في السيرك الإعلامي لجماعة الإخوان الإرهابية تتغير عناوين الحلقات وتتبدل القضايا المطروحة، لكن الأسطوانة القديمة لا تتوقف عن الدوران، والوجوه التي اعتادت الظهور أمام الكاميرات تعود كلما وجدت المنصات مادة جديدة لإعادة إنتاج خطابها المعتاد. هنا لا تكن الحكاية في مذيع يرفع صوته أو ضيف يتقمص دور الخبير، وإنما في خطاب يعيد تدوير الروايات نفسها، ويقدمها في كل مرة بعبارات مختلفة، وكأن تغيير الديكور كافٍ لإقناع الجمهور بأن البضاعة جديدة.
ومن استوديوهات القنوات إلى حسابات مواقع التواصل الاجتماعي، تتحرك الرسائل بين المقابلات المطولة والمقاطع القصيرة والمنشورات المتزامنة، فيما تتصدر بعض الأسماء مشهدا وتغيب عن آخر، ثم تعود مع تجدد الملفات التي تمنحها مساحة للظهور.
الوجوه تتغير.. والأسطوانة المشروخة لا تعرف الإجازات
تقوم البرامج الحوارية في صورتها المهنية على تنوع الآراء وإتاحة المجال أمام وجهات نظر مختلفة، لكن الخطاب الإعلامي الذي يدور داخل دائرة مغلقة من المواقف المتشابهة يفقد تدريجيا قيمة الحوار، ويتحول إلى مساحة لتكرار الرسائل ذاتها أمام جمهور اعتاد سماعها، فالـ "سكريبت" تم حفظه بل وأصبح المتابع يتوقع ماذا سيقول إعلام الإخوان في كل خبر يتم نشره يجوز تحريفه أو طرحه بزاوية تخدم على أجندتهم التخريبية.
وفي المنصات المرتبطة بجماعة الإخوان الإرهابية لا يكفي النظر إلى أسماء المذيعين والضيوف فهى ذات الأسماء تظهر هنا وهناك لجمع المزيد من الأموال، ولكن يجب التوقف أمام طبيعة الموضوعات التي يظهرون لمناقشتها، والمواقف التي يطرحونها، ومدى تكرار الحجج والعبارات نفسها عبر برامج وحسابات مختلفة. فحين تتشابه الرسائل يصبح فحص مضمونها ومصادرها أهم من الضجيج المصاحب لها.
أرشيف التصريحات.. هنا تسقط الأقنعة أمام الوقائع
أخطر ما يواجه أي خطاب سياسي هو أن تظل تصريحاته القديمة متاحة للمقارنة مع مواقفه الجديدة، فالأرشيف لا يمنح أحدا حصانة من المراجعة، ولا يسمح بتمرير التناقضات لمجرد أن القضية المطروحة تغيرت أو أن الجمهور انتقل إلى موضوع آخر، وهنا تتحول المقاطع القديمة من مادة منسية إلى سجل مفتوح للمراجعة، وتصبح الذاكرة الرقمية خصما صعبا لأي محاولة لتقديم رواية جديدة مع تجاهل ما سبقها.
وعن أرشيف جماعة الإخوان وإعلامهم فحدث ولا حرج، فالمواقف تتبدل حسب المصلحة، والـ "سكريبت" يتردد بلا تفكير حول ما قاله بالأمس ويصطدم به الـ "سكريبت" اليوم ولكن كل ذلك لا يهم فالأهم هو الحساب البنكي وما وصله اليوم.
من صناعة الضجيج إلى اختبار المصداقية.. الجمهور ليس كومبارس
المعركة الإعلامية لا تُحسم بعدد مرات الظهور، ولا بارتفاع نبرة الصوت، ولا بقدرة الضيف على تحويل كل سؤال إلى خطاب جاهز. المعيار الحقيقي هو جودة المعلومات، ودقة الوقائع، واتساق المواقف، ومدى احترام عقل المشاهد الذي بات بإمكانه العودة إلى التسجيل الأصلي ومقارنة الجديد بالأرشيف، ولكن كل هذا لا يهم في إعلام الجماعة الإرهابية فهم يكذبون ويصدقون أنفسهم من كثرة التكرار ويظنون أن الأرشيف يموت مع الوقت ولكنهم يصطدموا به من آن لآخر لكشف خيانتهم.
وتكرار الرسائل عبر الشاشات والحسابات لا يجعلها صحيحة تلقائيا مثلما أن كثرة الظهور لا تمنح صاحبها صفة الخبير، ولا تحول الادعاء إلى حقيقة، فالرسالة التي تفتقر إلى الدليل تظل ادعاء، مهما تكرر بثها، والقول الذي يناقضه الأرشيف يحتاج إلى تفسير، لا إلى مذيع جديد يعيد تقديمه.
فقد تتبدل الوجوه وتتغير عناوين الحلقات وتنتقل المعركة من منصة إلى أخرى، لكن الاختبار يظل واحدا: هل يقدم الخطاب حقائق يمكن التحقق منها، أم يعيد تدوير المواقف ذاتها في قوالب جديدة؟
فالوجوه قد تتبدل، والميكروفونات قد تنتقل من استوديو إلى آخر، لكن الأرشيف يظل حاضرا، وكلما عادت الأسطوانة للدوران، عادت معها فرصة كشف التناقضات ومساءلة أصحاب الخطاب عما قالوه بالأمس وما يقولونه اليوم.