أكد المهندس زياد عبد التواب، خبير التحول الرقمي وأمن المعلومات وعضو المجلس الأعلى للثقافة، أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت أحد أخطر الأسلحة المستخدمة في معركة الوعي، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الفضاء الرقمي، مشيرًا إلى أن هذه المعركة لا تدور في ساحات القتال التقليدية، ولا يصاحبها صخب المدافع والطائرات، وإنما تُخاض بصورة صامتة داخل الشبكات الرقمية، التي أصبحت جزءًا أساسيًا من حياة الأفراد والمجتمعات.
وأوضح عبد التواب خلال الندوة التثقيفية للقوات المسلحة بمناسبة ذكرى انتصارت اكتوبر بمشاركة الرئيس السيسي، أن مختلف مجالات الحياة، بما فيها الحكومات والأنظمة الطبية والصحية والترفيهية والثقافية، أصبحت حاضرة داخل الفضاء الرقمي، لافتًا إلى أن الأفراد باتوا يعملون ويقضون ساعات طويلة من يومهم داخله، وربما أصبح وجودهم في العالم الرقمي يفوق وجودهم في العالم الطبيعي، باستثناء ساعات النوم.
وأشار إلى أن حجم الاعتماد على الفضاء الإلكتروني يتضح من الأرقام المرتبطة باستخدامه حول العالم، حيث يبلغ عدد مستخدمي الإنترنت نحو 6.1 مليار شخص، بما يمثل قرابة 74% من إجمالي سكان العالم، فيما يصل عدد مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي إلى 5.6 مليار مستخدم، ويبلغ عدد ممارسي الألعاب الإلكترونية نحو 3.4 مليار شخص.
وأضاف أن مصر تضم نحو 98.5 مليون اشتراك للإنترنت عبر الهاتف المحمول، و61 مليون مستخدم لشبكات التواصل الاجتماعي، إلى جانب نحو 30 مليون لاعب للألعاب الإلكترونية، موضحًا أن هذه الأرقام تضع مصر في المرتبة الحادية عشرة عالميًا من حيث إجمالي عدد مستخدمي الإنترنت، وفقًا للبيانات التي استعرضها.
الفضاء الرقمي ساحة لاستهداف القيم والثقافة والمجتمع
وقال خبير التحول الرقمي وأمن المعلومات إن الاستهداف الذي يحدث داخل شبكات التواصل الاجتماعي يطال أكبر تجمع بشري في التاريخ، ولا يقتصر على جانب واحد، بل يمتد إلى القيم والثقافة والدين والاقتصاد والسياسة والمجتمع، بما يجعل معركة الوعي مرتبطة بمختلف جوانب الحياة اليومية.
وأوضح أن هذا الاستهداف كان يعتمد في صورته التقليدية على الاختراقات السيبرانية للأنظمة، بل امتد إلى الهواتف المحمولة الخاصة بالمستخدمين العاديين، قبل أن تتطور أساليبه لتشمل الألعاب الإلكترونية، التي يمكن استهداف الأطفال من خلالها، ثم شبكات التواصل الاجتماعي التي تستهدف مستخدميها بمختلف فئاتهم.
وأضاف عبد التواب أن دخول الذكاء الاصطناعي وخوارزمياته إلى هذه المنظومة زاد من تعقيد التحديات، إذ أصبحت الخوارزميات تؤثر في طبيعة المحتوى الذي يراه المستخدمون، وتساهم في تشكيل بيئة تفاعلهم مع المعلومات والأفكار المتداولة.
وأشار إلى أن دمج شبكات التواصل الاجتماعي بخوارزميات الذكاء الاصطناعي يؤدي إلى ظهور ما يُعرف بـ«فقاعات التصفية» و«غرف الصدى»، موضحًا أن المستخدم قد يجد نفسه داخل فقاعة رقمية لا تعرض له جميع جوانب الواقع، وإنما تنتقي له محتوى معينًا يتوافق مع اهتماماته أو الأفكار التي يتفاعل معها.
