«لا ملوك» في أمريكا.. من يحرك الشارع ومن يحصد الأصوات؟

الأحد، 18 أكتوبر 2026 12:20 م
«لا ملوك» في أمريكا.. من يحرك الشارع ومن يحصد الأصوات؟ حركة "لا ملوك"

وكالات

قبل نحو أسبوعين من انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي، تشهد الولايات المتحدة، موجة جديدة من الفعاليات الاحتجاجية التي نظمتها حركة «لا ملوك» ، المناهضة للرئيس دونالد ترامب، غير أن التحرك هذه المرة حمل هدفًا مختلفًا عن المظاهرات السابقة، بعدما انتقل التركيز من الاحتجاج على سياسات الإدارة الأمريكية إلى تشجيع الناخبين على المشاركة في الانتخابات المقررة في الثالث من نوفمبر المقبل، وهو تحول يثير تساؤلات بشأن طبيعة العلاقة بين الحركة المدنية والقوى السياسية التي يمكن أن تستفيد من نشاطها، وفي مقدمتها الحزب الديمقراطي.

وامتدت الفعاليات إلى مدن أمريكية عديدة، بينها واشنطن ونيويورك ولوس أنجلوس وأتلانتا، تحت شعار «لا ملوك.. صوت مبكرًا»، فيما أعلن المنظمون التخطيط لأكثر من ثلاثة آلاف فعالية على مستوى البلاد، تراوحت بين المسيرات والتجمعات الشعبية والأنشطة المخصصة لتعريف المواطنين بإجراءات التصويت وتسجيل الناخبين. ورغم تأكيد القائمين على الحركة الطابع غير الحزبي لهذه الأنشطة، فإن توقيتها وأهدافها يضعانها في قلب المنافسة السياسية بين الجمهوريين والديمقراطيين.

من الاحتجاج على ترامب إلى التعبئة الانتخابية
 

ظهرت حركة «لا ملوك» خلال الولاية الثانية لترامب، باعتبارها ائتلافًا احتجاجيًا يضم منظمات مدنية ونقابية وجماعات حقوقية وتقدمية تعارض سياسات الإدارة الأمريكية، وتتهم الرئيس بالسعي إلى توسيع صلاحياته على حساب المؤسسات الدستورية. واستمدت الحركة اسمها من الإرث السياسي الأمريكي القائم على رفض الحكم الملكي، في إشارة رمزية إلى أن الرئيس المنتخب لا يمتلك سلطات مطلقة.

لكن التحول الذي شهدته فعاليات أكتوبر لم يكن مجرد تغيير في الشعارات، وإنما انتقالًا في الوظيفة السياسية للاحتجاجات، بعدما أصبحت المظاهرات وسيلة لحشد الناخبين وتشجيع التصويت المبكر، بدلًا من الاكتفاء بالتعبير عن الاعتراض على سياسات البيت الأبيض.

من يقف وراء «لا ملوك»؟
 

 

لا تمثل الحركة حزبًا سياسيًا قائمًا بذاته، وإنما تستند إلى شبكة واسعة من المنظمات، من أبرزها «إنديفيزيبل» و«موف أون» و«50501»، إلى جانب منظمات مثل «فوتو لاتينو» و«بلاك فوترز ماتر» ، فضلًا عن اتحادات نقابية ومجموعات حقوقية.

وتتمتع بعض هذه المنظمات بتاريخ طويل من النشاط السياسي التقدمي، بينما ترتبط «موف أون» تحديدًا بحملات انتخابية ومواقف داعمة لمرشحين ديمقراطيين. ومع ذلك، فإن التقارب السياسي بين هذه المنظمات والحزب الديمقراطي لا يعني بالضرورة وجود تبعية تنظيمية مباشرة، كما أن مشاركة جهات ذات توجهات حزبية لا تجعل جميع أنشطة التحالف تابعة لحملة انتخابية واحدة.

وتبرز هنا مفارقة أساسية؛ فالحركة تعلن أن فعالياتها غير حزبية، وتضع قيودًا على تأييد المرشحين أو استخدام التجمعات للدعاية الحزبية المباشرة، بينما تقودها منظمات تعارض الإدارة الجمهورية وتعمل على زيادة المشاركة الانتخابية في توقيت يسعى فيه الديمقراطيون إلى تعزيز حضورهم داخل الكونغرس.

