"الأطقم الطبية بغزة.. وجع فى القلب ورسالة لا تنكسر".. الدكتور أحمد مهنا مدير البرامج الصحية بجمعية العودة لـ"اليوم السابع": الحرب جعلتني أعيش الخوف كإنسان والعجز كطبيب والمسؤولية كمدير مستشفى.. وهذا أصعب مشهد

الجمعة، 02 أكتوبر 2026 07:00 م
"الأطقم الطبية بغزة.. وجع فى القلب ورسالة لا تنكسر".. الدكتور أحمد مهنا مدير البرامج الصحية بجمعية العودة لـ"اليوم السابع": الحرب جعلتني أعيش الخوف كإنسان والعجز كطبيب والمسؤولية كمدير مستشفى.. وهذا أصعب مشهد الدكتور أحمد مهنا

حوار / أحمد عرفة

<< أصعب ما واجهته أن أعرف ما يحتاجه المريض ولا أستطيع إنقاذه

<< نزحت وأنا أحمل خوف عائلتي ومرضاي

<< لم يتوقف تفكيري عن المرضى والطواقم خلال فترة اعتقالى.. وكنت أتساءل هل ستستمر الخدمات؟

<< الأطباء لم يكونوا بمنأى عن الجوع والمجاعة والخوف لكنهم واصلوا العمل

<< مشهد لن أنساه لطفلة عمرها ثلاث سنوات تنظر إلى عيني وتطلب النجدة وأنا عاجز عن إنقاذها.. فقدناها وما زالت صورتها في ذاكرتي

<< لم تكن عودتي إلى العمل بعد الاعتقال سهلة لكن حاجة المرضى كانت أكبر من أي وقت مضى

<< المستشفى ليس مجرد مبنى والطبيب ليس مجرد موظف والمريض ليس رقما في تقرير

<< كنا نضطر أحيانا إلى إجراء بعض التدخلات في قسم الطوارئ في ظروف شديدة الصعوبة بسبب نقص المستلزمات وأدوية التخدير

<< الحرب لم تأخذ منا الأمان فقط.. أخذت من الطبيب قدرته أحيانا على إنقاذ من يعرف كيف ينقذه

 

هناك لحظات لا ينساها الطبيب مهما مرت السنوات، ليس لأنها كانت الأصعب في غرفة العمليات، وإنما لأنها تركته واقفا أمام مريض يعرف كيف يمكن إنقاذه، لكنه لا يملك ما ينقذ به حياته، إحدى هذه اللحظات ما زالت حاضرة في ذاكرة الدكتور أحمد مهنا، مدير البرامج الصحية والمجتمعية بجمعية العودة الصحية والمجتمعية، الطبيب الذي عاش سنوات طويلة في مستشفى العودة بشمال غزة، وعمل خلال الحرب وسط القصف والحصار ونقص الأدوية والمستلزمات الطبية، قبل أن يختبر تجربة أخرى حين حاصر الاحتلال المستشفى التي كان مديرها واعتقله مع ثلاثة من زملائه.

يتذكر طفلة لم تتجاوز الثالثة من عمرها، جاءت إلى المستشفى مصابة في رأسها، تحملها ذراعا والدها الذي كان يبكي ويستغيث، كانت الطفلة تنظر إليه بصمت، فيما كان يعرف أن ما تحتاجه يتجاوز الإمكانات المتاحة أمامه، يقول إن تلك النظرة ما زالت تسكن ذاكرته، نظرة طفلة كانت تطلب النجدة، بينما كان هو، الطبيب، يشعر للمرة الأولى بعجز لا يستطيع معه أن يفعل ما يعرف أنه يجب أن يفعله.

خلف هذا المشهد، تختبئ حكاية أكبر عن أطباء وممرضين وعاملين صحيين حاولوا أن يتمسكوا بواجبهم، بينما كانوا هم أنفسهم يعيشون الخوف والجوع والنزوح، ويقلقون على عائلاتهم، ويعملون في مستشفى لم يعد مكانا للعلاج فقط، بل أصبح مساحة للصمود في وجه ظروف قاسية لا تشبه أي بيئة طبية طبيعية.