وبيّن أن المستخدم داخل هذه الفقاعة يتعرض بصورة متكررة للأفكار نفسها، سواء من خلال تفاعلات أشخاص آخرين أو محتوى تنتجه حسابات ووكلاء للذكاء الاصطناعي، الأمر الذي يجعله يعتقد أن ما يراه يمثل الصورة الكاملة، بينما قد يكون الواقع خارج هذه الفقاعة مختلفًا بدرجة كبيرة.
إدمان المنصات و«تعفن الدماغ» وتضخيم الاستقطاب
وأكد عبد التواب أن الاستخدام المفرط لشبكات التواصل الاجتماعي أصبح أحد التحديات المرتبطة بالفضاء الرقمي، مشيرًا إلى أن بعض المستخدمين يقضون سبع أو ثماني ساعات يوميًا على هذه المنصات، وربما أكثر، لافتًا إلى أن بعض الحالات قد تحتاج إلى تدخل علاجي للتعامل مع إدمان استخدام وسائل التواصل الاجتماعي.
وأوضح أن الاستخدام المفرط قد يرتبط بتأثيرات سلبية على الصحة النفسية، تشمل القلق والاكتئاب والتوتر والشعور بالضيق، إلى جانب ضعف الذاكرة وتراجع الانتباه والتركيز.
وأضاف أن الخوارزميات تساهم في تضخيم الاستقطاب وخطاب الإثارة، موضحًا أن وحدة أطياف المجتمع وتماسكها يمثلان عنصرًا مهمًا في تحقيق الإنجازات الكبرى، بينما يؤدي الاستقطاب إلى توسيع الخلافات وتعميق الانقسامات بين الأفراد.
وأشار إلى أن المستخدم الذي ينشر محتوى مفيدًا، مثل النصائح أو الآيات القرآنية أو الحكم، قد يجد تفاعلًا محدودًا مقارنة بالمحتوى المثير للجدل، مؤكدًا أن هذه الظاهرة لا تعني بالضرورة أن الجمهور لا يهتم بالمحتوى المفيد، وإنما ترتبط أيضًا بآليات عمل المنصات والخوارزميات التي قد تمنح المحتوى المثير انتشارًا أكبر، وتزيد من ظهوره أمام المستخدمين.
ولفت إلى أن التحديات المرتبطة بهذه المنصات تشمل كذلك انتهاك الخصوصية وانتشار المعلومات والأخبار المضللة، موضحًا أن اجتماع هذه العوامل مع قضاء ساعات طويلة في استهلاك المحتوى الرقمي قد يقود إلى حالة تُعرف باسم «تعفن الدماغ».
وأوضح أن قاموس أكسفورد اختار مصطلح «تعفن الدماغ» كلمة العام لعام 2024، لوصف المخاوف المرتبطة بتأثير الاستهلاك المفرط للمحتوى الرقمي، خاصة مشاهدة مقاطع فيديو متنوعة خلال فترات زمنية قصيرة ومتتابعة.
وأضاف أن هذه الحالة قد ترتبط بالتشوش الذهني والإرهاق والتوتر وضعف الذاكرة وقلة التركيز، إلى جانب تراجع الإرادة والإحساس بالذات، وتراكم معلومات غير مترابطة أو مشوشة، بما قد يضعف القدرة على اتخاذ القرارات ويزيد قابلية الفرد للانقياد والتأثر بالمحتوى الذي يتعرض له.
وأشار إلى أن هذه البيئة قد تجعل المستخدم أكثر عرضة لأساليب التضليل المتقدمة، ومن بينها التزييف العميق، الذي يعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي في إنتاج أو تعديل الصور ومقاطع الفيديو والأصوات بصورة قد يصعب على المتلقي اكتشافها دون التحقق والتدقيق.
فيديوهات مفبركة وشائعات تتغذى على التوترات الجيوسياسية
واستشهد عبد التواب بمثال لمقطع فيديو متداول زعم هروب زرافة من حديقة الحيوانات وسقوطها في نهر النيل، إلى جانب حيوانات مفترسة أخرى، مع تداول رواية تفيد بإنقاذها، موضحًا أن المقطع أثار حالة من البلبلة، رغم أن التفكير المنطقي والبحث عن المعلومات المرتبطة بالواقعة كانا كفيلين بإثارة الشكوك حول صحتها.
وقال إن التحقق من مثل هذه المقاطع يتطلب البحث عن تفاصيلها ومراجعة المعلومات المرتبطة بها، مشيرًا إلى أن معرفة عمق نهر النيل في القاهرة الكبرى، والذي ذكر أنه يتراوح بين 8 و12 مترًا، كانت من المؤشرات التي يمكن أن تدفع المتلقي إلى التساؤل عن مدى منطقية المشهد المتداول.
وأضاف أن صور التضليل لا تقتصر على المقاطع المفبركة بالكامل، بل تشمل استخدام فيديوهات قديمة أو مشاهد مصورة في دول أخرى، ثم إعادة نشرها في سياق مصري، بما يوحي بأنها وقائع تحدث داخل مصر، فضلًا عن إعادة صياغة أحداث عادية أو مواقف لموظفين حكوميين بطريقة تغير دلالتها وتقدمها للجمهور في صورة مغايرة لحقيقتها.
وأشار خبير التحول الرقمي وأمن المعلومات إلى أن التوترات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة تسهم أيضًا في إشعال موجات الشائعات داخل الدولة، موضحًا أن معدل الشائعات ارتفع بنسبة 113% مقارنة بالفترة نفسها، المكونة من ستة أشهر، من عام 2025، وفقًا للأرقام التي استعرضها.
وأوضح أن أغلب هذه الشائعات تتركز في موضوعات الطاقة والاقتصاد والتموين، وغيرها من الملفات التي تمس الحياة اليومية للمواطنين، بما يزيد من أهمية التحقق من المعلومات قبل تداولها، خاصة عندما ترتبط بقضايا تؤثر في الاستقرار المجتمعي أو الأوضاع المعيشية.
المعلومات الموثقة والتفكير النقدي طوق النجاة في معركة الوعي
وأكد عبد التواب أن مواجهة التضليل الرقمي تقوم على ركيزتين أساسيتين، هما المعلومات الموثقة والتفكير النقدي والابتكاري، موضحًا أن العالم يناقش بصورة متزايدة أهمية امتلاك الإنسان القدرة على التفكير المستقل والإبداعي، في ظل التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي والتساؤلات المتعلقة بتأثيره على مستقبل البشرية.
وقال إن التساؤلات بشأن إمكانية سيطرة الذكاء الاصطناعي على الإنسان أو تفوقه عليه أو تهديده للبشرية تفرض أهمية الحفاظ على قدرة الإنسان على التحليل والتقييم والابتكار، مشددًا على أن التفكير النقدي والابتكاري يجب أن يظل حاضرًا بصورة مستمرة حتى يتمكن الفرد من التعامل مع التقنيات الجديدة بوعي.
وضرب عبد التواب مثالًا للفرق بين لعبة الكوتشينة والشطرنج، موضحًا أن أوراق الكوتشينة تكون مخفية عن الخصم، بينما تكون رقعة الشطرنج والقطع وقواعد تحركها معروفة، ويظل التحدي في معرفة ما يفكر فيه الطرف الآخر.
وأضاف أن مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي يكشفون طواعية عن جوانب من اهتماماتهم وأفكارهم وسلوكهم من خلال تفاعلاتهم ومشاركاتهم، بما يمنح الخوارزميات بيانات يمكن استخدامها في تحليل أنماطهم وتوجيه المحتوى الذي يظهر لهم، معتبرًا أن ذلك يشبه إظهار المستخدم أوراقه أمام هذه الأنظمة.
وأوضح أن أول عناصر الوعي الرقمي تتمثل في إدراك أن «ليس كل ما تراه حقيقيًا»، مشيرًا إلى أن الاعتقاد القديم بأن الصورة لا تكذب لم يعد صالحًا على إطلاقه، في ظل إمكانية التلاعب بالصور ومقاطع الفيديو والأصوات، الأمر الذي يجعل التحقق من المحتوى ضرورة قبل تصديقه.
وأشار إلى أن التضليل يستهدف العقل والوجدان معًا، موضحًا أن بعض المعلومات قد تترك أثرًا نفسيًا لدى المتلقي حتى عندما لا يصدقها بصورة كاملة، ثم تتحول إلى مشاعر قد تنعكس على السلوك والتصرفات، لافتًا إلى أن من أهداف التضليل إثارة الخوف واليأس والانقسام، حتى داخل الأسرة الواحدة.
وأكد أن تكرار المحتوى لا يحوله إلى حقيقة، موضحًا أن بعض الجهات تعتمد على نشر الرواية نفسها عبر حسابات ومصادر متعددة داخل شبكات التواصل الاجتماعي، بما يعطي انطباعًا زائفًا بصحتها، رغم أن تعدد مرات النشر لا يمثل دليلًا على دقة المعلومات.
وأضاف أن أهداف هذه الممارسات قد تشمل زعزعة الثقة وبث الفتن داخل المجتمع، وتعميق الخلاف بين المواطنين ومؤسسات الدولة، وهو ما يستدعي رفع مستوى الوعي بأساليب التضليل وآليات انتشار الشائعات.
وشدد عبد التواب على أهمية تعلم ثقافة الاختلاف الراقي، معتبرًا أنها مسؤولية تقع على عاتق الجميع، ومؤكدًا أن الكلمة مسؤولية، وأن إعادة نشرها مسؤولية أيضًا، مثلما أن نشر الكلمة الطيبة والحديث عن الإيجابيات واجب ينبغي الاهتمام به، وعدم ترك المجال حكرًا على المحتوى السلبي أو المثير للجدل.
الشك المنهجي وكشف المغالطات لمواجهة التضليل
وأوضح عبد التواب أن خطة الانتصار في معركة الوعي تتضمن مجموعة من العناصر، يأتي في مقدمتها الشك المنهجي والتأني، بحيث لا يتعامل المستخدم مع كل ما يسمعه أو يراه باعتباره حقيقة مؤكدة، وإنما يطرح أسئلة تساعده على التحقق من مصدر المعلومة وأسباب نشرها والأهداف التي قد تقف وراء تداولها.
وقال إن التعامل الواعي مع أي محتوى متداول يبدأ بالتساؤل عن الجهة التي نشرته، والغرض من نشره، ومدى وجود مصادر أخرى مستقلة تدعم المعلومات الواردة فيه، فضلًا عن مراجعة المصادر الرسمية الموثقة التابعة لمؤسسات الدولة للتأكد من صحة ما يتم تداوله.
وأضاف أن من العناصر المهمة في مواجهة التضليل ضرورة الفصل بين الرأي والخبر والمعلومة، وعدم التعامل مع الآراء الشخصية أو التحليلات باعتبارها حقائق ثابتة، مشيرًا إلى أن الخلط بين هذه الأنواع من المحتوى قد يؤدي إلى تكوين انطباعات غير دقيقة لدى الجمهور.
وأكد أهمية كشف المغالطات المنطقية التي تُستخدم بكثرة عبر شبكات التواصل الاجتماعي، موضحًا أنها تشمل التعميم الخاطئ، والاستشهاد بأشخاص غير متخصصين في الموضوع محل النقاش، والربط غير المنطقي بين مجموعة من الأحداث أو الوقائع بهدف الوصول إلى نتيجة محددة مسبقًا.
وأشار إلى أن استخدام هذه الأساليب قد يمنح المعلومات المضللة مظهرًا مقنعًا لدى بعض المتلقين، رغم افتقارها إلى الاستدلال السليم أو الأدلة الكافية، ما يجعل تنمية مهارات التفكير النقدي ضرورة للتعامل مع المحتوى الرقمي.
واختتم عبد التواب بالتأكيد على أن المواجهة الأكبر في هذا الجانب ترتبط بمنصات التواصل الاجتماعي، في ظل الدور الذي تؤديه خوارزمياتها في ترتيب المحتوى وتحديد مدى انتشاره، مشددًا على أهمية الاعتماد على المعلومات الموثقة، والتحقق من المصادر، والتأني قبل النشر، وتعزيز التفكير النقدي والابتكاري، بما يسهم في حماية الوعي المجتمعي والحد من انتشار الأفكار المغلوطة والشائعات.