يمثل إطلاق صندوق تمويل المصانع المتعثرة فرصة مهمة لاستعادة الطاقات الإنتاجية المعطلة، والحفاظ على فرص العمل، وتعزيز قدرة الصناعة الوطنية على تلبية احتياجات السوق، لكن نجاح هذه التجربة لا يتوقف على توفير التمويل وحده، بل يرتبط بقدرة الصندوق على معالجة الأسباب الحقيقية للتعثر، ومساعدة المصانع القابلة للاستمرار على استعادة نشاطها، ومن هنا تبرز أهمية الاستفادة من التجارب الدولية في إنقاذ المصانع المتعثرة وإعادة هيكلتها، للوصول إلى تصور واضح ومحدد يضمن توجيه الأموال بكفاءة، وتحقيق نتائج مستدامة تخدم الاقتصاد الوطني.
إنقاذ المصانع المتعثرة يبدأ من فهم أسباب التعثر؛ إن إطلاق صندوق إعادة هيكلة المصانع المتعثرة برأسمال مليار جنيه يُعد خطوة مهمة، لكنها ليست كافية وحدها لحل مشكلة تتراوح تقديراتها بين 6 - 7 آلاف مصنع وفق بيانات وزارة الصناعة، فالمشكلة ليست دائما نقص التمويل، بل قد تكون في تراكم الديون، أو ارتفاع تكاليف الإنتاج، أو ضعف الإدارة، أو تقادم المعدات، لذلك يجب ألا يحصل كل مصنع متعثر على التمويل بالطريقة نفسها، بل ينبغي دراسة حالته وتحديد أسباب تعثره قبل اتخاذ القرار، والأهم أن نوجه الأموال إلى المصانع القادرة على العودة للإنتاج، بدلا من إنفاقها على منشآت لا تملك فرصة حقيقية للاستمرار.
تقدم التجارب الدولية درسا مهما لمصر؛ فقد استعانت كوريا الجنوبية، عقب الأزمة الآسيوية في 1997، بمؤسسة إدارة الأصول الكورية لإدارة الأصول المتعثرة والمساعدة في إعادة هيكلة الشركات القابلة للتعافي، بينما أنشأت ماليزيا مؤسسة "داناهارتا" لمعالجة الديون المتعثرة، واستخدمت في بعض الحالات تحويل الديون إلى حصص في رأس المال.
وفي الولايات المتحدة، ارتبط دعم الشركات خلال الأزمة المالية العالمية ببرامج لإعادة الهيكلة، وشمل قطاع السيارات تدخلات حكومية مقابل حصص ملكية في بعض الحالات، والقاسم المشترك بين كافة هذه التجارب أن الإنقاذ لم يكن مجرد ضخ أموال، بل محاولة لإصلاح أوضاع الشركات وإعادة بناء قدرتها على العمل، وهذا ما يجب أن يستفيد منه صندوق تمويل المصانع المتعثرة في مصر، مع تكييف هذه التجارب وفقا لظروف الاقتصاد المحلي.
في تقديري، يجب أن يتعامل الصندوق مع كل مصنع باعتباره مشروعا يحتاج إلى خطة إنقاذ متكاملة، لا مجرد جهة تطلب قرضا لسداد التزاماتها، وهذا يتطلب الجمع بين زيادة رأس المال، وإعادة جدولة الديون، وتحديث المعدات، وتحسين الإدارة، وفتح أسواق جديدة أمام المنتجات، ومن المهم أن يشارك الصندوق في رؤوس أموال المصانع الواعدة، بدلا من الاعتماد على القروض وحدها، بما يسمح له بالمشاركة في الإصلاح ومتابعة النتائج، كما يجب أن تخضع المصانع المستفيدة لمعايير واضحة تشمل وجود طلب حقيقي على منتجاتها، وقدرتها على المنافسة، واستعداد إدارتها للالتزام بالحوكمة والشفافية، مع إعطاء أولوية للمنشآت التي تدعم الإنتاج المحلي والصادرات وتحافظ على فرص العمل.
كيف نضمن نجاح الصندوق؟
أعتقد أن الاختبار الحقيقي للصندوق سيكون في مدى قدرته على تحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع، وليس في حجم الأموال التي يجمعها أو عدد المصانع التي يعلن دعمه لها، فرأسمال المرحلة الأولى البالغ مليار جنيه، مع استهداف جذب ملياري جنيه إضافيين خلال العام المقبل 2027، يستلزم توجيه الموارد وفق أولويات دقيقة، خاصة أن الصندوق يستهدف تنفيذ 12 استثمارا في مرحلته الأولى، ويجب إعلان معايير الاختيار، ومتابعة أداء المصانع، وقياس نمو الإنتاج والمبيعات والعمالة والصادرات، مع مراجعة مستقلة للنتائج، ووضع آلية واضحة للتعامل مع حالات الفشل.
كذلك أرى ضرورة التكامل بين الصندوق والبنوك ووزارة الصناعة واتحاد الصناعات والجهات الفنية، حتى لا ينتهي الدعم بانتهاء التمويل، فالهدف النهائي ليس إنقاذ مصنع لفترة مؤقتة، بل إعادة منشأة منتجة إلى الاقتصاد الوطني، واستعادة فرص العمل، وتقليل الاعتماد على الواردات، وتعزيز قدرة الصناعة المصرية على النمو والمنافسة.