تكشف ممارسات جماعة الإخوان الإرهابية عبر منصاتها الإعلامية عن توظيف متكرر للمحتوى المصور في صناعة روايات مضللة، من خلال إعادة نشر فيديوهات قديمة باعتبارها أحداثًا جارية، واجتزاء التصريحات من سياقها الأصلي، وإخفاء تواريخ التسجيل، وربط مشاهد حقيقية بوقائع لا تخصها، بما يستهدف إرباك الجمهور وتوجيه فهمه للأحداث بعيدًا عن المعلومات الموثقة
وتعتمد هذه الأساليب على استغلال سرعة انتشار المحتوى الرقمي، حيث يعاد تقديم مقاطع مصورة سبق تداولها قبل سنوات بعناوين جديدة توحي بوقوع تطورات حديثة، أو تستخدم صور من مناسبات مختلفة لإعطاء انطباع بوجود حدث واحد متصل، بينما يؤدي حذف المعلومات الزمنية والمكانية إلى إضعاف قدرة المتلقي على تحديد حقيقة المشهد، خصوصًا عندما يتعلق المحتوى بأحداث سياسية أو أمنية أو اجتماعية تحظى باهتمام واسع
ولا يتوقف التضليل عند إعادة تدوير الفيديوهات القديمة، بل يمتد إلى اقتطاع أجزاء من تصريحات أو تسجيلات طويلة، وحذف الجمل التي تفسر المعنى الكامل، أو عرض إجابة دون السؤال الذي سبقها، بما قد يحول موقفًا مشروطًا إلى تصريح مطلق، كما تلعب العناوين المثيرة دورًا في توجيه الجمهور نحو استنتاجات لا يدعمها المحتوى، من خلال استخدام عبارات قطعية أو ربط المشاهد بادعاءات لا تثبتها المادة المصورة
وتزداد خطورة هذه الممارسات عندما يعاد نشر الفيديو الواحد عبر حسابات متعددة وبصيغ مختلفة، بما يخلق انطباعًا زائفًا بتعدد الوقائع أو وجود مصادر مستقلة تؤكد الرواية نفسها، رغم أن جميع المنشورات قد تعود إلى تسجيل واحد، كما يمكن جمع لقطات حقيقية من أزمنة وأماكن متباعدة داخل مقطع واحد، لتبدو وكأنها توثق واقعة واحدة، وهو ما يؤكد أن التضليل لا يشترط دائمًا التلاعب بالصورة نفسها، بل قد يعتمد على تغيير السياق الذي يمنحها معناها
وتستحق جهود مؤسسات الدولة المصرية في مواجهة الشائعات وتوفير المعلومات الموثوقة الإشادة، إلى جانب الدور المهم الذي تؤديه المؤسسات الإعلامية في مراجعة المحتوى المتداول، وكشف المعلومات غير الدقيقة، وتوضيح السياق الحقيقي للأحداث، إذ تمثل سرعة إتاحة المعلومات الصحيحة ودقة التصحيح عنصرين أساسيين في الحد من تأثير الروايات المضللة، وتعزيز قدرة المواطنين على التمييز بين الوقائع المثبتة والادعاءات التي لا تستند إلى أدلة كافية
وتتطلب مواجهة هذه الأساليب اعتماد آليات تحقق مهنية تبدأ بالبحث عن المصدر الأصلي للفيديو، ومراجعة أقدم نسخة معروفة منه، ومقارنة تاريخ النشر بتاريخ التصوير، وفحص العلامات المكانية والزمانية الظاهرة، إلى جانب استخدام أدوات البحث العكسي عن الصور ومراجعة التغطيات الصحفية الموثوقة، كما ينبغي مقارنة المقاطع المبتورة بالتسجيلات الكاملة، والتأكد من أن العنوان المصاحب لا يضيف معنى غير موجود في المحتوى الأصلي
وتتكامل هذه الإجراءات مع جهود رفع الوعي الإعلامي والرقمي لدى المواطنين، من خلال توعيتهم بخطورة مشاركة الفيديوهات مجهولة المصدر، وتشجيعهم على مراجعة المعلومات قبل تداولها، وعدم اعتبار كثرة المشاركات أو التعليقات دليلًا على صحة الرواية، مع ضرورة التمييز بين المشهد الذي يظهر في التسجيل والتفسير الذي يقدمه ناشره، لأن الصورة الحقيقية قد تتحول إلى أداة للتضليل عندما تستخدم لإثبات واقعة لا ترتبط بها
وتؤكد هذه المواجهة أن حماية الوعي العام لا تتحقق بمجرد نفي الشائعات، بل تحتاج إلى تقديم الأدلة وتوضيح السياق ونشر التصحيحات بصورة سريعة ومفهومة، بما يعزز دور مؤسسات الدولة والإعلام في مواجهة محاولات جماعة الإخوان الإرهابية لتضليل الجمهور، ويكرس ثقافة التحقق باعتبارها خط الدفاع الأول أمام إعادة تدوير الأكاذيب المصورة.