في هذا الحوار، لا يتحدث الطبيب عن الأرقام وحدها، ولا عن نقص الأدوية والوقود والأجهزة باعتبارها تفاصيل فنية، بل عن الإنسان الذي يقف خلف كل رقم، مريض ينتظر فرصة للحياة، وأب يحمل طفله، وطبيب يحاول أن ينقذ ما يستطيع، وطواقم طبية تواصل العمل رغم خوفها وتعبها، يستعيد تفاصيل من أيام الحرب، وذكريات النزوح والاعتقال، والقلق الذي لم يفارقه على مرضاه وزملائه، ثم يتحدث عن العودة إلى العمل بعد الإفراج عنه، وعن منظومة صحية أنهكتها الحرب وما تزال تحاول أن تقدم ما تستطيع.

هذه شهادة طبيب لم تكن الحرب بالنسبة إليه خبرا يقرأه أو أرقاما يتابعها، بل كانت حياة عاشها بين المرضى، وداخل المستشفى، وفي لحظات الفقد والعجز والخوف، وربما لهذا تختصر عبارته جوهر هذه التجربة كلها "المستشفى ليس مجرد مبنى، والطبيب ليس مجرد موظف، والمريض ليس رقما في تقرير"، وإلى نص الحوار ..

الطبيب الفلسطيني أحمد مهنا
الطبيب الفلسطيني أحمد مهنا

كيف تصف حياة الطبيب في شمال غزة خلال الحرب خاصة عندما يتحول المستشفى نفسه إلى مساحة للخوف والنجاة؟

إذا تحدثنا عن الوضع في مستشفى العودة بشمال غزة، فأنا أتحدث من موقعين، الموقع الأول هو تجربتي السابقة كمدير لمستشفى العودة في تل الزعتر شمال القطاع، والموقع الثاني هو مسؤوليتي الحالية كمدير للبرامج الصحية والمجتمعية في جمعية العودة الصحية والمجتمعية، مستشفى العودة استمرت في العمل منذ بداية العدوان وحتى 29 مايو 2025، عندما خرجت قسرا عن الخدمة بعد أن أصبح استمرار العمل فيها غير ممكن نتيجة البطش والحصار والاستهداف من قوات الاحتلال، وتحديدا في مخيم جباليا، ولذلك لا أتحدث اليوم عن مستشفى العودة باعتبارها مستشفى تعمل بشكل طبيعي، فقد حيدت إسرائيل المستشفى عن الخدمة بالكامل منذ ذلك التاريخ.

كيف كان الأطباء والكوادر الطبية يواصلون العمل رغم القصف والخطر المباشر على حياتهم؟

كانت تجربة فريدة وقاسية، لكنها أثبتت بطولة كبيرة من طواقم جمعية العودة ومستشفى العودة في شمال القطاع، الذين تحدوا الظروف الصعبة واستمروا في العمل، أصبح المستشفى الوحيد الذي استمر في تقديم الخدمات الصحية في شمال غزة رغم الضغط الهائل الذي تعرضت له، والتهديدات المستمرة، وتعرض منشآتها وأجهزتها والبنية التحتية فيها للدمار، نحن نتحدث عن منظومة صحية كاملة تعرضت لضغط هائل من البطش والدمار، ومع ذلك ظلت الطواقم الصحية تحاول العمل بما هو متاح، لأن الحاجة إلى الخدمات الصحية لم تتوقف، بل ازدادت، ومن جانبنا، افتتحنا 8 مراكز صحية في مدينة غزة وفي الشمال، و4 مراكز أخرى في المنطقة الوسطى والجنوب، بالإضافة إلى توسعة الخدمات في مستشفى العودة بالمنطقة الوسطى في النصيرات، التي كانت تضم 30 سريرا فقط، وأصبحت اليوم تضم أكثر من 140 سريرًا إلى جانب خدمات متنوعة.

ما أصعب يوم مر عليك خلال عملك في مستشفى العودة، وما الذي حدث فيه؟

أصعب شيء بالنسبة للطبيب ليس أن يرى مريضا مصابا، وإنما أن يعرف ما يحتاجه المريض ولا يستطيع توفيره، وخلال عملي في مستشفى العودة تل الزعتر مررت بمواقف كثيرة كان علينا فيها ترتيب الأولويات تحت ضغط شديد، وأستذكر موقفا عندما أحضروا لي طفلة مع والدها، تبلغ من العمر ثلاث سنوات، وكانت مصابة في الرأس بشظية صغيرة وتنزف، وفي ظل الحصار الشديد، لم تكن هناك إمكانية لإجراء جراحة مخ وأعصاب لوقف النزيف في الدماغ، وقفت أمام هذه الطفلة وهي في حضن والدها الذي كان يبكي ويستغيث، بينما كانت الطفلة تنظر لي بصمت وتبكي، وكأنها تطلب النجدة، وللأسف، أجهشت بالبكاء لأنني شعرت بالعجز وعدم القدرة على تقديم الخدمة التي تحتاجها، وبعد نحو نصف ساعة فقدنا هذه الطفلة، وهي تنظر إلى عيني، كان هذا من أصعب المشاهد والمواقف التي مررت بها في حياتي على الإطلاق.

هل اضطررت إلى اتخاذ قرارات طبية صعبة بسبب نقص الإمكانات أو عدم توافر العلاج المناسب؟

بالتأكيد.. الطبيب قد يعرف بالضبط ما يحتاجه المريض، لكن المشكلة تبدأ عندما لا يكون الدواء متوفرا، أو يكون الجهاز المطلوب معطلا، ولا توجد قطعة غيار ولا إمكانية لإصلاحه، ففي الظروف العادية قد يكون نقص المستلزمات مشكلة مؤقتة، لكن في غزة أصبح نقص المستلزمات واقعا يوميا، وهذا يجعل الأطباء يعملون باستمرار في حالة من التكيف مع النقص، ويحاول الطبيب أن يقدم أفضل ما لديه حتى يضمن وصول الخدمة للمريض بالإمكانات المتاحة.

هل تتذكر موقفا اضطررت فيه إلى علاج مصاب بإمكانات محدودة للغاية؟

نعم، هناك مواقف كثيرة، كنا نضطر أحيانا إلى إجراء بعض التدخلات في قسم الطوارئ، مثل خياطة الجروح، في ظروف شديدة الصعوبة بسبب نقص المستلزمات وأدوية التخدير، وأتحفظ هنا عن القول إن العلاج أو جميع العمليات كانت تتم من دون تخدير، لكن الأدق أن نقول إن نقص أدوية التخدير وضع الطواقم الطبية أمام ظروف شديدة الصعوبة، وحدّ من خياراتها العلاجية.

كيف كان الأطباء يتعاملون مع وصول أعداد كبيرة من المصابين في وقت واحد؟

الشمال أخذ نصيبا كبيرا من هذه الحرب، وكانت الأشهر الثلاثة الأولى للحرب من أصعب الفترات على الإطلاق من حيث القوة النارية والدمار الذي طال البنية التحتية والمنازل والشوارع وكل شيء، وكانت أعداد المصابين ضخمة، وفي الوقت نفسه لم تكن هناك مستشفيات قادرة على استيعابهم، خرج المستشفى الإندونيسي الحكومي عن الخدمة في منتصف نوفمبر، كما خرج مستشفى كمال عدوان عن الخدمة في وقت مبكر، وأصبحت مستشفى العودة المستشفى الوحيد الذي يقدم الخدمات الصحية في شمال غزة، وبالتالي بدأ النقص في المواد والمستلزمات والأدوية، واضطرت الطواقم إلى التعامل مع الحالات وفق درجة الخطورة والإمكانات المتاحة.

ماذا يعني للطبيب أن يرى مرضاه يسقطون بينما هو مطالب بالاستمرار في إنقاذ الآخرين؟

هذا من أصعب ما يمكن أن يعيشه الطبيب، أنت ترى أمامك إنسانا يحتاج إلى تدخل، وتعرف ما يمكن أن ينقذ حياته، لكنك لا تملك الدواء أو الجهاز أو الإمكانية التي تسمح لك بذلك، والمسألة ليست فقط في رؤية الإصابات، وإنما في الإحساس بالعجز أمام مريض يحتاج إليك وأنت لا تستطيع أن تقدم له ما تعرف أنه يحتاج إليه.

ما حجم التضحيات التي قدمها الأطباء والممرضون والعاملون في مستشفى العودة خلال الحرب؟

التضحيات كانت كبيرة للغاية، الطواقم لم تعمل في ظروف طبية صعبة فقط، بل عملت وسط القصف والحصار والتهديد والاستهداف، مع تعرض المنشآت والأجهزة والبنية التحتية للدمار، ومع ذلك، لم تتوقف مستشفى العودة عن استقبال المرضى على الإطلاق، حاصر الاحتلال المستشفى في 17 ديسمبر وتمت مداهمتها واعتقالي أنا وثلاثة من زملائي، لكن في اليوم التالي استأنفت المستشفى العمل، وتم تكليف أحد الزملاء بإدارتها، واستمر العمل حتى 29 مايو 2025، عندما خرجت عن الخدمة قسرا.

