فى عام 480 قبل الميلاد قامت معركة "سلاميس" واجه فيها اليونانيين الغزو الفارسي، واستطاعت أن تهزمه وذلك بفضل قيام أثينا ببناء أسطول يضم 200 سفينة حربية في القرن الخامس قبل الميلاد، مستفيدة من عائدات مناجم الفضة في لوريون، في خطوة عززت قدرتها على المواجهة وانتصارها فى النهاية، وذلك وفقًا لدراسة تتناول التصنيع العسكري والتطور التقني في اليونان القديمة.
وتتناول الدراسة، التي قادها الدكتور علاء جبار جاني، كيفية إنتاج المدن اليونانية للأسلحة وتطوير تقنيات بناء السفن وتنظيم الصناعات اللازمة لدعم الجيوش والأساطيل، موضحة أن التفوق العسكري لم يعتمد على المقاتلين وحدهم، بل احتاج إلى موارد مالية ومواد خام وحرفيين وشبكات إنتاج وإمداد متخصصة.
كيف موّلت مناجم الفضة الأسطول الأثيني؟
بدأت أثينا توسيع أسطولها البحري عام 483 قبل الميلاد، عقب اكتشاف مصدر غني بالفضة في مناجم لوريون القريبة من المدينة، واقترح السياسي الأثيني ثيميستوكليس استثمار العائدات في بناء 200 سفينة من طراز "التريريم"، وهي سفن حربية سريعة صُممت للمناورة والقتال في البحر.
وكان الهدف الأولي من المشروع مواجهة جزيرة إيجينا المنافسة لأثينا، لكنه اكتسب أهمية استراتيجية أكبر مع تصاعد التهديد الفارسي، ووافق المجلس الأثيني على خطة بناء السفن، التي تطلبت كميات كبيرة من الأخشاب وعمالة حرفية متخصصة وآلاف البحارة.
وأدى الأسطول دورًا مهمًا في معركة سلاميس عام 480 قبل الميلاد، عندما واجه تحالف من المدن اليونانية القوات البحرية الفارسية وحقق انتصارًا أسهم في تغيير مسار الغزو، وأظهر هذا الانتصار كيف يمكن لاستثمار الموارد الاقتصادية في القوة البحرية أن يغير موازين الصراع العسكري.
التريريم.. سفينة حربية بتصميم متطور
تستعرض الدراسة تطور الهندسة البحرية اليونانية في ضوء تقاليد أقدم لبناء السفن في البحر المتوسط، من بينها تقنيات ارتبطت بالفينيقيين، وكانت سفن التريريم من أبرز السفن الحربية في ذلك العصر، إذ ضمت نحو 170 مجدفًا موزعين على ثلاثة مستويات، بما أتاح لها سرعة الحركة والمناورة أثناء المعارك.
وعلى خلاف سفن التجارة، امتلكت هذه السفن هياكل ضيقة وخفيفة مصممة لتحقيق السرعة، كما زُودت بمقدمة معززة تحمل كباشًا تستخدم في صدم سفن العدو وإلحاق الضرر بها.
واستخدم صانعو السفن خشب التنوب لخفته، بينما احتاجت العارضة الرئيسية إلى خشب البلوط لمقاومته وقوته، واستوردت أثينا جانبًا كبيرًا من الأخشاب من مناطق مثل تراقيا وقبرص، لأن الغابات المحلية لم تكن كافية لتلبية احتياجات التوسع البحري.
وجرى تجميع الهياكل الخشبية باستخدام ألواح ووصلات وأوتاد مصممة بعناية، إلى جانب كابلات ثقيلة ساعدت على تدعيم السفن الطويلة ومقاومة الانحناء. كما احتاجت السفن إلى صيانة مستمرة، إذ كان البحارة يسحبونها إلى الشاطئ لتجفيف الأخشاب وتنظيف الهياكل وإصلاح الأجزاء المتضررة.
ورش متخصصة دعمت القوة البحرية اليونانية
لم يقتصر بناء الأسطول على أحواض السفن، بل اعتمد على شبكة من الورش المتخصصة في النجارة وتشغيل المعادن وصناعة المنسوجات والمنتجات الجلدية، وأنتج الحرفيون المجاديف والصواري والأشرعة والحبال والتجهيزات اللازمة للسفن، بينما تولى متعهدون توفير المواد وفحص جودتها وتنظيم وصولها إلى مواقع البناء.
وتشير الدراسة إلى أن هذه المنظومة اعتمدت على عمالة متنوعة، من بينها أشخاص مستعبدون، إلى جانب الحرفيين المهرة والمشرفين الذين تولوا إدارة العمليات الفنية، كما احتفظت أثينا بمخازن بحرية لتخزين المعدات القابلة للفك بين الرحلات وخلال فصل الشتاء.
وامتدت القدرات التي بنتها أثينا إلى حملات عسكرية خارج حدودها. ففي معركة نهر يوريميدون، نحو عام 469 أو 466 قبل الميلاد، قاد القائد الأثيني كيمون أسطولًا متحالفًا ضد القوات الفارسية. ووفقًا للدراسة، استولت القوات اليونانية على ما يصل إلى 200 سفينة للعدو.
كما عدّل القادة اليونانيون بعض سفن التريريم لنقل جنود إضافيين، بما أتاح للأساطيل دعم العمليات البرية إلى جانب مهامها البحرية.