علا الشافعى تكتب: العائلة فى مواجهة العالم.. من حميمية «الضيف» إلى أسئلة الوطن وبرودة «فيورد».. «أرض الآباء».. حين يصبح الوطن سؤالًا وجوديًا

الإثنين، 19 أكتوبر 2026 03:11 م
علا الشافعى تكتب: العائلة فى مواجهة العالم.. من حميمية «الضيف» إلى أسئلة الوطن وبرودة «فيورد».. «أرض الآباء».. حين يصبح الوطن سؤالًا وجوديًا علا الشافعى

اللافت في مشاهدات اليومين الأول والثاني من مهرجان الجونة السينمائي هو الحضور المتكرر لتيمة العائلة، وإن اختلفت المعالجات والرؤى الإخراجية. وكأن السينما تعود إلى أكثر العلاقات الإنسانية حميمية لتطرح من خلالها أسئلتها الكبرى عن الحب والخوف والانتماء والسلطة، وعن الروابط التي يفترض أن تمنح الإنسان الأمان، لكنها قد تتحول أحيانا إلى مصدر للألم والاغتراب.

في «رسائل صفراء» يتسلل القمع السياسي إلى العلاقة الزوجية، فيعيد تشكيل الحب والقناعات والمواقف. وفي «All of a Sudden» تصبح العلاقة بالأم المصابة بألزهايمر مساحة للفقد والذنب، بينما تكشف الحكايات المتشابكة عن عزلة الإنسان في عالم تلتهمه الرأسمالية المتوحشة.

أما أفلام اليوم الثاني، فتأخذنا إلى ثلاثة عوالم مختلفة: أم تبحث عن مكان في حياة أبنائها، وكاتب يعود إلى وطن لم يعد يعرفه، وأبوان يجدان نفسيهما في مواجهة مؤسسات الدولة التي يفترض أن تحمي أطفالهما.

 

«الضيف».. الحب الذي لا يبدد الخوف

في فيلم «الضيف» للمخرج الدنماركي مادس مينجل، تجتمع عائلة للاحتفال بالإعلان عن اسم مولود جديد، لكن المناسبة السعيدة تتخذ مسارا مختلفا مع الظهور المفاجئ لأم الأب، التي انقطعت علاقتها به. حضورها يوقظ توترات قديمة ويهدد التوازن الذي اعتاده الجميع. هي لا تريد سوى أن تشعر بأن لها مكانا في حياة أبنائها، وأن تعيش فرحة أن تصبح جدة، بينما يقابلها الابن بمشاعر متباينة، تتداخل فيها المحبة مع الخوف من استدعاء ماض لم يتجاوزه تماما.

ومن هذا الموقف الذي يبدو بسيطا، تنفتح الحكاية على عالم من العلاقات المعقدة. فالابن يحب أمه، لكنه يخشى أن ينعكس ظهورها المفاجئ على حياته التي تسير بوتيرة تبدو مستقرة. والابنة تحمل بدورها مشاعر لا يمكن اختزالها في الحب أو الرفض. أما الأم، فتجد نفسها أمام حقيقة موجعة: أن الأبناء كبروا، وأن مكانها في حياتهم لم يعد كما كان.

فيلم بديع، شديد الحساسية في التقاط التفاصيل والمشاعر الإنسانية. تقدم ترينه ديرهولم شخصية الأم بأداء مركب وصعب، تتجاور فيه الرغبة في القرب مع الخوف من الاستبعاد، والحاجة إلى الحب مع الإحساس بالوحدة. ويمنح أداء الابن والابنة العلاقات عمقا إضافيا، فلا تبدو الشخصيات مجرد أطراف في خلاف عائلي، بل بشر يحمل كل منهم أسبابه وجروحه.

وتأتي كاميرا المخرج شديدة القرب من وجوه ممثليه، خصوصا في مشاهد المواجهات، وكأنها تغوص في أعماقهم لتلتقط ما تعجز الكلمات عن قوله. نظرة تحمل الحب والضيق معا، أو خوفا يتخفى وراء الغضب، أو رغبة في الاحتضان تقابلها حاجة إلى الابتعاد.

هذه الحميمية البصرية تمنح الفيلم صدقه وتأثيره، وتكشف عن التناقضات التي تحكم أكثر العلاقات الإنسانية قربا. فلا أحد هنا يخلو من الحب، لكن الحب وحده لا يكفي دائما لتبديد الخوف أو ترميم ما أفسدته السنوات.

 

«أرض الآباء».. حين يصبح الوطن سؤالا وجوديا 

في «أرض الآباء» للمخرج البولندي بافل بافليكوفسكي، يعود الكاتب الألماني توماس مان إلى بلاده عام 1949، برفقة ابنته إريكا، بعد ستة عشر عاما من المنفى. لكنه يعود إلى ألمانيا مختلفة، خرجت من الحرب مثقلة بالدمار والذاكرة والذنب، وبدأت تنقسم بين معسكرين سياسيين وأيديولوجيين.

تتحول الرحلة، التي يعبر خلالها الأب وابنته ألمانيا من فرانكفورت الخاضعة للنفوذ الأمريكي إلى فايمار الواقعة تحت النفوذ السوفيتي، إلى مواجهة مع التاريخ ومع الذات. فتوماس مان، الذي اتخذ موقفا معارضا للنازية، يجد نفسه أمام وطن لم يعد يعرفه، وأسئلة جديدة حول مستقبل ألمانيا، وموقع المثقف من الصراع السياسي، ومعنى الانتماء إلى مكان ارتبط في الذاكرة بالحب والألم معا.

ولا يمكن قراءة الفيلم بمعزل عن أعمال بافليكوفسكي السابقة، خصوصا «إيدا» و«الحرب الباردة»، حيث يواصل اشتباكه مع التاريخ الأوروبي والتجربة الشيوعية وتأثير الأيديولوجيات الكبرى على مصائر الأفراد. لكن الفيلم لا يتوقف عند نقد التجربة الشيوعية، بل يضع9 النازية والشيوعية والانقسام الأوروبي في سياق أوسع من الأسئلة المتعلقة بالهوية والذاكرة والحرية.

ويعود المخرج إلى التصوير بالأبيض والأسود، الذي أصبح جزءا من لغته السينمائية، محملا الصورة بالدلالات والرموز. فالتكوينات البصرية والظلال والمسافات بين الشخصيات لا تستعيد زمن الأحداث فحسب، وإنما تعكس عالما فقد يقينه، وأصبح الانتماء فيه أكثر التباسا.

وفي قلب هذه الرحلة السياسية والوجودية تحضر الجراح الشخصية. فالعلاقة بين توماس مان وابنته إريكا، التي تؤدي دورها ساندرا هولر، تحمل مزيجا من الحب والمساءلة، بينما يلقي انتحار ابنه كلاوس بظلاله على الجميع.

ومن أكثر اللحظات إيلاما استعادة موت كلاوس، وما تحمله من إحساس بأن نهايته لم تكن واقعة مفاجئة بقدر ما كانت حصيلة رحلة طويلة من الألم والاغتراب، ربما لم يدرك المحيطون به عمقها إلا بعد فوات الأوان.

وهنا تتقاطع مأساة الابن مع مأساة الوطن. فكلاهما يعاني فقدان الانتماء، وكأن الإنسان قد يصبح غريبا عن العالم قبل أن يغادره، وقد يظل منفيا حتى بعد عودته إلى الأرض التي ولد عليها.

يطرح بافليكوفسكي سؤالا وجوديا يتجاوز حدود الحكاية: ما الوطن؟ هل هو الجغرافيا أم الذاكرة أم القيم التي نؤمن بها؟ وهل يمكن أن نستعيد وطنا تغير، بينما تغيرنا نحن أيضا؟

«فيورد».. حين تتحول الحماية إلى سؤال عن السلطة

أما «فيورد» للمخرج الروماني كريستيان مونجيو، الحاصل على السعفة الذهبية في مهرجان كان 2026، فينقلنا إلى النرويج، حيث تستقر أسرة رومانية نرويجية متدينة في قرية تقع على أحد المضايق البحرية. وتبدو الحياة هادئة في البداية، لكن هذا الاستقرار يتعرض لزلزال بعد ظهور كدمات على جسد الابنة المراهقة، وإثارة الشكوك حول أساليب التربية داخل المنزل، ثم تدخل مؤسسات حماية الطفل، ليجد الأبوان نفسيهما أمام منظومة قانونية واجتماعية تمتلك سلطة اتخاذ قرارات مصيرية بشأن مستقبل أطفالهما.