هل وصل بكم الأمر إلى العمل لأيام متواصلة دون نوم أو راحة بسبب كثافة الإصابات؟

كانت ظروف العمل استثنائية للغاية، وكانت الحاجة إلى الخدمات الصحية أكبر من الإمكانات المتاحة، والطواقم كانت تعمل تحت ضغط هائل، وتتعامل يوميا مع أعداد كبيرة من المرضى والمصابين، إضافة إلى نقص الموارد والخوف المستمر.

الدكتور محمد مهنا مدير مستشفى العودة
الدكتور محمد مهنا مدير مستشفى العودة

كيف كان القصف يؤثر في سير العمل داخل مستشفى العودة؟

القصف والحصار والاستهداف جعل استمرار العمل تحديا كبيرا، خاصة مع تضرر المنشآت والأجهزة والبنية التحتية، لكن الحاجة إلى الخدمة الصحية لم تتوقف، ولذلك كانت الطواقم تحاول الاستمرار بما هو متاح، وخروج المستشفى عن الخدمة لم يكن قرارا إداريا طبيعيا، وإنما جاء نتيجة ظروف جعلت استمرارها في العمل غير ممكن.

هل مررت بلحظات اضطررت فيها إلى إخلاء أقسام أو نقل مرضى تحت القصف؟

كانت الظروف تفرض على الطواقم التعامل مع الخطر بشكل مستمر، وكان الحفاظ على استمرار الخدمة الصحية وتأمين المرضى والطواقم تحديا يوميا في ظل الحصار والاستهداف.

هل كان هناك نقص في الوقود والكهرباء والمياه؟

الوقود كان وما زال من الاحتياجات الأساسية للمنشآت الصحية، لأن المولدات هي مصدر الطاقة الأساسي لتشغيل المستشفيات والمراكز الصحية.

كيف انعكس ذلك على علاج المرضى؟

وإذا توقفت المولدات، ستتوقف الخدمات في المستشفى، ولذلك نحتاج بشكل عاجل إلى الزيوت وقطع الغيار للمولدات، إلى جانب الأدوية والمستهلكات الطبية، وخاصة أدوية الطوارئ والتخدير والعناية المركزة.

كيف كان نقص الغذاء يؤثر في قدرة المرضى على التعافي من الإصابات والعمليات؟

ظروف الحرب والنزوح وسوء التغذية ونقص الرعاية الطبية تشكل مخاطر كبيرة على صحة المرضى، كما تؤثر على قدرة الجسم على التعافي، خاصة في الحالات التي تحتاج إلى تدخلات جراحية أو علاج طويل.

هل وصل الأمر إلى أن يضطر الأطباء أنفسهم إلى العمل وهم يعانون نقص الغذاء؟

الطواقم الطبية نفسها جزء من المجتمع الذي يعيش هذه الظروف، ولذلك لم تكن بمنأى عن تداعيات الحرب ونقص الطعام والمجاعة والضغط المستمر، ومع ذلك، استمرت في أداء واجبها تجاه المرضى.

كيف كان نقص الأدوية والمستلزمات الطبية يؤثر على المرضى؟

المريض هو الطرف الخاسر والأضعف في هذه المعادلة، وهو الذي يدفع الثمن بالفعل، والطبيب قد يعرف بالضبط ما يحتاجه المريض، لكن عندما لا يكون الدواء موجودا أو يكون الجهاز المطلوب معطلا ولا توجد قطعة غيار لإصلاحه، تصبح قدرة الطبيب محدودة للغاية، والوقود أيضا عنصر أساسي، لأن عدم توفره لتشغيل الأجهزة التي تدعم الخدمات الأساسية يصبح عائقا أمام حصول المواطنين على الخدمة التي يحتاجون إليها.

ماذا عن حالات الولادة والنساء الحوامل في ظل نقص الأدوية والتخدير؟

الولادة لا تنتظر الحروب، والمرأة الحامل لا تستطيع تأجيل ولادتها حتى تتوفر الظروف المناسبة، والطواقم الطبية تتعامل مع الحالات وفق درجة الخطورة والإمكانات المتاحة، لكن نقص الأدوية والتخدير والمسكنات والمستلزمات الطبية يجعل التعامل مع بعض الحالات أكثر صعوبة، ويعيق استكمال خطط العلاج بصورة متكاملة، وفي بعض الأحيان لا يستطيع المرضى الحصول على جميع الخدمات الجراحية في بعض المرافق نتيجة نقص التجهيزات والأدوية والمستلزمات، وبالنسبة للإجهاض، أفضل أن أكون دقيقا ومسؤولا، ولا أريد إعطاء أرقام أو تأكيد حالات محددة من دون بيانات طبية موثوقة، لكن ما يمكن قوله بوضوح هو أن ظروف الحرب والنزوح وسوء التغذية ونقص الرعاية الطبية تشكل مخاطر كبيرة على النساء والحوامل وعلى صحة الأمهات والأطفال.

كيف عشت تجربة النزوح شخصيا وأنت في الوقت نفسه طبيب ومدير مستشفى؟

كانت تجربة النزوح بالنسبة لي قاسية جدا، لأنك تعيش الخوف على نفسك وعائلتك، وفي الوقت نفسه تحمل مسؤولية مستشفى ومرضى وطواقم طبية، كنت أعيش التجربة من موقع الإنسان الذي يتألم ويخاف، ومن موقع الطبيب والمسؤول الذي عليه أن يستمر في أداء واجبه.

ماذا كان أصعب.. الخوف على نفسك أم الخوف على المرضى والطاقم الطبي؟

الخوف على المرضى والطاقم كان حاضرا باستمرار، لأنك مسؤول عن أشخاص يعتمدون عليك، وتعرف أن أي نقص أو استهداف أو توقف للخدمة قد يعني فقدان حياة إنسان.

كيف بدأت لحظة اعتقالك؟

حاصر الاحتلال مستشفى العودة في 17 ديسمبر، ثم تمت مداهمة المستشفى واعتقالي أنا وثلاثة من زملائي.

ماذا تتذكر من الساعات الأولى بعد اقتيادك؟

كانت لحظة صعبة للغاية، خاصة أن المستشفى كان مكانا يقدم الخدمة للمرضى في ظل ظروف استثنائية.

ماذا حدث لك منذ لحظة الاعتقال وحتى وصولك إلى مكان الاحتجاز؟

كانت تجربة قاسية، وأترك تفاصيلها لما يمكن توثيقه بدقة، لكن الاعتقال جاء في سياق الظروف الصعبة التي كانت تمر بها المستشفى والمنطقة، بينما كانت الطواقم الطبية تحاول الاستمرار في تقديم الخدمات للمرضى.

الدكتور أحمد مهنا
الدكتور أحمد مهنا بعد خروجه من المعتقل

ما الظروف التي عشتها داخل مكان الاحتجاز من حيث الطعام والمياه والنوم والرعاية الصحية؟

كانت تجربة الاعتقال بحد ذاتها تجربة قاسية، لكن الأهم بالنسبة لي كان القلق المستمر على عائلتي ومرضاي والطواقم الطبية، والتفكير في ما يحدث للمستشفى في غيابي.

هل التقيت خلال الاعتقال بأطباء أو ممرضين أو عاملين صحيين آخرين؟

كانت هناك تجارب ولقاءات مرتبطة بالظروف التي مر بها العاملون في القطاع الصحي، وكان من المؤلم أن ترى أن من كانوا يؤدون واجبهم الإنساني وجدوا أنفسهم هم أيضا في دائرة الخطر داخل سجون الاحتلال.

ما أصعب لحظة عشتها خلال فترة الاعتقال؟

أصعب ما كان يمر في ذهني هو التفكير في المرضى والطواقم الطبية والمستشفى، والتساؤل عما إذا كانت الخدمات ستستمر، وما إذا كان المرضى سيجدون من يعالجهم.

ماذا كان يدور في ذهنك بشأن عائلتك ومرضاك وأفراد الطاقم الطبي أثناء وجودك في الأسر؟

كنت أفكر في الجميع، الطبيب لا يستطيع أن يفصل نفسه عن مرضاه، خاصة عندما يكون قد عاش معهم هذه الظروف الصعبة، وكان السؤال الدائم بالنسبة لي: ماذا يحدث لهم الآن؟

هل تغيرت نظرتك إلى الحياة أو إلى مهنتك الطبية بعد تجربة الاعتقال؟

هذه التجارب تجعل الإنسان يعيد التفكير في معنى الحياة وقيمة الأشياء البسيطة، وتؤكد له أن المهنة الطبية ليست مجرد وظيفة، وإنما مسؤولية إنسانية، لاسيما في الظروف التي يعيشها القطاع.

