في قلب القاهرة التاريخية، وعلى بعد خطوات من الجامع الأزهر، تقف تكية محمد بك أبو الدهب شاهداً على تحولات المكان ووظائفه عبر القرون، فمن مبنى ارتبط بخدمة طلاب العلم والفقراء في القرن الثامن عشر، إلى متحف ومركز إبداع يحتفي بسيرة الأديب العالمي نجيب محفوظ، ويعيد تقديم أعماله للأجيال الجديدة.
وتكشف رحلة التكية كيف يمكن للمباني الأثرية أن تتجاوز دورها التاريخي، لتصبح مساحات حية للثقافة والمعرفة، تجمع بين الحفاظ على التراث المعماري واستعادة ذاكرة أحد أبرز رموز الأدب العربي.
كنا فين؟ تكية تخدم طلاب العلم وتدعم رسالة الأزهر
ترجع تكية محمد بك أبو الدهب إلى عام 1779، ضمن مجموعة معمارية تضم الجامع والسبيل والكتاب، وأنشئ الجامع لمساندة رسالة الأزهر العلمية، واستعين فيه بعلماء للتدريس، كما ضمت المجموعة مكتبة احتوت على 1292 كتاباً في مجالات معرفية متنوعة، إلى جانب مكتبة لطلاب أتراك وسبيل وحوض لشرب الدواب.
ويرتبط اسم المكان بالأمير محمد بك أبو الدهب، الذي اشتهر بهذا اللقب لكثرة توزيعه الذهب على الفقراء، ليحمل المبنى منذ نشأته جانبًا من تاريخ القاهرة الاجتماعي والعلمي، فضلًا عن قيمته المعمارية والأثرية.
بقينا فين؟ من مبنى أثري إلى متحف لأديب نوبل
انتقلت التكية إلى مرحلة جديدة مع تخصيصها عام 2006 لتكون متحفًا ومركز إبداع للأديب نجيب محفوظ، التابع لصندوق التنمية الثقافية. وبدأ تنفيذ أعمال تجهيز المشروع في سبتمبر 2016، قبل أن يفتح المتحف أبوابه عام 2019، بعد سنوات من الانتظار والتجهيز الذي راعى طبيعة المبنى الأثري.
وأصبح المكان مساحة تستعيد حياة صاحب نوبل وإبداعه، من خلال مقتنياته الشخصية وصوره وشهاداته وجوائزه، إلى جانب مكتبته التي تضم كتبًا وترجمات من مكتبته الخاصة، بما يتيح للزائر الاقتراب من عالمه الأدبي والإنساني.
لا تقتصر أهمية المتحف على عرض مقتنيات محفوظ، بل تمتد إلى استعادة العلاقة بين أدبه والقاهرة التي احتلت مكانة أساسية في رواياته. فالحارة والشخصيات الشعبية وتفاصيل الحياة اليومية تتحول داخل أعماله إلى سجل اجتماعي وثقافي لحقب مختلفة من تاريخ المدينة.
ويضم المتحف قاعات تتناول جوانب من حياته وإبداعه، من بينها الحارة وأصداء السيرة والسينما ونوبل وأحلام الرحيل، لتربط بين محطات سيرته وأعماله الأدبية وعلاقتها بالمجتمع المصري.
لم يعد دور التكية مقتصراً على كونها متحفاً يحفظ مقتنيات الأديب، بل أصبحت مقراً لفعاليات ثقافية تسعى إلى إعادة قراءة أعماله وربطها بالسينما والعمارة وذاكرة القاهرة.
وفي سبتمبر 2026، أطلق متحف ومركز إبداع نجيب محفوظ فعاليات عام نجيب محفوظ، بمناسبة مرور 20 عاماً على رحيله، متضمنة أنشطة ولقاءات ومعارض وقراءات أدبية تستعيد مشروعه الإبداعي وصلته بالمدينة.
وهكذا، انتقلت تكية أبو الدهب من خدمة احتياجات علمية واجتماعية في عصرها إلى احتضان ذاكرة أديب شكّل جزءاً من هوية القاهرة الأدبية، لتصبح نموذجاً لتحويل المباني التاريخية إلى مراكز ثقافية تحفظ الماضي وتعيد تقديمه بلغة تناسب الحاضر.