لم تعد قضايا المياه ملفًا فنيًا منفصلًا عن بقية قضايا التنمية، بل أصبحت مرتبطة بصورة مباشرة بالأمن الغذائي والطاقة والمناخ والاستقرار الإقليمي، وهو ما يضع إدارة الموارد المائية أمام تحديات متشابكة تتطلب تعاونًا دوليًا وحلولًا تتجاوز الأساليب التقليدية.
وفي هذا السياق، ينطلق فى القاهرة خلال الفترة من 25 إلى 29 أكتوبر 2026 فعاليات أسبوع القاهرة التاسع للمياه، تحت رعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي، تحت شعار «المياه حافزًا للسلام والازدهار المشترك وكوكب مستدام»، بمشاركة وزراء ومسؤولين وخبراء وباحثين وممثلي منظمات دولية وإقليمية.
ويأتي انعقاد النسخة التاسعة امتدادًا لمسار بدأته مصر عام 2018، عندما انطلقت النسخة الأولى من أسبوع القاهرة للمياه بهدف توفير منصة لتبادل الخبرات، ومناقشة التحديات المائية، والبحث عن حلول مبتكرة لإدارة الموارد المائية وتحقيق التنمية المستدامة. وعلى مدار السنوات الماضية، تطورت الفعالية لتصبح مساحة للحوار بين صناع القرار والخبراء والمؤسسات الدولية والبحثية والقطاع الخاص.
المياه والسلام.. ملف يتجاوز الحدود
يضع الأسبوع في نسخته التاسعة قضية إدارة الموارد المائية المشتركة في مقدمة اهتماماته، من خلال بحث إدارة المياه العابرة للحدود في إطار القانون الدولي للمياه، وربط التعاون المائي بمفاهيم السلام والاستقرار الإقليمي.
ويعكس اختيار هذا المحور اتساع نطاق التحديات المرتبطة بالمياه المشتركة، والحاجة إلى أطر للتعاون والحوار بين الدول، خاصة مع تزايد الضغوط الناتجة عن النمو السكاني والتغيرات المناخية وتغير أنماط استخدام الموارد الطبيعية.
5 محاور ترسم خريطة النقاش
وتدور فعاليات أسبوع القاهرة التاسع للمياه حول خمسة محاور رئيسية، تجمع بين قضايا المياه التقليدية والملفات المستحدثة المرتبطة بالتكنولوجيا والمناخ والتمويل.
ويأتي في مقدمتها إدارة الموارد المائية المشتركة في إطار القانون الدولي للمياه لتحقيق السلام والاستقرار الإقليمي، إلى جانب تأمين النظم الزراعية والغذائية من خلال تحلية المياه ومعالجة مياه الصرف.
كما يناقش الأسبوع تعزيز المرونة المناخية من خلال الحلول المستدامة لإدارة الموارد المائية والمناطق الساحلية، وتسخير الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي لاستدامة الموارد المائية، بالإضافة إلى مواجهة التحديات المائية من خلال الأدوات الفنية والأطر المجتمعية والتمويل والحوكمة الوطنية للمياه.
وتكشف هذه المحاور عن تحول النقاش من التركيز على توفير المياه فقط إلى البحث في كيفية إدارة المورد بكفاءة، وحمايته من آثار تغير المناخ، وتوظيف التكنولوجيا في مراقبته واتخاذ القرار، إلى جانب توفير التمويل والأطر المؤسسية اللازمة لتنفيذ الحلول.
الزراعة والأمن الغذائي.. المياه في قلب المعادلة
ويحتل ارتباط المياه بالأمن الغذائي مساحة مهمة ضمن أجندة الأسبوع، من خلال بحث دور التحلية ومعالجة مياه الصرف في تأمين النظم الزراعية والغذائية.
ويكتسب هذا الملف أهمية خاصة في ظل زيادة الطلب على المياه وارتفاع الضغوط المناخية، بما يدفع إلى التوسع في البحث عن مصادر غير تقليدية للمياه، وتحسين كفاءة الاستخدام، وتعظيم الاستفادة من كل قطرة متاحة.
كما يفتح النقاش الباب أمام الربط بين سياسات المياه والزراعة، باعتبار أن تأمين الغذاء لا ينفصل عن تأمين الموارد اللازمة للإنتاج الزراعي، خاصة في الدول التي تواجه تحديات مائية ومناخية متزايدة.
الذكاء الاصطناعي يدخل منظومة إدارة المياه
ومن أبرز الملفات الجديدة التي يطرحها أسبوع القاهرة للمياه توظيف الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي في إدارة الموارد المائية.
