<< من وجع الفقد إلى معركة البقاء.. هناء الزبدة تواجه الحياة بعد خسارة زوجها وابنها
<< صناعة الجبنة داخل المنزل.. حرفة بسيطة تتحول إلى طوق نجاة لعشرة أطفال
<< مشروع صغير وأحلام كبيرة.. هناء تتمسك بالعمل لتمنح الأطفال فرصة لحياة كريمة
<< الحرب أخذت منها زوجها وابنها.. لكنها لم تنتزع منها إرادة الاستمرار
في غزة، حيث تركت الحرب خلفها بيوتا مثقلة بالحزن، وأسرا فقدت معيلها، وأطفالا حرموا من دفء آبائهم وأمهاتهم، تكتب هناء الزبدة حكاية إنسانية موجعة عن الفقد والصبر والإصرار على الحياة، امرأة فقدت زوجها وابنها خلال الحرب، لكنها وجدت نفسها مطالبة بمواصلة الطريق، لا من أجل أطفالها الثلاثة فحسب، بل من أجل عشرة أيتام تجمعهم بها صلة الدم والمسؤولية، بعدما فقد أبناء شقيقاتها السبعة آباءهم وأمهاتهم، في ثلاث عائلات مزقتها الحرب وغيرت مصيرها إلى الأبد.
لم يكن أمام هناء الكثير من الخيارات، ولم يكن الحزن الذي استقر في قلبها كافيا ليعفيها من أعباء الحياة. فبين ألم فقدان الزوج والابن، ومسؤولية تربية الأطفال وتأمين احتياجاتهم اليومية، وجدت نفسها أمام واقع قاس لا ينتظر أن تلتئم جراحها، ولا يمنحها رفاهية الاستسلام لوجعها، كان عليها أن تنهض، وأن تبحث عن مصدر رزق يوفر الحد الأدنى من احتياجات الصغار الذين أصبحوا يعتمدون عليها في مواجهة ظروف معيشية بالغة الصعوبة.
هناء الزبدة وأطفالها
من وجع الفقد إلى معركة البقاء
لم تكن الحرب بالنسبة إلى هناء الزبدة مجرد أيام من الخوف والقصف والنزوح، بل كانت تجربة قاسية سلبتها زوجها وابنها، وتركت في قلبها فراغا لا تستطيع الكلمات وصفه، ففي الوقت الذي كانت تحاول فيه استيعاب حجم خسارتها، وجدت نفسها أمام مسؤوليات أكبر من قدرتها على الاحتمال، ومسار جديد فرضته عليها ظروف لم تخترها.
أصبحت هناء مسؤولة عن إعالة أطفالها الثلاثة، إلى جانب أبناء شقيقاتها السبعة الذين فقدوا والديهم خلال الحرب، وينتمون إلى ثلاث عائلات باتت تواجه واقع اليتم وغياب السند، عشرة أطفال يحتاجون إلى الطعام والملابس والرعاية والاحتواء، ويحتاجون قبل كل شيء إلى الشعور بأن هناك من يقف إلى جانبهم، ويحاول أن يمنحهم بعض الأمان في عالم تغير فجأة من حولهم.
لم تكن المهمة سهلة على امرأة تحمل في داخلها أحزانا متراكمة، لكنها أدركت أن الأطفال لا يستطيعون الانتظار حتى تتجاوز أحزانها، واحتياجاتهم اليومية لا تتوقف أمام قسوة الظروف، فالجوع لا ينتظر، ومستلزمات الحياة لا تتأجل، والأطفال الذين فقدوا ذويهم يحتاجون إلى من يمد إليهم يد العون، ويحاول أن يعوضهم، ولو بجزء بسيط، عن غياب من كانوا يشكلون مصدر الأمان في حياتهم.
وهكذا، وجدت هناء نفسها أمام مسؤولية مضاعفة، أن تواجه حزنها الشخصي، وتحمي في الوقت ذاته عشرة أطفال من أن تسرقهم قسوة الظروف من حقهم في الحياة والكرامة.
صناعة الجبنة.. حرفة بسيطة تحمل أحلام عشرة أيتام
وسط هذه المعاناة، لم تستسلم هناء الزبدة للعجز، ولم تنتظر أن يأتيها الفرج من مكان بعيد، بل قررت أن تبحث عن وسيلة تستطيع من خلالها توفير مصدر دخل يساعدها على إعالة الأطفال، فاتجهت إلى صناعة الجبنة داخل منزلها، مستندة إلى ما تستطيع القيام به بإمكاناتها المتاحة، لتحول ما بين يديها إلى مصدر رزق، وما تبذله من جهد إلى محاولة يومية لتأمين احتياجات الأسرة الكبيرة.
لم تكن صناعة الجبنة بالنسبة إلى هناء مجرد عمل منزلي عادي، بل أصبحت وسيلتها لمقاومة الفقر والحاجة، وخطوة عملية في مواجهة واقع فرضته الحرب عليها، ففي كل مرة تعمل فيها على إعداد الجبنة، تحمل معها مسؤولية عشرة أطفال، وتضع أمام عينيها احتياجاتهم التي لا تنتهي، وأملها في أن تتمكن من توفير ما يحتاجون إليه من طعام ومستلزمات أساسية.
داخل منزلها، تحاول هناء أن تصنع من الإمكانات البسيطة فرصة للاستمرار، فبدلا من الوقوف عاجزة أمام الظروف، اختارت العمل بما تستطيع، لتصبح صناعة الجبنة بابا تحاول من خلاله تأمين لقمة العيش لأطفالها الثلاثة وأبناء شقيقاتها السبعة.
إنها حكاية امرأة لم تمنحها الحرب الوقت الكافي لالتقاط أنفاسها، لكنها دفعتها إلى خوض معركة جديدة، عنوانها العمل والصبر وتحمل المسؤولية، ولم تعد هناء تعمل من أجل نفسها وحدها، بل من أجل عشرة أطفال ينتظرون منها أن تواصل المحاولة، وأن تجعل من كل يوم جديد فرصة لتأمين احتياجاتهم الأساسية.
عشرة أيتام وثلاث عائلات مسؤولية أكبر من الكلمات
وراء قصة هناء الزبدة تقف حكايات عشرة أطفال، لكل واحد منهم وجعه الخاص، وذكرياته التي ارتبطت بأشخاص غابوا عن حياتهم، وأحلام يحاولون التمسك بها رغم قسوة الواقع، ثلاثة من هؤلاء الأطفال هم أبناء هناء، الذين فقدوا والدهم، فيما ينتمي السبعة الآخرون إلى أبناء شقيقاتها، الذين فقدوا آباءهم وأمهاتهم خلال الحرب.
وبين هذه العائلات الثلاث، أصبحت هناء حلقة الوصل التي تحاول أن تجمع شتات الحياة، وتوفر للأطفال ما تستطيع من رعاية واحتياجات، رغم ما تعرضت له هي نفسها من خسائر موجعة.
إن إعالة عشرة أطفال ليست مهمة بسيطة، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية والإنسانية الصعبة التي يعيشها القطاع، فالمسؤولية لا تقتصر على توفير الطعام، بل تمتد إلى تأمين الملابس والاحتياجات اليومية، ومتابعة شؤونهم، ومحاولة منحهم الشعور بالاستقرار في ظل واقع لا يوفر كثيرا من الضمانات.
وتزداد قسوة هذه المسؤولية عندما تكون المرأة التي تتولاها قد فقدت زوجها وابنها، وتحاول في الوقت نفسه التعامل مع حزنها الشخصي، ومع ذلك، تواصل هناء السعي لتوفير احتياجات الصغار، مستندة إلى العمل والصبر، وإلى إيمانها بأن هؤلاء الأطفال يستحقون فرصة للحياة الكريمة، مهما اشتدت الظروف من حولهم.
الأطفال الذين فقدوا والديهم لا يحتاجون إلى الطعام والملبس فقط، بل يحتاجون أيضا إلى الرعاية والحنان والشعور بأنهم ليسوا وحدهم في مواجهة الحياة، وهناء، بما تتحمله من مسؤوليات، تحاول أن تكون لهم سندا، وتمنحهم ما تستطيع من الاستقرار، في وقت لا تزال فيه آثار الحرب حاضرة في تفاصيل حياتهم.
امرأة تواجه الحزن بالعمل وتتمسك بالأمل رغم قسوة الحرب
قد يرى البعض في صناعة الجبنة عملا بسيطا، لكن هذه الحرفة بالنسبة إلى هناء الزبدة تحمل معنى أكبر بكثير من مجرد إنتاج غذاء أو بيعه، إنها محاولة للحفاظ على كرامة الأسرة، ومقاومة الحاجة، وتوفير مصدر دخل يمكن أن يساعد عشرة أطفال على مواصلة حياتهم في ظروف استثنائية.
إنها قصة امرأة لم تختر أن تفقد زوجها وابنها، ولم تختر أن تتحمل وحدها مسؤولية إعالة أبناء شقيقاتها الأيتام، لكنها اختارت ألا تستسلم لما فرضته عليها الحرب، وحين ضاقت الخيارات، بحثت عن فرصة داخل منزلها، وبدأت تعمل بما تملك، في محاولة لتوفير ما يحتاج إليه الأطفال، يوما بعد يوم.
ولا تعني هذه المحاولة أن الطريق أصبح سهلا، أو أن صناعة الجبنة وحدها قادرة على إنهاء كل الأعباء التي تواجهها الأسرة، لكنها تعكس إصرار هناء على الاستمرار، ورغبتها في الاعتماد على العمل لتأمين احتياجات الأطفال، بدلا من الوقوف أمام قسوة الظروف دون حيلة.
وفي كل يوم، تبقى مسؤولية إعالة عشرة أطفال امتحانا شاقا لقدرتها على التحمل، خاصة في ظل الظروف التي يعيشها القطاع، ومع ذلك، تظل محاولتها للعمل رسالة واضحة عن قوة النساء اللواتي وجدن أنفسهن في مواجهة مسؤوليات مضاعفة بعد فقدان أفراد من أسرهن، فحملن أعباء الحياة، وسعين إلى حماية أطفالهن من المزيد من الحرمان.
نداء إنساني يتجاوز حدود منزلها
قصة هناء الزبدة ليست حكاية امرأة تصنع الجبنة داخل منزلها فحسب، بل هي صورة من صور المعاناة الإنسانية التي خلفتها الحرب في غزة، حيث فقدت أسر كثيرة معيلها، ووجدت نساء أنفسهن أمام مسؤوليات لم يكن من السهل الاستعداد لها، وأصبح الأطفال الأيتام في حاجة ماسة إلى الرعاية والمساندة.
ومن هنا، تبرز أهمية الالتفات إلى أوضاع هناء وأطفالها العشرة، والنظر إلى ما تحمله من أعباء بعين الإنسانية، والعمل على مساندة الأسر التي تحاول الاعتماد على جهودها الذاتية لتأمين احتياجات أبنائها، رغم محدودية الإمكانات وقسوة الظروف.
إن توفير الدعم الإنساني والمعيشي لهذه الأسرة يمكن أن يساهم في تخفيف جزء من الأعباء اليومية عن كاهل هناء، ويساعدها على مواصلة عملها وتأمين احتياجات الأطفال الذين أصبحوا يعتمدون عليها، كما أن مساندة مشروعها المنزلي الصغير قد تمنحها فرصة أفضل للاستمرار في العمل وتوسيع مصدر رزقها، بما ينعكس إيجابيا على حياة الأطفال.
هناء الزبدة امرأة فقدت زوجها وابنها، لكنها لم تتخل عن مسؤوليتها تجاه أبنائها وأبناء شقيقاتها السبعة، واختارت أن تواجه الفقد بالعمل، وتصنع من الجبنة مصدرا للأمل، ومن منزلها مساحة للكفاح من أجل عشرة أطفال أيتام.
في غزة، حيث تركت الحرب جراحًا عميقة في قلوب الناس، تظل حكاية هناء شاهدا على أن وراء كل امرأة تكافح قصة تستحق أن تروى، ووراء كل طفل يتيم حاجة إلى من يسانده، ووراء كل مشروع صغير قد تبدو إمكاناته محدودة عائلة كاملة تنتظر فرصة للحياة بكرامة.
إنها حكاية أم لم توقفها الخسارة عن المحاولة، وامرأة تحمل في قلبها الحزن، وفي يديها حرفة تسعى من خلالها إلى تأمين لقمة العيش، وفي حياتها مسؤولية عشرة أطفال ينتظرون غدا أكثر أمنا واستقرارا، هناء الزبدة لا تصنع الجبنة وحدها، بل تصنع بها فرصة للبقاء، وتحاول أن تحفظ لأطفالها وأبناء شقيقاتها حقهم في الحياة، رغم أن الحرب أخذت منها الكثير وتركت على عاتقها ما يفوق طاقة امرأة واحدة.