خالد دومة يكتب: عين جامدة لا تعرف طريق البكاء

الأحد، 18 أكتوبر 2026 11:18 م
خالد دومة يكتب: عين جامدة لا تعرف طريق البكاء خالد دومة

خالد دومة

فدائمًا ما يكون البكاء نافذة الروح إلى التجدد؛ به تغتسل، وتدور في أروقة النفس، تضمد الجروح. إن العين التي لا تعرف طريق البكاء تظل جامدة، وقلبها مشلول، لا يتحرك، لا يحزن ولا يهتدي إلى السعادة.
لكنك مخطئ يا صديقي فيما تلقيه من أحكام؛ فهناك عين لم تدمع قط، بينما اقتحم الحزن جوانب قلب صاحبها، واستوطنه بلا نهاية. حكمت عليه الحياة بأن يظل أسير الأحزان، وجروحه قد تقيحت من طول الإهمال. يبحث عن النجاة والموت معًا، لكن الحياة تبخل عليه بالخلاص؛ إنها تريد أن يظل عذابه موصولًا، وأن تعلّقه من شرايينه بخطاطيف معلقة في الضباب، حتى تظل روحه هي الأخرى معلقة بالجحيم الأبدي.
نعم، عيناه جامدتان، لكن قلبه غارق في بحر الظلمات. لا ينام إلا قليلًا؛ ففي نومه تفترسه الكوابيس بما هو أشد فظاعة مما يراه وهو مفتح العينين.
لقد أقام الحزن في قلبه مملكة واسعة الأطراف؛ هو ملكها، وله أعوان لم يخترهم، يجلبون إليه من كل أرض أشد أنواع الشقاء. زُيّنت مملكته بالدموع، أما شوارعها فحفَر وخنادق، وكل خطوة تخطوها قدماه تزيده أسًى، وتترك وراءها مزيدًا من الدموع الذابلة، المتساقطة على امتداد القلب.
إن الثقوب الممتدة عبر جسده المهترئ تنفذ إلى الأعماق، لتزرع بذور القهر؛ تسقيها الدموع، فتنمو أغصانها السوداء، وتتشعب فروع الضياع.
فلا يغرنك أن عينًا انقطع عنها الدمع؛ فخلف هذا الغلاف من اللحم والدم عوالم مظلمة تتحكم في كل عصب من أعصابه، وفي كل نبضة من نبضات موته. كُتب عليه أن يظل حبيس قضبانه، يلوّح للموت، لكن الموت يأبى أن يستجيب. ينظر إليه بعينيه الجامدتين، ويرفع إليه ابتهالاته، لكنه لا يصغي.
إنه أنا وأنت، وحتى الهواء المحترق في جوفه يؤدي رسالته، ولا يعلم أحد ما يجري في أعماقه.
أنت تحدثني عن خيال، عن وهم؛ إذ لا يمكن أن يوجد إنسان يحمل كل هذا العذاب، ثم يظل على قيد الحياة، يأكل ويشرب ويتنفس!
ومن قال لك إن أنفاس البشر دليل على أن في صدورهم حياة؟ ليست الحياة أنفاسًا تتلاحق فحسب، وليست مجرد إشارة عابرة إلى أن صاحبها لا يزال موجودًا.
لقد رأيت كثيرين يتنفسون، لكنني لا أشك في أنهم أموات، وإن تحركت أجسادهم وزاحمتنا لحومهم ودماؤهم.
فلو أنك حسبت أن في الإنسان حياة لمجرد أن نفسًا يقتحم صدره، فذلك ضلال. إن الحياة شيء آخر، غير هذه الأنفاس المتلاحقة في الصدور.
فلا تنظر إلى عيونهم وهي تذرف الدمع؛ حاول أن تنظر إلى قلوبهم. فإن كانت تضخ في الشرايين حياة، فتلك هي الحياة حقًا. أما إذا وقفت صامتة، لا تضخ إلا دمًا لا يحمل شيئًا من معالم الحياة، فلك أن تقول إنها ميتة على قيد الحياة.
إنها تماثيل، يا سيدي، تتحرك بما تبقى فيها من دوافع الحركة، لكنها خاوية، خالية من كل معنى، ومن كل حياة.
إن الدمع الذي يتدفق داخل النفس البشرية لهو ماء النار الذي تكتوي به ملامح الحياة، حتى تتحول إلى طلل قديم تسكنه الغربان.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة