في غزة، حيث تتشابك حكايات الفقد مع تفاصيل الحياة اليومية، وتغيب الوجوه بينما تبقى أصوات أصحابها شاهدة على ما عاشوه، تظل حكاية المنشد الفلسطيني حمزة أبو قينص واحدة من القصص الإنسانية التي تختصر ألم الرحيل ووجع الفراق.
لم يكن حمزة مجرد منشد، بل كان صوتا حمل حكايات الشهداء، وحول دموع ذويهم إلى أناشيد لامست قلوب الآلاف، قبل أن يصبح هو نفسه حكاية غياب ترويها زوجته بقلب مثقل بالشوق.

الشيهد حمزة أبو قينص
صوت رثى الراحلين فصار حكاية تُروى
ارتبط اسم حمزة أبو قينص بأناشيد تركت أثرا واسعا في وجدان محبيه، من بينها "مع السلامة يا مسك فايح"، و"شيعوه"، و"عشق المخيم"، لم تكن تلك الأعمال بالنسبة إلى كثيرين مجرد أناشيد، بل كلمات حملت وجع الفقد، وعبرت عن مشاعر أسر ودعت أحباءها، وعن ذاكرة شعب عاش تجارب قاسية من الحزن والغياب.
بصوته، منح حمزة الحكايات الإنسانية مساحة لتُروى، وجعل من الإنشاد وسيلة للتعبير عن الألم والوفاء لمن رحلوا، لكن الحكاية التي اعتاد أن يرويها عن الآخرين، تحولت في حياته إلى فصل شخصي موجع.
في 13 أكتوبر 2024، رحل حمزة شهيدا، تاركا خلفه زوجته وثلاثة أطفال، هم لانا وبلال ومحمد، إلى جانب إرث فني وإنساني لا يزال حاضرًا في ذاكرة محبيه.

حمزة أبو قينص واسرته
زوجة تحمل الرسالة بعد الغياب
لم يكن رحيل حمزة نهاية الحكاية بالنسبة إلى زوجته، بل بداية رحلة مختلفة، تختلط فيها مسؤولية رعاية الأطفال بذكريات رفيق العمر، ومحاولة الحفاظ على رسالته حية رغم الفقد.
خلف كل نشيد تركه، حكاية تجمعه بمن أحبوه، وخلف كل ذكرى، تفاصيل صغيرة لا يعرف قيمتها إلا من عاشها معه، وبين الحنين إلى صوته وألم غيابه، تحاول زوجته أن تجعل من إرثه طريقا لاستمرار الخير الذي آمن به.
ومن هنا، تواصل حمل رسالته من خلال مركز الأثر الطيب لتحفيظ القرآن الكريم والقاعدة النورانية، ليبقى أثره حاضرا عبر تعليم القرآن الكريم، ونقل المعرفة إلى الأجيال الجديدة، وتحويل ذكرى الراحل إلى عمل نافع يمتد أثره إلى الآخرين.
حين يصبح الرثاء حكاية حب ووفاء
تختصر كلمات زوجته جانبا من هذه الحكاية الإنسانية، حين تقول: "رحمك الله يا رفيق العمر وأبا أطفالي؛ رثيت الراحلين بصوتك، واليوم أرثيك بقلبي، وسيبقى صوتك حيا وإن غاب صاحبه"، إنها كلمات تختزل حكاية زوجة فقدت شريك حياتها، وأطفال فقدوا أباهم، ومنشد ترك خلفه صوتا لا يزال يلامس قلوب من عرفوه وأحبوا أعماله.
هكذا، يبقى حمزة أبو قينص حاضرا في أناشيده، وفي ذاكرة غزة، وفي قلوب أطفاله وزوجته، وفي الرسالة التي اختارت مواصلتها بعد رحيله، فبعض الغياب لا تطويه الأيام، وبعض الأصوات لا تنتهي بانتهاء أصحابها، لأنها تتحول إلى أثر يبقى، وحكايةٍ تنتقل من قلب إلى آخر، مهما طال الفراق.