فى وقت تتسارع فيه التحولات الأمنية والعسكرية حول العالم، تتجه القوى الكبرى إلى تعزيز قدراتها القتالية وتطوير ترساناتها الاستراتيجية، فى سباق يتجاوز امتلاك الأسلحة إلى رفع كفاءة استخدامها وتوسيع نطاق تأثيرها.
وتكشف التحركات الأخيرة في روسيا وفرنسا والولايات المتحدة عن اهتمام متزايد بتطوير القدرات البحرية والتكنولوجيا الصاروخية، من اختبار الصواريخ بعيدة المدى إلى تحديث منظومات الردع النووي وتوسيع أساطيل الغواصات، وسط تساؤلات حول ملامح موازين القوى العالمية في السنوات المقبلة.
روسيا تختبر قدرات غواصاتها النووية بصواريخ كاليبر وأونيكس
وفى إطار هذه التحركات، أعلنت وزارة الدفاع الروسية، أن الغواصة النووية "نوفوسيبيرسك" أصابت هدفًا افتراضيًا بصاروخ كروز "كاليبر" على مسافة تزيد على 1200 كيلومتر، خلال تدريبات فى المحيط الهادئ.
وجاء في بيان للوزارة حسبما نقلت وكالة الأنباء الروسية "سبوتنيك": "أصاب صاروخ كروز "كاليبر" الهدف في ميدان التدريب "كورا" في شبه جزيرة كامتشاتكا في الوقت المحدد. وبلغت المسافة إلى الهدف أكثر من 1200 كيلومتر".
الغواصة الروسية تستهدف سفينة افتراضية
ولم تقتصر التدريبات على استهداف أهداف برية، إذ شملت أيضًا هدفًا بحريًا يحاكي سفينة سطحية لعدو افتراضي، باستخدام صاروخ كروز «أونيكس» المضاد للسفن، حيث أعلنت وزارة الدفاع الروسية إصابة الهدف على مسافة تزيد على 170 كيلومترًا.
ماكرون يتابع اختبار صاروخ استراتيجي جديد
وفي حين تركز التدريبات الروسية على اختبار قدرات الغواصات وصواريخها في التعامل مع أهداف برية وبحرية، تتجه فرنسا إلى مسار موازٍ لتعزيز قدراتها الاستراتيجية، عبر تحديث منظومة الردع النووي واختبار نسخة جديدة من صواريخها الباليستية المطلقة من الغواصات، وأجرت باريس اختبارًا لصاروخ باليستي جديد قادر على حمل رؤوس نووية، أُطلق من غواصة نووية في المحيط الأطلسي، بحضور الرئيس إيمانويل ماكرون الذي أشرف على التجربة.
وبحسب قصر الإليزيه، تابع ماكرون عملية إطلاق الصاروخ من على متن فرقاطة تابعة للبحرية الفرنسية، في اختبار للنسخة الجديدة «M51.3» من الصاروخ الاستراتيجي الفرنسي M51، الذي يمثل أحد المكونات الرئيسية لقوة الردع النووي الفرنسية.
ولم يكن الصاروخ مزودًا برأس نووي خلال التجربة.
تفاصيل إطلاق الصاروخ
وأُطلق الصاروخ من الغواصة النووية الفرنسية «Le Vigilant» قبالة سواحل منطقة فينيستير في بريتاني، قبل أن يسقط في شمال المحيط الأطلسي، على بعد مئات الكيلومترات من السواحل.
ويمثل الاختبار مرحلة جديدة في تطوير النسخة M51.3، وهي أحدث نسخة من عائلة الصواريخ الباليستية M51 التي تستخدمها الغواصات النووية الفرنسية ضمن منظومة الردع الاستراتيجي للبلاد.
ولا يقتصر الاختبار على تطوير الصاروخ نفسه، بل يأتي أيضًا في سياق إعادة تأهيل الغواصة «Le Vigilant ـ لو فيجيلان» للعودة إلى الخدمة العملياتية، عقب خضوعها لأعمال الصيانة والتحديث.
فرنسا تطور قدراتها النووية وسط تحولات أمنية في أوروبا
ويأتي الاختبار في وقت تعمل فيه باريس على تحديث قدراتها للردع النووي، وسط نقاش أوروبي متزايد بشأن مستقبل الأمن والدفاع في القارة.
وكان ماكرون قد أعلن في مارس الماضي توجه فرنسا لزيادة ترسانتها النووية، بالتوازي مع طرح دور أوسع للردع النووي الفرنسي في حماية المصالح الحيوية لفرنسا وحلفائها الأوروبيين.
وتعد فرنسا القوة النووية الوحيدة داخل الاتحاد الأوروبي، وتعتمد منظومة الردع لديها بصورة رئيسية على صواريخ تطلق من غواصات نووية، إلى جانب المكون النووي المحمول جوًا.
وأكدت باريس في الوقت نفسه أن القرار المتعلق باستخدام السلاح النووي يظل من اختصاص الرئيس الفرنسي.
البحرية الأمريكية تعتزم بناء 14 غواصة نووية
وبينما تركز فرنسا على تحديث منظومتها للردع النووي، تتجه الولايات المتحدة إلى تعزيز قدراتها البحرية من خلال برنامج واسع لبناء غواصات نووية جديدة، في خطوة تجمع بين تطوير الأسطول العسكري والاستثمار في القاعدة الصناعية الدفاعية.
وفي هذا السياق، أعلنت شركة جنرال دايناميكس أن البحرية الأمريكية أفرجت عن حزمة عقود لبناء 14 غواصة نووية بقيمة إجمالية قدرها 76.6 مليار دولار.
وقالت الشركة في بيان لها: "في إطار عقد البحرية الأمريكية المعلن عنه بقيمة 76.6 مليار دولار، مُنحت جنرال دايناميكس إلكتريك بوت عقودا بقيمة 29.5 مليار دولار لبناء خمس غواصات من فئة كولومبيا، وعقودا بقيمة 42.1 مليار دولار لبناء تسع غواصات من فئة فرجينيا، بالإضافة إلى تمويل لدعم البنية التحتية لأحواض بناء السفن".
وتُعد "جنرال دايناميكس إلكتريك بوت" المقاول الرئيسي، بينما ستتولى شركة "نيوبورت نيوز" لبناء السفن، التابعة لشركة "هنتنجتون إنغالز" للصناعات، تنفيذ جزء من العمل.
بحسب وثائق ميزانية البحرية الأمريكية، من المتوقع ألا تكون أولى غواصات الجيل الجديد من طراز "فرجينيا بلوك 6"، والبالغ عددها 9 غواصات، جاهزة قبل أبريل 2035. أما الغواصات المتبقية، فمن المقرر تسليمها على فترات تتراوح بين أربعة وخمسة أشهر.
وتعاني أحواض بناء السفن الأمريكية بالفعل من عجز في مواكبة الجدول الزمني الحالي. ففي يونيو 2025، كانت تنتج غواصة فرجينيا واحدة سنويا تقريبا، بدلا من الغواصتين اللتين كانت البحرية تتوقعهما.
ونتيجة لذلك، تأخر بناء غواصات "بلوك 5" السابقة بأكثر من ثلاث سنوات عن الموعد المحدد.
وتعكس هذه التحركات تباين أولويات القوى الكبرى في تطوير قدراتها العسكرية، بين اختبار الأسلحة بعيدة المدى، وتحديث منظومات الردع النووي، والاستثمار في بناء غواصات جديدة. وبينما تتباين الأدوات والبرامج العسكرية من دولة إلى أخرى، تظل زيادة الكفاءة القتالية وتطوير القدرات البحرية والاستراتيجية من أبرز ملامح التوجهات الدفاعية للقوى الكبرى خلال المرحلة الراهنة.