فى التاسع والعشرين من أبريل عام 1927، كانت دار الأوبرا الملكية بالقاهرة على موعد مع حدث أدبى استثنائى، عندما اجتمع عدد كبير من شعراء العالم العربى وأدبائه لتكريم الشاعر الكبير أحمد شوقى، وإعلان مبايعته أميرًا للشعراء، فى احتفال تحول إلى مناسبة ثقافية امتدت فعالياتها أسبوعًا كاملًا، وشارك فيها أدباء ومفكرون وشخصيات عامة من مصر وعدد من البلدان العربية، ليصبح ذلك اليوم واحدًا من أبرز المحطات فى تاريخ الشعر العربى الحديث.
وتكشف الوثائق التى تناولت الاحتفال، ومنها «حوليات مصر السياسية» لأحمد شفيق باشا، والدراسات التى أعدها المؤرخ الدكتور يونان لبيب رزق اعتمادًا على أرشيف جريدة الأهرام، أن المناسبة ارتبطت بصدور الجزء الأول من طبعة جديدة لديوان "الشوقيات" عام 1926، واختيار شوقى عضوًا فى مجلس الشيوخ، حيث اتجه عدد من الأدباء والشخصيات العامة إلى إقامة احتفال يليق بمكانته، ويجمع ممثلين عن الحياة الأدبية العربية للاعتراف بإمارته للشعر.
كيف بدأت الاستعدادات لتتويج أحمد شوقى؟
بدأت فكرة الاحتفال عندما دعا أحمد شفيق باشا، الذى سبق أن تولى رئاسة الديوان الخديوى، عددًا من رجال الأدب والعلم والشخصيات العامة إلى اجتماع فى منزله، لبحث تنظيم مناسبة كبرى لتكريم أحمد شوقى، وانتهى الاجتماع إلى تشكيل لجنة تتولى الإعداد لاحتفالات «أسبوع شوقى»، وتوجيه الدعوات إلى المؤسسات الأدبية والثقافية فى البلدان العربية.
وتولى أحمد شفيق باشا رئاسة اللجنة، وشارك فى أعمالها عدد من الشخصيات البارزة، من بينهم أحمد حافظ عوض، وعبد العزيز البشرى، ورشيد رضا، وأمين الرافعى، ثم اتسعت عضويتها لتضم أسماء مهمة فى الحياة المصرية، من بينها أحمد لطفى السيد، وطه حسين، ومحمد حسين هيكل، وأحمد أمين، ومى زيادة.
ووجهت اللجنة الدعوات إلى الأدباء والجمعيات العلمية والثقافية فى البلدان العربية، للمشاركة فى الاحتفالات، كما فتحت الباب أمام تقديم البحوث والدراسات المتعلقة بشوقى وشعره، أو بقضايا اللغة العربية والأدب، حتى تتحول المناسبة إلى لقاء ثقافى يتجاوز حدود التكريم الشخصى للشاعر.
وكانت الاستجابة اللبنانية من أبرز الاستجابات المبكرة، حيث تحركت نقابة الصحافة فى بيروت للمشاركة فى الاحتفال، واختير عدد من الأدباء لتمثيل لبنان، من بينهم الشاعر شبلى الملاط وإلياس فياض.
شوقي
سعد زغلول والملك فؤاد فى احتفال أمير الشعراء
أقيم الحفل الرئيسى يوم الجمعة 29 أبريل 1927، بدار الأوبرا الملكية، تحت رعاية الملك فؤاد الأول، فيما قبل الزعيم سعد زغلول الرئاسة الشرفية للاحتفال، فى دلالة على المكانة التى حظى بها أحمد شوقى لدى عدد من أبرز الشخصيات السياسية والثقافية فى مصر.
وكان سعد زغلول يعانى من المرض، فتعذر عليه حضور الحفل، وأرسل كلمة ترحيب وتهنئة ألقاها نيابة عنه فتح الله بركات، لتبدأ بعدها فقرات الاحتفال التى جمعت بين الكلمات الأدبية والقصائد والموسيقى.
وشهد الحفل مشاركة عدد من كبار الشعراء، فى مقدمتهم حافظ إبراهيم وخليل مطران وشبلى الملاط، إلى جانب عدد من الشخصيات الأدبية العربية التى جاءت إلى القاهرة للمشاركة فى تكريم شوقى.
وقدمت هذه المشاركة صورة واضحة للمكانة التى وصلت إليها القاهرة فى الحياة الثقافية العربية، والدور الذى كان يقوم به الشعر فى التواصل بين الأدباء والجماهير، حيث تحولت مناسبة تكريم شاعر مصرى إلى اجتماع واسع لرموز الأدب العربى.
حافظ إبراهيم يعلن المبايعة لشوقى
كانت اللحظة الأبرز فى الحفل عندما ألقى شاعر النيل حافظ إبراهيم قصيدته التى أعلن فيها مبايعة أحمد شوقى بإمارة الشعر، وقال فيها:
أمير القوافى قد أتيت مبايعًا
وهذى وفود الشرق قد بايعت معى
وسجلت الكتابات التى تناولت الاحتفال تأثر شوقى بهذه اللحظة، حيث قام واحتضن حافظ إبراهيم وقبله، وسط تصفيق الحاضرين، وقد غلب التأثر على الشاعرين، فى مشهد أصبح من أشهر الوقائع التى يرويها مؤرخو الأدب عن العلاقة بينهما.
واكتسبت كلمات حافظ إبراهيم أهمية خاصة، فقد جاءت المبايعة على لسان أحد أكبر شعراء عصر شوقى، وصاحب تجربة شعرية واسعة ارتبطت بقضايا المجتمع المصرى، كما جاءت أمام وفود أدبية عربية، بما منحها دلالة ثقافية تجاوزت حدود الاحتفال.
وشهدت المناسبة كذلك إلقاء قصائد لخليل مطران وشبلى الملاط، إلى جانب قصيدة لأحمد شوقى نفسه، بينما قدم الموسيقار سامى الشوا فقرة موسيقية ضمن برنامج الحفل، الذى جمع فنون القول والموسيقى فى مناسبة واحدة.
المرأة المصرية تشارك فى تكريم أمير الشعراء
ومن المشاهد المهمة فى احتفال عام 1927، مشاركة المرأة المصرية فى تكريم شوقى، حيث ألقت إحسان أحمد القوصى كلمة باسم الاتحاد النسائى المصرى، نيابة عن هدى شعراوى، مؤكدة تقدير المرأة المصرية لمكانة الشاعر وإسهامه الأدبى.
وجاءت هذه المشاركة بعد سنوات قليلة من تأسيس الاتحاد النسائى المصرى عام 1923، وفى مرحلة شهدت تناميًا لحضور المرأة فى الحياة العامة، وهو ما منح الاحتفال جانبًا اجتماعيًا إلى جانب طابعه الأدبى.
وتناولت كلمة إحسان أحمد القوصى تقدير أصحاب المواهب والاعتراف بفضلهم، كما أشارت إلى دور شوقى ومكانته لدى المرأة المصرية، وهى مشاركة توقف عندها الناقد الدكتور جابر عصفور فى كتابه «فى محبة الشعر»، أثناء تناوله وقائع الاحتفال.
أسبوع كامل من الشعر والموسيقى والاحتفالات
امتدت فعاليات تكريم أحمد شوقى من 29 أبريل إلى 6 مايو 1927، وتوزعت على عدد من المؤسسات الثقافية فى القاهرة، منها دار الكتب والجمعية الجغرافية ومعهد الموسيقى، وشهدت إلقاء قصائد ومحاضرات أدبية، إلى جانب حفلات فنية ولقاءات جمعت الضيوف المصريين والعرب.
وفى اليوم التالى للحفل الرئيسى، زارت الوفود دار الكتب، وشاركت فى لقاءات أدبية استضافتها الجمعية الجغرافية، بحضور شعراء ومفكرين من بلدان عربية مختلفة، من بينهم شكيب أرسلان وإسعاف النشاشيبى وعدد من الأدباء القادمين من المغرب وبلاد الشام والجزيرة العربية.
وشهدت الفعاليات كذلك مشاركة المطرب الشاب محمد عبد الوهاب فى إحدى الحفلات الموسيقية، وألقى الدكتور طه حسين محاضرة فى الجامعة المصرية يوم 4 مايو تناول فيها الشاعر الأموى الأخطل، كما استضاف شوقى عددًا من ضيوف الاحتفال فى منزله «كرمة ابن هانئ» بالجيزة.
هدايا عربية لشوقى.. نخلة من الذهب واللؤلؤ
امتدت مظاهر الاحتفاء بشوقى إلى الهدايا التى قدمتها المؤسسات الأدبية والثقافية العربية، وكانت من أبرزها هدية البحرين، التى تمثلت فى نخلة مصنوعة من الذهب، تتدلى منها عقود من اللؤلؤ البحرينى، تعبيرًا عن تقدير أدباء البحرين لأمير الشعراء.
وتشير الدراسات التى تناولت المشاركة البحرينية إلى أن النخلة جاءت بمبادرة من النادى الأدبى بالمحرق، وبمساندة عدد من الشخصيات البحرينية، كما قدم الاتحاد النسائى المصرى كأسًا ذهبية، وأرسل النادى العربى فى عدن قلمًا ذهبيًا، وقدمت جهات أخرى هدايا تذكارية للشاعر.
وكانت هذه الهدايا تعبيرًا عن الروابط الثقافية التى جمعت الأدباء العرب، وعن المكانة التى اكتسبها شوقى فى بلدان بعيدة عن مصر، خاصة أن وسائل التواصل والسفر فى ذلك الوقت كانت تجعل تنظيم المشاركة العربية فى مثل هذه المناسبات عملًا يحتاج إلى استعداد طويل.
ماذا كتبت الصحف عن مبايعة أحمد شوقى؟
خصصت جريدة الأهرام صفحتها الأولى يوم 30 أبريل 1927 لتغطية الاحتفال، وقدمت مبايعة شوقى باعتبارها حدثًا أدبيًا عربيًا كبيرًا، وسجلت مشاركة وفود الشعراء والأدباء فى تكريمه.
كما نشرت الصحيفة حوارًا أجراه محمود أبو الفتح مع شوقى، تحدث فيه عن بداياته الشعرية، وأول قصيدة نظمها، والشعراء الذين تأثر بهم، ومن بينهم المتنبى وفيكتور هوجو، لتقدم الصحافة صورة للشاعر تجمع بين تكريمه وتوثيق تجربته الأدبية.
ومع انتهاء «أسبوع شوقى» فى السادس من مايو، كانت القاهرة قد شهدت واحدًا من أكبر الاحتفالات الأدبية فى النصف الأول من القرن العشرين، وأصبحت مبايعة عام 1927 محطة فاصلة فى تاريخ أحمد شوقى، الذى اقترن اسمه بلقب أمير الشعراء، واستمر حضوره فى الذاكرة الثقافية العربية بعد رحيله فى 14 أكتوبر 1932.