يناقش الفيلم قضية شديدة الحساسية في المجتمعات الغربية، وتكتسب أهمية خاصة في الدول الإسكندنافية، حيث تحتل مؤسسات الرعاية الاجتماعية مكانة مركزية في العلاقة بين الفرد والدولة.

ومن خلال هذا الصدام، يطرح مونجيو أسئلة تتجاوز حدود الواقعة نفسها: أين تنتهي سلطة الآباء ويبدأ حق الدولة في حماية الأطفال؟ وهل يمكن أن تتحول الحماية إلى وصاية؟ وإلى أي مدى تستطيع المجتمعات التي تتبنى قيم الحرية والتسامح قبول المختلفين عنها في المعتقدات والثقافة وأساليب الحياة؟

وفي المقابل، هل يجوز أن يصبح الاختلاف الثقافي مبررا لتجاوز حقوق الأطفال؟ هذه المنطقة الرمادية، التي تتداخل فيها الحقوق مع القيم والسلطة مع المسؤولية، هي أكثر مناطق الفيلم إثارة للتفكير.

يعتمد مونجيو على إيقاع متأن، ويوظف الطبيعة النرويجية الباردة والصمت والمسافات الواسعة ليعكس حالة البرودة التي تحكم العلاقات الإنسانية والمؤسسية داخل المجتمع. حتى الإجراءات الرسمية تبدو أحيانا وكأنها جدار يفصل بين البشر، ويحول أكثر الأزمات الإنسانية حساسية إلى ملفات وقرارات.

ويمكن تفهم ما يسعى إليه المخرج من خلال هذا الاختيار الجمالي، لكن ذلك لا يمنع التحفظ على طول الفيلم، الذي يمتد إلى 146 دقيقة. فقد كان من الممكن أن يكون أكثر تكثيفا وحيوية، خصوصا أن بعض المشاهد والحوارات تستغرق وقتا أطول مما تحتاجه دراميا، بينما يؤدي تكرار بعض المواقف إلى إضعاف التوتر بدلا من تصعيده.

كما أن بعض الشخصيات المرتبطة بالمؤسسات تبدو أقرب إلى تمثيل مواقف فكرية منها إلى شخصيات إنسانية مكتملة، في حين يظل منظور الأطفال أنفسهم أقل حضورا مما تستحقه قضية تتمحور حول مصيرهم.

ورغم هذه الملاحظات، يظل «فيورد» فيلما مهما في طموحه الفكري وقدرته على إثارة النقاش، خصوصا أنه لا يطرح الصراع باعتباره مواجهة بسيطة بين الخير والشر، وإنما يكشف عن تعقيدات العلاقة بين الفرد والدولة، وبين الحريات الشخصية والمنظومات التي يفترض أن تحميها.

وإذا كانت هذه المشاهدات تلتقي في انشغالها بالإنسان، فإن أكثر ما يميزها هو اختلاف اللغة السينمائية التي يعالج بها كل مخرج أسئلته. ففي «الضيف» تقترب الكاميرا من الوجوه حتى تكاد تلتقط المشاعر قبل أن تتحول إلى كلمات، وفي «أرض الآباء» تحمل الصورة بالأبيض والأسود أعباء التاريخ والذاكرة، بينما يجعل «فيورد» من البطء والبرودة جزءا من رؤيته، وإن لم ينجح دائما في ضبط إيقاعه.

وهنا تتجلى قيمة السينما التي لا تكتفي بحكاية ما يحدث لشخصياتها، بل تجعلنا نرى العالم من خلال عيونها، ونغادر القاعة بأسئلة تتجاوز زمن الفيلم.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة