من أخطر ما ارتكبته جماعة الإخوان الإرهابية بحق الخطاب الديني، إعادة إنتاج مفاهيم دينية وتراثية داخل مشروع تنظيمي وسياسي، بما أدى إلى الخلط بين الدين باعتباره منظومة قيم وأخلاق، وبين الجماعة باعتبارها تنظيما يسعى إلى النفوذ والتأثير والسيطرة.
تسييس الدين وتحويله إلى مشروع تنظيمي
فالجماعة لم تتعامل مع الدين باعتباره مساحة للعبادة والإصلاح وبناء الإنسان فقط، وإنما قدمت رؤيتها باعتبارها مشروعا شاملا يمتد إلى السياسة والمجتمع والدولة، وهو ما جعل الانتماء التنظيمي في بعض مراحل التجربة مرتبطا بتصور محدد للدين والحياة العامة.
الحكم والجهاد والحسبة.. مفاهيم خرجت من سياقها
وتبرز الخطورة بصورة أكبر عند التعامل مع مفاهيم مثل الحكم والجهاد والحسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذ جرى توظيفها خارج سياقاتها الفقهية والتاريخية، وتحويلها في بعض الخطابات إلى أدوات للصراع السياسي والتعبئة التنظيمية.
ومع هذا التوظيف، لم يعد الخلاف مجرد اختلاف في الرأي أو السياسة، وإنما أصبح قابلا لأن يتحول إلى خلاف على الدين نفسه، بما يفتح الباب أمام تقسيم المجتمع إلى مؤيد للمشروع التنظيمي ومعارض له.
كما ساهم هذا الخطاب في تقديم تصور يجعل الدولة والمجتمع جزءا من معركة مستمرة حول تطبيق الرؤية التي تتبناها الجماعة، بدلا من النظر إلى مؤسسات الدولة باعتبارها كيانات وطنية جامعة لجميع المواطنين.
من الإصلاح إلى صناعة الولاء للجماعة
الوجه الأخطر في التجربة الإخوانية تمثل في تحويل التربية الدينية إلى وسيلة لصناعة الولاء التنظيمي، بحيث يصبح العضو مرتبطا بمنظومة فكرية وتنظيمية تتجاوز مجرد الممارسة السياسية.
ومع الوقت، أدى ذلك إلى ترسيخ مفهوم الجماعة باعتبارها إطارا مركزيا للحركة والعمل، وربط النشاط العام بفكرة التمكين للمشروع الإسلامي كما تصوره التنظيم.
وهنا حدث الخلط الأكبر بين الدين والجماعة؛ فالدين أوسع من أي تنظيم، بينما التنظيم بطبيعته قابل للمراجعة والنقد والاختلاف، لكن تقديم مشروع الجماعة في إطار ديني جعل انتقاده أكثر صعوبة، وحول الخلاف السياسي في بعض الحالات إلى مواجهة ذات أبعاد دينية وفكرية.
إرث العنف يكشف الوجه الآخر للتوظيف الديني
ولا يمكن فصل هذا المسار عن التاريخ المضطرب للجماعة مع العنف، خصوصا في المراحل التي شهدت صدامات داخلية وخارجية، وظهور أدبيات ربطت بين الصراع السياسي ومفاهيم دينية مثل الحاكمية والجهاد والجاهلية.
ومع انتشار هذه الأفكار في بيئات مختلفة، أصبحت بعض المفاهيم الدينية قابلة لإعادة التفسير بما يخدم خطاب المواجهة، وهو ما ساهم لاحقا في انتقال بعض الأفكار إلى تيارات أكثر تطرفا تبنت العنف بصورة مباشرة.
وهنا تظهر إحدى أخطر نتائج التجربة: عندما تتحول المفاهيم الدينية إلى أدوات سياسية، يصبح من السهل إعادة استخدامها في اتجاهات متشددة، خصوصا عندما يجري تقديم الصراع مع الدولة والمجتمع باعتباره جزءا من معركة دينية.
إرباك علاقة المجتمع بالدين
لم تكن أزمة الإخوان الإرهابية في السياسة وحدها، وإنما امتدت آثارها إلى الخطاب الديني نفسه، بعدما اختلطت لغة الدعوة بلغة التنظيم، وتداخل الإصلاح الديني مع المشروع السياسي، وأصبح الدين حاضرا في الصراع على السلطة والنفوذ.
وبذلك أسهمت تجربة الجماعة في إرباك العلاقة بين الفرد والدين، وبين المجتمع والدولة، وبين العمل الدعوي والعمل السياسي، بعدما قدمت نموذجا يجعل التنظيم وسيطا بين الدين والمجتمع.