بعد ثلاث سنوات من أحداث المستشفى الأهلي في غزة، والمعروفة بالمستشفى المعمداني، تعتمد الجامعة العربية موعداً سنوياً لاستذكار ضحايا الحرب والحفاظ على الذاكرة الفلسطينية.. في خطوة تربط بين توثيق الأحداث وتعزيز جهود العدالة الدولية
في السابع عشر من أكتوبر عام 2023، ارتبط اسم المستشفى الأهلي العربي «المعمداني» في مدينة غزة بواحدة من أكثر الوقائع الإنسانية إيلاماً خلال الحرب، بعدما شهد محيطه انفجاراً أسفر عن سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، وأثار صدمة واسعة تجاوزت حدود الأراضي الفلسطينية إلى مختلف أنحاء العالم.
وبعد ثلاث سنوات، اختارت جامعة الدول العربية هذا التاريخ ليصبح يوماً سنوياً لاستذكار ضحايا الحرب في قطاع غزة، في خطوة تحمل دلالة تتجاوز إحياء ذكرى واقعة بعينها، إلى الحفاظ على الذاكرة الفلسطينية وتوثيق ما شهدته الحرب من خسائر بشرية ودمار ونزوح، والتأكيد على أهمية المساءلة القانونية وحماية المدنيين.
وفي القاهرة، شهد مقر الأمانة العامة للجامعة العربية، اليوم الأحد 18 أكتوبر 2026، أول فعالية لإحياء المناسبة، تنفيذاً لقرار مجلس الجامعة على المستوى الوزاري في دورته الـ166، الذي اعتمد السابع عشر من أكتوبر من كل عام يوماً لاستذكار ضحايا الإبادة الجماعية بحق الشعب الفلسطيني.
ليلة 17 أكتوبر 2023.. كيف أصبح المستشفى المعمداني رمزاً لمعاناة المدنيين في غزة؟
قبل وقوع الانفجار، لم يكن المستشفى الأهلي العربي في مدينة غزة مجرد منشأة طبية تستقبل المرضى والمصابين، وإنما تحول أيضاً إلى مكان لجأ إليه مدنيون اضطروا إلى مغادرة منازلهم مع تصاعد العمليات العسكرية، بحثاً عن مساحة يعتقدون أنها أكثر أمناً من المناطق المحيطة.
وكان المستشفى، الذي يعود تاريخه إلى أواخر القرن التاسع عشر وتديره الكنيسة الأسقفية في القدس، واحداً من المؤسسات الطبية المعروفة في مدينة غزة، قبل أن يجد نفسه في قلب الأحداث التي شهدها القطاع عقب اندلاع الحرب في أكتوبر 2023.
وفي مساء الثلاثاء 17 أكتوبر، وقع انفجار داخل مجمع المستشفى، في منطقة قريبة من موقف السيارات وساحة كان يتجمع فيها نازحون، ما أدى إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا وإصابة آخرين، وسط مشاهد من الفوضى وعمليات نقل المصابين ومحاولات إنقاذ من كانوا في المكان.
وأعلنت وزارة الصحة في غزة آنذاك مقتل 471 شخصاً وإصابة مئات آخرين، بينما قدمت جهات أخرى تقديرات أقل لعدد الضحايا. ولم تتمكن التحقيقات المستقلة من تحديد حصيلة نهائية متفق عليها.
وأثارت الواقعة خلافاً واسعاً بشأن مصدر الانفجار؛ إذ اتهمت السلطات الفلسطينية إسرائيل بالمسؤولية عنه، بينما نفت إسرائيل ذلك، وأرجعته إلى صاروخ أُطلق من داخل قطاع غزة. وفي مراجعة نشرتها منظمة «هيومن رايتس ووتش» في نوفمبر 2023، رجحت المنظمة أن الانفجار نتج عن مقذوف صاروخي، لكنها أوضحت أن الأدلة المتاحة لم تكن كافية لتحديد الجهة المسؤولة بصورة قاطعة.
ومع استمرار الجدل بشأن ملابسات الانفجار، ظل الجانب الإنساني للواقعة حاضراً بقوة؛ فقد أصبح المستشفى المعمداني رمزاً لمعاناة المدنيين الذين لم يجدوا مأوى آمناً، وللمخاطر التي تواجه المنشآت الطبية ومراكز الإيواء خلال النزاعات المسلحة.
لماذا اختارت الجامعة العربية 17 أكتوبر تحديداً؟
لم يكن اختيار السابع عشر من أكتوبر مجرد إجراء تنظيمي لإضافة مناسبة إلى التقويم العربي، وإنما جاء ارتباطاً بالرمزية التي اكتسبها هذا التاريخ منذ عام 2023، وبما مثله انفجار المستشفى المعمداني من صدمة إنسانية واسعة.
فبينما شهدت الحرب على قطاع غزة أحداثاً عديدة خلفت خسائر بشرية كبيرة، اكتسب يوم 17 أكتوبر حضوراً خاصاً في الذاكرة الفلسطينية والعربية، باعتباره أحد الأيام التي ارتبطت بمشاهد مؤلمة للمدنيين داخل منشأة طبية كانت تستقبل المرضى والنازحين.
وجاءت المبادرة باقتراح من السفير مهند العكلوك، المندوب الدائم لدولة فلسطين لدى جامعة الدول العربية، بشأن تخصيص يوم سنوي لاستذكار الضحايا، إلى جانب اعتماد تسمية وتوصيف قانوني للجرائم المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني.
وتبنى مجلس جامعة الدول العربية المقترح خلال دورته العادية الـ166 على المستوى الوزاري في سبتمبر 2026، ليصبح السابع عشر من أكتوبر مناسبة عربية سنوية لإحياء ذكرى ضحايا الإبادة الجماعية بحق الشعب الفلسطيني في قطاع غزة.
واللافت أن اختيار هذا اليوم لا يعني حصر الذكرى في ضحايا المستشفى المعمداني وحدهم، وإنما اتخاذ الواقعة نقطة انطلاق لاستحضار المعاناة الإنسانية الأوسع التي شهدها القطاع منذ أكتوبر 2023.
من واقعة إنسانية إلى ذاكرة عربية.. ماذا يعني اعتماد يوم سنوي للضحايا؟
يحمل القرار العربي بعداً يتجاوز استذكار الماضي، إذ يسعى إلى توفير إطار مؤسسي مستمر للحفاظ على ذاكرة الضحايا، وربطها بالجهود الرامية إلى توثيق الانتهاكات وحفظ الأدلة المتعلقة بها.
فالتواريخ التي تتحول إلى مناسبات سنوية لا تبقى مجرد أرقام في السجلات، وإنما تصبح نقاطاً مرجعية تعيد المؤسسات والمجتمعات من خلالها استحضار أحداث مفصلية، وتفتح المجال أمام توثيق شهادات الناجين وحفظ الوثائق والسجلات المرتبطة بها.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى اختيار الجامعة العربية للسابع عشر من أكتوبر باعتباره محاولة لنقل ذكرى الأحداث من نطاق التفاعل الآني إلى ذاكرة مؤسسية متجددة، لا تتوقف بانتهاء الحرب أو تراجع الاهتمام الإعلامي بتطوراتها.
كما يمنح تخصيص يوم سنوي للمناسبة فرصة لإبقاء الأبعاد الإنسانية والقانونية للقضية الفلسطينية حاضرة في الفعاليات العربية والدولية، مع التأكيد على أن توثيق الوقائع وتحديد المسؤوليات القانونية يجب أن يستندا إلى تحقيقات مستقلة وأدلة قابلة للفحص.
المستشفى المعمداني.. تاريخ طويل انتهى به المطاف إلى قلب أحداث الحرب
تكتسب قصة المستشفى الأهلي العربي جانباً إضافياً من رمزيتها بالنظر إلى تاريخه الطويل في تقديم الرعاية الطبية لسكان غزة، إذ تعود جذوره إلى النشاط الطبي الإرسالي في أواخر القرن التاسع عشر، قبل أن يصبح من المؤسسات الصحية المعروفة في المدينة.
وعلى مدار عقود، استقبل المستشفى مرضى من مختلف مناطق القطاع، وقدم خدمات علاجية في بيئة واجهت أزمات سياسية واقتصادية وأمنية متعاقبة.
لكن الحرب التي بدأت في أكتوبر 2023 وضعت المنشآت الطبية في قطاع غزة أمام تحديات استثنائية، مع تزايد أعداد المصابين والنازحين، وتراجع القدرة على توفير المستلزمات الطبية والخدمات الأساسية.
وفي هذه الظروف، اكتسبت المستشفيات وظيفة إنسانية مضاعفة؛ فلم تعد أماكن للعلاج فقط، وإنما تحولت أيضاً إلى ملاجئ مؤقتة لعائلات تبحث عن الحماية.
ومن هنا جاءت الصدمة التي أحدثها انفجار المستشفى المعمداني، ليس فقط بسبب الخسائر البشرية، وإنما لأن الواقعة أصابت مكاناً ارتبط في الوعي العام بفكرة الرعاية والنجاة.
الجامعة العربية تحول 17 أكتوبر إلى موعد سنوي لاستذكار ضحايا غزة
مع حلول الذكرى الثالثة للأحداث، جاء أول إحياء رسمي للمناسبة بمقر جامعة الدول العربية في القاهرة ليمنح القرار الصادر في سبتمبر الماضي بعداً عملياً، وينقل المناسبة من نص قرار وزاري إلى فعالية عربية تستحضر ضحايا الحرب وتؤكد أهمية الحفاظ على حقوقهم.
ويمثل ذلك امتداداً للدور الذي تضطلع به الجامعة في تناول القضية الفلسطينية على المستويات السياسية والدبلوماسية والقانونية، مع إضافة مسار يرتبط بحفظ الذاكرة وتوثيق الأحداث.
وتبرز أهمية هذا المسار في أن الاهتمام بالضحايا لا ينتهي عند تسجيل أعداد القتلى والمصابين، وإنما يمتد إلى توثيق قصص العائلات التي فقدت أفراداً من أبنائها، وحفظ الشهادات المتعلقة بالأحداث، ورصد آثار الحرب على المجتمع الفلسطيني.
كما يفتح تخصيص المناسبة سنوياً المجال أمام المؤسسات العربية والحقوقية والثقافية والإعلامية للمشاركة في إحياء الذكرى، وإنتاج مواد توثيقية وبحثية تسهم في الحفاظ على الروايات والشهادات المرتبطة بالحرب.
وبذلك، تصبح ذكرى المستشفى المعمداني مدخلاً إلى قصة أوسع، تتعلق بالإنسان الفلسطيني وحقه في الحماية والحياة والعدالة، وبضرورة ألا تختفي آثار الحرب من الذاكرة بمجرد تراجع حضورها في نشرات الأخبار.
وبين مساء السابع عشر من أكتوبر 2023 وأول إحياء عربي رسمي للذكرى في أكتوبر 2026، انتقل التاريخ من كونه شاهداً على مأساة إنسانية إلى مناسبة مؤسسية سنوية؛ فالجامعة العربية لم تختر يوماً لاستعادة مشاهد الألم وحدها، وإنما اختارت أن تمنح ذاكرة الضحايا موعداً ثابتاً، يظل حاضراً في التقويم العربي، حتى لا تصبح حكاياتهم مجرد أحداث طواها الزمن.