فالتكنولوجيا لم تعد تقتصر على جمع البيانات، وإنما أصبحت أداة لتحليلها ودعم اتخاذ القرار، ومتابعة الموارد والمنشآت، وتحسين كفاءة التشغيل، والتعامل بصورة أسرع مع المتغيرات التي قد تؤثر على منظومة المياه.
ولهذا يخصص الأسبوع محورًا كاملًا لبحث كيفية الاستفادة من الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي في تحقيق استدامة الموارد المائية، بما يعكس الاتجاه العالمي نحو بناء منظومات أكثر اعتمادًا على البيانات والتكنولوجيا.
114 جلسة علمية وفنية
وتشهد الدورة التاسعة برنامجًا علميًا وفنيًا موسعًا يضم 114 جلسة بمشاركة منظمات دولية وإقليمية، من بينها منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «فاو»، واليونسكو، والمعهد الدولي لإدارة المياه، والوكالة الألمانية للتعاون الدولي، والمجلس العالمي للمياه، إلى جانب الاتحاد الأوروبي ومنظمات وجهات أخرى.
كما استقبل المؤتمر العلمي 122 ملخصًا بحثيًا، جرى قبول 104 منها بعد التقييم الأولي، بينما انتقلت مشاركات أخرى إلى مراحل متقدمة من التقييم، في مؤشر على اتساع المشاركة البحثية في قضايا المياه.
ولا يقتصر الاهتمام على الخبراء والمؤسسات، إذ يتضمن الأسبوع مسابقات تستهدف الشباب والباحثين والمبتكرين، بما يفتح مساحة أمام الأفكار الجديدة والمشروعات التي يمكن أن تقدم حلولًا عملية للتحديات المائية.
حضور دولي ومشاركة من 119 دولة
وتعكس المشاركة الدولية اتساع نطاق الأسبوع، حيث وجهت مصر دعوات إلى وزراء ومسؤولين رفيعي المستوى من 119 دولة، مع تأكيد مشاركة عدد من الوزراء ونواب الوزراء ورؤساء الوفود، إلى جانب ممثلي المنظمات الدولية والإقليمية والمؤسسات البحثية والأكاديمية.
وتمنح هذه المشاركة الأسبوع فرصة لطرح القضايا المائية من زوايا متعددة، تجمع بين التجارب الوطنية والخبرات العلمية والمؤسسات الدولية، بما يتيح تبادل التجارب ومناقشة الحلول القابلة للتطبيق.
المؤتمر العربي السابع للمياه
وبالتوازي مع أسبوع القاهرة، تستضيف القاهرة المؤتمر العربي السابع للمياه يومي 26 و27 أكتوبر، تحت عنوان «المياه في المنطقة العربية: شراكات من أجل السلام والتنمية المستدامة»، إلى جانب اجتماع المجلس الوزاري العربي للمياه.
وتضيف هذه الفعاليات بُعدًا إقليميًا للأسبوع، من خلال فتح نقاش عربي حول قضايا الأمن المائي، والتعاون، وإدارة الموارد، والمياه غير التقليدية، والتكنولوجيا والتمويل.
كما يتزامن الأسبوع مع المعرض والمؤتمر الدولي للمياه ومياه الصرف الصحي والبنية التحتية والطاقة خلال الفترة من 26 إلى 28 أكتوبر، بما يوفر مساحة لعرض التقنيات والحلول الحديثة وربط الجهات الحكومية بالشركات والمؤسسات العاملة في قطاعات المياه والبنية التحتية والطاقة.
من الحوار إلى الحلول
وبعد ثماني نسخ سابقة، يأتي أسبوع القاهرة للمياه في نسخته التاسعة ليؤكد أن ملف المياه لم يعد قابلًا للإدارة من خلال قطاع واحد أو دولة واحدة، وإنما يحتاج إلى شراكات تجمع الحكومات والجامعات ومراكز البحوث والمنظمات الدولية والقطاع الخاص والشباب.
وتحاول النسخة الجديدة الانتقال خطوة إضافية من تشخيص التحديات إلى مناقشة أدوات التعامل معها، عبر الجمع بين القانون الدولي للمياه، والأمن الغذائي، والتكيف المناخي، والذكاء الاصطناعي، والتمويل والحوكمة.
وفي النهاية، تظل القيمة الحقيقية لأي منصة مائية في قدرتها على تحويل النقاشات والأبحاث والخبرات إلى سياسات وحلول قابلة للتطبيق؛ وهو التحدي الذي يضعه أسبوع القاهرة للمياه أمام المشاركين في نسخته التاسعة، في وقت أصبحت فيه المياه عنصرًا أساسيًا في معادلة السلام والتنمية والاستقرار.