قال وجدي مخامرة، الخبير الاقتصادي والمستشار المالي، إن تسارع ارتفاع أسعار المنتجين في ألمانيا يكشف عن تصاعد الضغوط التضخمية على القطاع الصناعي، في ظل زيادة تكاليف الطاقة والمواد الوسيطة وتأثير التوترات الجيوسياسية في قدرة الشركات على التنبؤ بنفقاتها واتخاذ قرارات الإنتاج والاستثمار.
وأوضح الخبير الاقتصادي والمستشار المالي، خلال مداخلة هاتفية عبر قناة القاهرة الإخبارية، أن ارتفاع أسعار المنتجين ينعكس على ثلاثة محاور رئيسية، هي زيادة تكاليف الإنتاج، وتراجع القدرة على التخطيط المالي والتشغيلي بسبب تقلبات الأسعار، فضلًا عن الضغوط المحتملة على تنافسية الشركات الألمانية في الأسواق العالمية، لا سيما الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة.
وأضاف أن حجم التأثير النهائي سيعتمد على قدرة الشركات على تحسين الإنتاجية، وتنويع مصادر الطاقة، وتمرير جزء من التكاليف الإضافية إلى المستهلكين دون خسارة حصتها السوقية.
الطاقة البديلة تحدٍ أمام الصناعات الألمانية
وأشار مخامرة إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة والسلع الوسيطة يضع قطاعات صناعية متعددة أمام تحديات متزايدة، تشمل الصناعات الكيميائية والحديد والصلب والمعادن والزجاج، نتيجة ارتفاع تكاليف التشغيل والمواد الأولية المستخدمة في الإنتاج.
ولفت إلى أن التحول نحو مصادر الطاقة البديلة لا يزال يواجه صعوبات، خصوصًا أن بعض البدائل قد تكون مرتفعة التكلفة، بما يحد من قدرتها على تخفيف الأعباء سريعًا عن الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة.
وأكد أن الاستثمار في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وتقنيات الطاقة النظيفة يمكن أن يسهم في تحسين الكفاءة وخفض التكاليف على المدى الطويل، لكنه يتطلب استثمارات أكبر، موضحًا أن عودة أسعار الطاقة إلى مستويات أقل، في حال انتهاء الأزمة، قد تمنح الشركات مساحة أوسع لتوسيع استخدام مصادر الطاقة منخفضة التكلفة.
وحذر الخبير الاقتصادي من أن وصول تضخم أسعار المنتجين إلى 10%، وفق السيناريو المطروح، قد يؤدي إلى انتقال جزء من الزيادات في تكاليف الإنتاج إلى أسعار السلع النهائية، وإن كان ذلك لن يحدث بصورة فورية أو متساوية بين القطاعات.
وأوضح أن ارتفاع الأسعار قد يقلص القوة الشرائية للأسر إذا لم تواكبه زيادة في الأجور، كما قد يدفع المستهلكين إلى تأجيل شراء السلع غير الضرورية، مثل الأثاث والسيارات والسلع المعمرة، بما ينعكس سلبًا على الاستهلاك والنمو الاقتصادي.
وأضاف أن الشركات قد تواجه بدورها تراجعًا في المبيعات بالتزامن مع ارتفاع تكاليف الإنتاج، وهو ما قد يضغط على قرارات الاستثمار والتوظيف. وشدد على أن ارتفاع أسعار المنتجين يمثل إشارة تحذير مهمة، لكنه لا يكفي وحده لتحديد مسار تضخم أسعار المستهلكين، الذي يتأثر أيضًا بتكاليف الخدمات والعوامل الأخرى.
تعهدات استثمارية بـ225 مليار يورو.. والتنفيذ هو الفيصل
وفيما يتعلق بالتعهدات الاستثمارية التي أعلنتها وزارة الاقتصاد الألمانية بقيمة 225 مليار يورو، قال مخامرة إن هذه التعهدات تشمل مجالات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والبنية التحتية الرقمية والطاقة وشبكاتها، ويمكن أن تدعم النمو الاقتصادي خلال مرحلة التنفيذ.
لكنه شدد على ضرورة التمييز بين التعهدات المعلنة والاستثمارات التي تُنفذ فعليًا، موضحًا أن الأثر الاقتصادي طويل الأجل سيتوقف على قدرة هذه المشروعات على رفع الإنتاجية وتعزيز التنافسية وتوسيع القدرة الإنتاجية للاقتصاد الألماني.
وأضاف أن الاستثمارات قد تخلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة في قطاعات الإنشاءات والطاقة والخدمات اللوجستية وسلاسل التوريد، كما يمكن أن تشجع الشركات الصغيرة والمتوسطة على توسيع أعمالها، إذا توافرت لها فرص التمويل والوصول إلى التكنولوجيا.
وأكد مخامرة أن تمتع ألمانيا بتصنيف ائتماني سيادي مرتفع، مثل AAA، يمثل ميزة مهمة في جذب الاستثمارات وتوفير التمويل بشروط مواتية نسبيًا، لكنه لا يعني بالضرورة حصول جميع الشركات على تمويل منخفض التكلفة أو اعتبار كل المشروعات منخفضة المخاطر.
وأوضح أن تكلفة تمويل الشركات تتوقف أيضًا على مخاطر كل مشروع، والتدفقات النقدية المتوقعة، والضمانات المتاحة، مشيرًا إلى إمكانية الاستفادة من الجدارة الائتمانية الألمانية في تمويل البنية التحتية والتحول الصناعي، وتحسين شبكات الكهرباء والسكك الحديدية والبنية الرقمية.
وأضاف أن توظيف هذه الميزة يتطلب تطوير أدوات التمويل المشترك بين القطاعين العام والخاص، وتوجيه الإنفاق نحو مشروعات ترفع الطاقة الإنتاجية، إلى جانب الحفاظ على استقرار السياسات الضريبية والتنظيمية، بما يمنح المستثمرين وضوحًا أكبر بشأن بيئة الأعمال.
إصلاحات هيكلية لمواجهة المنافسة الأمريكية والصينية
وفي تقييمه للخطوات التي تحتاجها ألمانيا لمواجهة الضغوط الأمريكية والمنافسة الصينية، خصوصًا في قطاع السيارات، قال مخامرة إن استعادة الثقة الاستثمارية تتطلب حزمة من الإصلاحات الاقتصادية والإدارية والتكنولوجية.
وأوضح أن تبسيط إجراءات التراخيص الصناعية والبيئية، وتقليص البيروقراطية، وتسريع التحول الرقمي في المؤسسات الحكومية، تمثل خطوات أساسية لتسهيل تنفيذ المشروعات، لا سيما بالنسبة للشركات الصغيرة والمتوسطة.
وأشار إلى أهمية إصلاح منظومة الطاقة لضمان إمدادات مستقرة وأسعار يمكن التنبؤ بها، إلى جانب معالجة نقص المهارات من خلال تعزيز التدريب المهني والتقني وربط التعليم باحتياجات الصناعة وتطوير مهارات الذكاء الاصطناعي.
وشدد مخامرة على ضرورة زيادة الإنفاق على البحث والتطوير، وتسريع تبني التقنيات الحديثة، وتحسين وصول الشركات إلى التمويل والخدمات الاستشارية والتكنولوجيا، فضلًا عن تعزيز استقرار السياسات المالية والضريبية وتوسيع فرص الوصول إلى الأسواق.
واختتم بالتأكيد على أن الحفاظ على مكانة ألمانيا الصناعية في أوروبا يتطلب تحويل الثقة في اقتصادها إلى استثمارات منتجة طويلة الأجل، من خلال إصلاحات تعزز الكفاءة والتنافسية وتدعم قدرة الشركات على مواجهة التحولات الاقتصادية العالمية.