكية، والقطب الصوفي الذي ارتبطت سيرته بالزهد والمكانة الروحية والقبول الشعبي.

وتشير الروايات التراثية إلى أن السيد البدوي حظي بالتقدير لدى الحكام والعامة، بينما أسهمت الحكايات الشعبية في رسم صورة أكثر درامية للعلاقة، تصور السلطان وهو يسعى إلى لقاء الرجل الذي ذاعت شهرته، وتروي كيف تحولت بداية متوترة إلى علاقة من الاحترام والتقدير.

غير أن قراءة هذه الحكايات تستلزم الحذر من التعامل مع جميع تفاصيلها باعتبارها وقائع ثابتة؛ فالرواية الشعبية قد تحتفظ بذكرى عامة عن شخصية أو علاقة، ثم تضيف إليها عناصر سردية تتناقلها الأجيال، من دون أن يعني ذلك ثبوت كل جزئية تاريخيًا.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة