تواجه مواقع التراث الثقافي الغارقة في أعماق البحار والمحيطات تهديدات متزايدة وغير مسبوقة تقودها الأنشطة البشرية والتغيرات البيئية، حيث تقع تحف ومواقع أثرية لا تعوض تحت وطأة دمار وشيك نتيجة غياب الحماية القانونية، والصيد الجائر، والتغير المناخي المتسارع، وتتقاطع الأنشطة التجارية العشوائية في أعالي البحار مع التأثيرات الكيميائية للمناخ لتشكل حصاراً يهدد بمحو فصول كاملة من التاريخ الإنساني المدفون تحت الماء.
شباك الجر والتعدين وتدمير عشوائي في غياب الحماية
أثبتت الوقائع التاريخية حجم الضرر الناجم عن الأنشطة التجارية؛ ففي عام 2011، عثرت سفينة الأبحاث الأوروبية "نوتيلوس" على سفينة تجارية أثرية يعود تاريخها لأكثر من ألفي عام قبالة سواحل مدينة إرجلي التركية في البحر الأسود، وتبين أنها تعرضت لتلفيات بالغة وتحطم في أخشابها وجرارها الفخارية بسبب قوارب الصيد بشباك الجر القاعية، وفقا لما نشره موقع usaartnews.
وفي دراسة حديثة قادها الباحث روري كوين من جامعة أولستر ونُشرت في المجلة الدولية لعلم الآثار البحرية، جرى تحليل بيانات 150 ألف موقع لحطام السفن، وكشفت النتائج عن واقع مقلق للغاية يوضح أن نسبة ضئيلة جداً لا تتجاوز اثنتين في الألف من حطام السفن عالمياً تقع في مناطق محمية بالكامل تُحظر فيها الأنشطة التجارية.
وتشير الدراسة إلى أن الغالبية العظمى من السفن الغارقة تتواجد في مياه ضحلة غير محمية، مما يجعلها عرضة للدمار المباشر بشباك الجر القاعية، وسط مطالبات بتحويل الممارسات العرفية لطواقم الصيد لتجنب الحطام إلى قوانين ملزمة لحماية شباكهم والآثار معاً.
وما يزيد من تفاقم هذه الأزمة هو غياب الملاحقة التشريعية الفعالة، نظراً لأن دولاً كبرى ذات تأثير عالمي مثل الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، والصين لم تصادق حتى الآن على اتفاقية اليونسكو لعام 2001 لحماية التراث المغمور بالمياه، كما أن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 لا تتضمن سوى إشارات ضئيلة لعلم الآثار، مما يترك أعالي البحار بلا غطاء قانوني حقيقي.
التغير المناخي وحموضة المحيطات تذيب الأحجار الأثرية
إلى جانب الصيد الجائر والتعدين الناشئ، يشكل المناخ تهديداً كيميائياً داهماً لا يقل خطورة عن الآلات الجارفة، إذ كشفت دراسة للباحث لويجي جيرميناريو من جامعة بادوا الإيطالية، نُشرت في مجلة "كوميونيكيشنز إيرث آند إنفايرومنت"، أن ارتفاع انبعاثات ثاني أكسيد الكربون سيتسبب في زيادة هائلة بحموضة المحيطات خلال العقود القادمة.
وعبر استخدام نموذج رقمي ثلاثي الأبعاد لتمثال رخامي غارق من مدينة بايا الرومانية الشهيرة، أظهرت المحاكاة العلمية لـ 500 عام القادمة نتائج صادمة تتنبأ بتآكل أجزاء واضحة من تفاصيل السطح الدقيقة للتماثيل بنهاية هذا القرن، بل وقد تصل في أسوأ سيناريوهات التلوث إلى ذوبان السطح بالكامل، مما يهدد بتآكل كارثي وسريع للأحجار الأقل متانة كالحجر الجيري في غضون قرن واحد فقط، وهي عملية تستغرق عادةً آلاف السنين في الظروف الطبيعية.
التكنولوجيا الألمانية تفتح باب الأمل للتوثيق السريع
وفي مقابل هذه المخاطر المتسارعة، طوّر فريق بحثي بقيادة دينيس ويلكن من جامعة كيل الألمانية تقنية مبتكرة ونوعية للمسح ثلاثي الأبعاد تمتاز بالسرعة والفاعلية الاقتصادية العالية مقارنة بالمعدات التقليدية الباهظة، ونشرت تفاصيلها في مجلة "التنقيب الأثري".
ونجحت التجربة الميدانية في تطويع معدات سفينة أبحاث تقليدية حالية لمسح هكتارين كاملين من حطام سفينة مدفونة جزئياً في قاع بحر البلطيق خلال ساعتين فقط، مما يوفر للعلماء أداة بالغة الأهمية لرصد وتوثيق واكتشاف المواقع الأثرية الغارقة بدقة فائقة، ويمنح الأمل في سباق مع الزمن لحماية التراث المغمور من مستقبل مجهول ومليء بالتحديات.