عندما عدت إلى غزة.. ما أول شيء فكرت فيه؟

فكرت في عائلتي، وفي المستشفى والمرضى، وفي ضرورة الاستمرار في تقديم ما يمكن تقديمه رغم كل الظروف.

كيف كانت العودة إلى العمل الطبي بعد الإفراج؟

لم تكن العودة سهلة، لكن الحاجة إلى الخدمات الصحية كانت أكبر من أي وقت مضى، ولذلك استمر العمل، وبعد ذلك، انتقلت إلى مسؤوليتي الحالية كمدير للبرامج الصحية والمجتمعية في جمعية العودة، وأتابع باستمرار كيفية الحفاظ على الخدمات الصحية الممكنة وتوجيه الموارد إلى الأماكن والفئات الأكثر احتياجا.

إذا عدت إلى أول يوم في الحرب.. هل كنت ستتخذ القرارات نفسها بالبقاء إلى جانب مرضاك؟

نعم.. الطبيب في النهاية لديه مسؤولية تجاه مرضاه، والحاجة إلى الخدمات الصحية لا تتوقف بسبب الحرب، لو عدت إلى اليوم الأول، سأظل مؤمنا بأن واجبي هو البقاء إلى جانب المرضى والطواقم ومحاولة تقديم ما يمكن تقديمه.

ما حجم احتياجات المنظومة الصحية في غزة اليوم؟

أهم ما تحتاجه المستشفيات بشكل عاجل هو توفير الوقود والزيوت وقطع الغيار للمولدات، لأن المولدات هي مصدر الطاقة الأساسي لتشغيل المستشفيات والمراكز الصحية، وثانيا، الأدوية والمستهلكات الطبية هي شريان هذه المستشفيات، ويجب أن تتوفر أدوية ومستهلكات الطوارئ والتخدير والعناية المركزة بشكل مستمر.

ما الرسالة التي تريد أن تصل إلى العالم بشأن معاناة الطواقم الطبية والمرضى في غزة؟

رسالتي إلى المجتمع الدولي ومؤسسات الأمم المتحدة: لا تتعاملوا مع انهيار النظام الصحي في غزة باعتباره أمرا طبيعيا أو واقعا يجب التعايش معه، نحن لا نحتاج فقط إلى مساعدات مؤقتة، بل نحتاج إلى حماية المنشآت الصحية، وإعادة بناء المنظومة الصحية برمتها في غزة، وتعزيز البنية التحتية، وضمان وصول الأدوية والمستلزمات والوقود بشكل منتظم، والحفاظ على ما تبقى من قدرة النظام الصحي على العمل، أنا أتحدث من تجربتي الشخصية، لذلك عندما أتحدث عن انهيار الخدمات الصحية، فأنا لا أتحدث عن أرقام أو تقارير فقط، بل أتحدث عن مستشفى العودة التي عملت فيها أكثر من 25 عاما، وعن طواقم عشت معها، وعن مرضى كنت مسؤولا عن تقديم الخدمة لهم.

إذا كان بإمكانك أن تختصر تجربتك خلال الحرب والاعتقال في رسالة واحدة.. ماذا ستقول للعالم؟

إنقاذ القطاع الصحي مسؤولية أمام جميع المؤسسات الدولية، وهي مسألة إنسانية وضرورة لإنقاذ حياة الناس والحفاظ على حقهم في العلاج والرعاية، والطبيب الفلسطيني لا يريد المستحيل، نحن فقط نريد أن نمتلك الدواء والجهاز والبيئة الآمنة حتى نتمكن من القيام بواجبنا الإنساني تجاه مرضانا وإنقاذ حياتهم، وفي النهاية، تبقى الرسالة الأهم أن المستشفى ليس مجرد مبنى، والطبيب ليس مجرد موظف، والمريض ليس رقما في تقرير، فخلف كل سرير إنسان ينتظر فرصة للحياة، وخلف كل طبيب قصة من الصمود والتعب والخوف، ومع ذلك يستمر في أداء واجبه، وفي غزة، حيث تعرض النظام الصحي لضغط هائل، يصبح توفير الدواء والوقود والأجهزة وحماية المنشآت الطبية ضرورة إنسانية لا تحتمل التأجيل.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة