انطلق في قاعة "بورصة التجارة" بباريس معرض "تذكرني" كأضخم معرض للتصوير الفوتوغرافي يضم 700 عمل فني من مجموعة فرانسوا بينو ، إلا أن هذا الحدث الفني جاء مخيباً للآمال ومحدود الأفق بسبب طابعه التعليمي المفرط واستحواذ المصور إيرفينغ بن على أكثر من نصف المعروضات، وفقا لما نشره موقع صحيفة " الجارديان" البريطانية.
وتبدأ تجربة المعرض بافتتاحية قوية ومبهرة، حيث تصرخ كلمات الشاعر إيمي سيزير المكتوبة بخط عريض وجريء على يد الفنانة باربرا كروجر: "احذروا.. من اتخاذ موقف المتفرج العقيم، فالحياة ليست عرضًا".
ويشكل هذا العمل الضخم والمشحون بالعواطف، والذي يحمل اسم "تاريخ الدموع"، تمهيداً مثيراً كان يعد بتقديم قراءة مغايرة لـ 200 عام من تاريخ التصوير الفوتوغرافي عبر أعمال أكثر من 70 فناناً عالمياً، غير أن هذا الحماس المشتعل سرعان ما يتلاشى ويتبدد بمجرد التعمق في أروقة المعرض.
تحديات وهيمنة عمل فنان واحد
على الرغم من كونه أكبر معرض للتصوير الفوتوغرافي يُقام في بورصة التجارة، إلا أن المعرض يواجه تحديات رئيسية في التوازن البصري والموضوعي.
فبالرغم من تنوع الأسماء المعلن عنها، يستحوذ الفنان إيرفينغ بن وحده على نحو 450 عملاً من أصل 700، مما يجعله المحور الأساسي للعرض.
هذا التركيز المكثف على أسلوب كلاسيكي محدد قد يقلل من فرصة تقديم نظرة شاملة ومتنوعة لوظيفة التصوير الفوتوغرافي وتطوره.
غياب التسلسل الموضوعي والتنظيمي
يفتقر التنظيم الداخلي للمعرض إلى ترابط منطقي واضح، حيث تم تخصيص مساحات رئيسية كاملة لأعمال "بن" دون الاعتماد على تسلسل زمني أو تصنيف موضوعي محدد.
وعلى الرغم من الجمالية البصرية التي تتماشى مع الهندسة المعمارية المنحنية للمكان وتدفق الأعمال على الجدران، إلا أن هذا التنسيق يثير بعض الإشكاليات عند التدقيق في محتوى الصور الفردية.
التوثيق الإثنوغرافي الخارجي
تتضمن المعروضات مجموعة من الصور الشخصية التي التقطها "بن" في استوديو مؤقت أثناء رحلاته إلى الكاميرون وبنين بتكليف من مجلة "فوغ"، وذلك في فترة كانت تشهد مفاوضات الاستقلال عن فرنسا.
وتظهر هذه الصور رجالاً ونساءً بأزياء تقليدية، غير أنها تفتقر إلى العمق الإنساني والتواصل الحيوي الذي تميزت به أعمال فنانين محليين عاصروا تلك الحقبة مثل مالك سيديبي أو سيدو كيتا، مما يجعلها تبدو أقرب إلى التوثيق الإثنوغرافي الخارجي.
اختزال مجحف لتاريخ فني ممتد
يتمتع التصوير الفوتوغرافي بمكانة خاصة في فرنسا كونه وسيلة فنية متاحة للجميع بطبيعتها وتحظى باهتمام جماهيري واسع، إلا أن هذا المعرض جاء متخبطاً ومفرطاً في التبسيط.
إن محاولة تلخيص قرنين من الزمان لواحد من أكثر الفنون إنتاجاً وغزارة عبر التركيز على هذه الأسماء المحدودة تحديداً، تبدو أشبه بمحاولة بائسة لسرد تاريخ الطعام بأكمله من خلال ثلاث شطائر فقط.
تنصل من المسؤولية الفنية والتاريخية
رغم أن المجموعة الفنية الشاملة لـ "بينو" تزخر بأكثر من 8000 صورة فوتوغرافية، وتتضمن بالتأكيد تنوعاً أكبر في الرؤى والمنظور الثقافي مما هيئ لنا في هذا العرض، إلا أن المعرض بشكله الحالي يتنصل تماماً من مسؤولية إعادة سرد تاريخ التصوير الفوتوغرافي بدقة وتعددية حقيقية، إذ تجاهل القائمون على "تذكرني" تجسيد الصرخة الثورية والتحذيرية التي افتتحت بها باربرا كروجر المعرض في بدايته.

صورة فوتوغرافية من أعمال إيرفينغ بن عام 1948