هل يحتاج الديمقراطيون إلى قيادة الحركة؟
 

تفتح هذه العلاقة الباب أمام تفسير يتجاوز فكرة أن الحزب الديمقراطي يقف بالضرورة وراء المظاهرات أو يديرها بصورة غير معلنة، إذ قد تكون المنظمات المدنية قد اكتسبت قدرة مستقلة نسبيًا على التعبئة السياسية، بما يسمح لها بالتأثير في نتائج المنافسة الحزبية دون الخضوع المباشر لقيادة أحد الحزبين.

فمن خلال شبكات المتطوعين والفعاليات المحلية والتواصل مع المشاركين، تستطيع هذه المنظمات تحويل الاعتراض الشعبي إلى نشاط انتخابي منظم، بينما يمكن للحزب الديمقراطي أن يستفيد من ارتفاع مشاركة الناخبين المعارضين لترامب، دون أن يكون هو المسؤول المباشر عن كل مظاهرة أو نشاط تنظيمي.

غير أن هذه الاستفادة تظل احتمالًا سياسيًا يرتبط بسلوك الناخبين الفعلي، ولا تعني أن جميع المشاركين في الاحتجاجات ينتمون إلى الحزب الديمقراطي أو سيصوتون لمرشحيه، كما لا تثبت وجود تنسيق مركزي بين قيادة الحزب والمنظمات المشاركة.

هل تعود آليات التعبئة المدنية إلى الداخل الأمريكي؟
 

يثير هذا النموذج تساؤلًا أوسع بشأن العلاقة بين الحركات المدنية والأهداف السياسية، خاصة في ضوء التجارب الأمريكية السابقة في دعم منظمات المجتمع المدني وبرامج المشاركة السياسية خارج الولايات المتحدة، بما فيها منطقة الشرق الأوسط.

فقد استخدمت واشنطن، عبر إدارات متعاقبة من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، برامج لدعم المشاركة المدنية والحقوق السياسية في دول أخرى، باعتبارها جزءًا من أدوات السياسة الخارجية الأمريكية، وهو ما يتيح مقارنة آليات بناء الشبكات المجتمعية وتنظيم الحملات وتحويل المطالب الشعبية إلى ضغوط سياسية.

لكن التشابه في أدوات التعبئة لا يثبت انتقال نموذج تنظيمي بعينه من الخارج إلى الداخل، كما لا يكفي للقول إن الحزب الديمقراطي استدعى استراتيجية سبق أن استخدمها في الشرق الأوسط. فالسياق الأمريكي يختلف من حيث طبيعة المؤسسات والانتخابات والجهات الفاعلة، بينما تحتاج فرضية الإدارة الحزبية غير المباشرة إلى أدلة محددة تتعلق بالتمويل والتنسيق وصناعة القرار.

من يمتلك القدرة على تحويل الاحتجاج إلى نفوذ؟
 

تكشف فعاليات «لا ملوك» الأخيرة عن تحول في العلاقة بين الاحتجاج والعمل الانتخابي داخل الولايات المتحدة، إذ لم تعد الحركة تكتفي برفع مطالبها في مواجهة الإدارة الأمريكية، وإنما تسعى إلى توظيف قدرتها التنظيمية في التأثير على مستوى المشاركة السياسية، بالتزامن مع اقتراب انتخابات يمكن أن تعيد تشكيل موازين القوى داخل الكونغرس.

ولا تثبت المعطيات المتاحة أن الحزب الديمقراطي أنشأ الحركة أو يتحكم فيها من وراء الستار، لكنها تكشف تقاطعًا واضحًا بين توجهات المنظمات المشاركة والمصالح الانتخابية للديمقراطيين، بما يجعل العلاقة بين الطرفين أقرب إلى مساحة من التوافق السياسي المحتمل، لا إلى تبعية تنظيمية مثبتة.

وهكذا، قد لا يحتاج الحزب إلى امتلاك الحركة حتى يستفيد من قوتها، كما قد لا تحتاج الحركة إلى الانتماء للحزب حتى تؤثر في مستقبله، لتصبح المسألة الأهم في السياسة الأمريكية ليست فقط من يستطيع حشد الجماهير في الشوارع، وإنما من يمتلك القدرة على تحويل هذا الحشد إلى أصوات انتخابية ونفوذ داخل مؤسسات الحكم.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة