تتصاعد المخاوف داخل أوروبا من الاعتماد المفرط على التكنولوجيا الأمريكية، في ظل سيطرة شركات الولايات المتحدة على قطاعات حيوية تشمل الحوسبة السحابية والبرمجيات والذكاء الاصطناعي والخدمات الرقمية، وهو ما يثير تساؤلات بشأن قدرة القارة على حماية بياناتها وضمان استقلال قراراتها الاقتصادية والأمنية.
وتواجه 11 دولة أوروبية مخاطر مرتبطة بالتبعية الرقمية، مع تزايد الاعتماد على البنية التحتية والخدمات التي تقدمها شركات تكنولوجية أمريكية كبرى. ولا يقتصر التحدي على المنافسة التجارية، بل يمتد إلى حماية المعلومات الحساسة، واستمرارية الخدمات الحكومية، وقدرة المؤسسات الأوروبية على التحكم في بياناتها دون الاعتماد الكامل على مزودين من خارج القارة.
السيادة الرقمية.. معركة أوروبية جديدة
تسعى دول الاتحاد الأوروبي إلى تعزيز ما يُعرف بـ«السيادة الرقمية»، من خلال تطوير بدائل أوروبية للخدمات التكنولوجية الأجنبية، والاستثمار في مراكز البيانات والحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي، إلى جانب تشديد القواعد المنظمة لحماية البيانات.
وتكمن خطورة الاعتماد على عدد محدود من الشركات في أن تغيير مزودي الخدمات قد يكون مكلفًا ومعقدًا، خصوصًا بالنسبة إلى المؤسسات التي تعتمد على أنظمة مترابطة يصعب نقلها سريعًا إلى منصات أخرى، كما تثير التبعية مخاوف بشأن قدرة الحكومات على ضمان استمرار الخدمات في حالات التوتر السياسي أو النزاعات التجارية.
واشنطن وبروكسل.. صراع على مستقبل الاقتصاد الرقمي
تزداد أهمية الملف مع احتدام المنافسة العالمية على الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة، إذ تسعى أوروبا إلى تقليل نقاط ضعفها الاستراتيجية وتعزيز شركاتها المحلية، دون الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية مع الولايات المتحدة.
ويمثل بناء بنية تحتية رقمية أوروبية مستقلة تحديًا ماليًا وتقنيًا، يتطلب استثمارات ضخمة وتنسيقًا بين الدول الأعضاء، إلى جانب توفير بدائل قادرة على منافسة الشركات الأمريكية من حيث الجودة والتكلفة.
وفي النهاية، لا تعني السيادة الرقمية بالضرورة الاستغناء الكامل عن التكنولوجيا الأمريكية، بل تقليل الاعتماد الحصري عليها، وتنويع مصادر الخدمات، وضمان قدرة أوروبا على حماية بياناتها واتخاذ قراراتها التقنية بصورة مستقلة. وتبقى قدرة الدول الأوروبية على تحويل هذه الأهداف إلى استثمارات ومشروعات عملية العامل الحاسم في تحديد مستقبل استقلالها الرقمي.