》ليست القضية كم نستثمر في شرق آسيا، بل كيف نجعل من موقع مصر وتاريخها وقدراتها جسرا إلى مستقبل اقتصادي مختلف.
●● تستحق الجولة الآسيوية للرئيس عبد الفتاح السيسي التقدير، لما تعكسه من اهتمام بتوسيع دوائر الشراكة الاقتصادية، وفتح آفاق جديدة أمام الاستثمار والتكنولوجيا والتصنيع. كما أن اختيار الدول وتوقيت التحرك، وما حظيت به الزيارة من مباحثات واتصالات مع دوائر صنع القرار ومجتمع الأعمال، يفتح المجال أمام فرص تستحق البناء عليها. فالتحرك الخارجي لا تكتمل قيمته بمجرد الوصول إلى اتفاق، وإنما بقدرته على تحويل العلاقات السياسية إلى مكاسب اقتصادية مستدامة.
》 وأنا أتفق مع كل ما طُرح بشأن أهمية هذه الشراكات، بل أرى أن آفاقها المحتملة أوسع من مجرد زيادة الاستثمارات أو توقيع الاتفاقيات؛ إذ تتيح لنا فرصة لإعادة التفكير في موقع مصر داخل خريطة الاقتصاد العالمي.
》ومن هنا يبرز سؤال أراه جديرا بالتأمل:
ماذا تعني دول شرق آسيا لمصر، وماذا تعني مصر لهذه الدول؟ وكيف تتحول العلاقة بينهما من تبادل المصالح إلى شراكة تصنع المستقبل؟
□ من ذاكرة الحضارة إلى معادلة الاقتصاد:
عرفت مصر، بحكم موقعها بين البحرين الأحمر والمتوسط، دورا محوريا في طرق التجارة التي ربطت الشرق بالغرب. لكن العالم تغير، وظهرت في شرق آسيا تجارب استطاعت أن تحول الإنسان والمعرفة والتنظيم والإنتاج إلى قوى اقتصادية وتكنولوجية كبرى.
لم تصنع اليابان نهضتها بالمال وحده، ولم تحقق كوريا الجنوبية قفزتها الصناعية بمجرد امتلاكها سوقا أو عمالة، كما أن الصين لم تصبح قوة اقتصادية كبرى باتساع سوقها فقط. وراء هذه التجارب استثمارات طويلة المدى في التعليم والتكنولوجيا والصناعة، وسياسات هدفت إلى بناء القدرة على الإنتاج والمنافسة.
》وهنا أرى الدرس الأهم لمصر: ليس المطلوب أن نستورد منتجات شرق آسيا فحسب، بل أن نستفيد من خبراتها في بناء قدرتنا على الإنتاج والابتكار.
□ ماذا تعني شرق آسيا لمصر؟
شرق آسيا ليست دولة واحدة ولا تجربة متطابقة؛ فاليابان تملك خبرات عميقة في الهندسة والتصنيع والجودة، وكوريا الجنوبية في الصناعات المتقدمة والإلكترونيات وبناء السفن، والصين في التصنيع وسلاسل الإمداد والطاقة المتجددة، بينما تقدم دول مثل سنغافورة وماليزيا وإندونيسيا تجارب متنوعة في التكنولوجيا والخدمات والصناعة والتجارة.
هذا التنوع يمنح مصر فرصة لبناء شبكة شراكات متكاملة، لا علاقة تعتمد على دولة واحدة أو قطاع واحد.
▪️︎ ▪️︎ نحتاج إلى استثمارات تنتج، وتكنولوجيا تتطور، وشركات مصرية تنمو، وأسواق جديدة تستقبل صادراتنا. ونحتاج كذلك إلى نقل المعرفة، وتأهيل العمالة، وربط التعليم باحتياجات الاقتصاد.
فالقيمة الحقيقية للتعاون لا تكمن في استقدام الآلات وحدها، وإنما في بناء القدرة المصرية على تشغيلها وتطويرها، ثم ابتكار ما يتجاوزها.
□ وماذا تعني مصر لشرق آسيا؟
هنا تقع، في تقديري، إحدى أهم زوايا الرؤية.
مصر ليست مجرد سوق استهلاكية كبيرة تبحث عن السلع والاستثمارات؛ إنها تمتلك مقومات تؤهلها لتكون قاعدة للإنتاج والتصدير، تربط آسيا بأفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط.
لدينا موقع استراتيجي، وقناة السويس، والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وسوق محلية واسعة، وموارد بشرية يمكن تطوير مهاراتها، وفرص لإقامة صناعات تستهدف أسواقا تتجاوز حدودنا.
لكن هذه المقومات ليست ضمانا تلقائيا للنجاح. فالموقع وحده لا يصنع قوة اقتصادية، والجغرافيا لا تتحول إلى ميزة تنافسية إلا بالصناعة والكفاءة وسرعة الإجراءات واستقرار القواعد.
والفرق كبير بين أن تكون مصر سوقا للمنتجات الآسيوية، وأن تصبح قاعدة تنتج فيها الشركات الآسيوية والمصرية معا، ثم تنطلق منها إلى أسواق العالم.
》 هذا هو التحول الذي ينبغي أن نستهدفه: من الاستيراد إلى الإنتاج، ومن تجميع السلع إلى تعميق التصنيع، ومن جذب رأس المال وحده إلى جذب المعرفة والتكنولوجيا.
□من الاتفاقيات إلى الشراكة الحقيقية :
إن توقيع الاتفاقيات ومذكرات التفاهم بداية مهمة، لكنه ليس معيار النجاح النهائي.
المعيار هو ما يتحقق بعدها: مصانع جديدة، وصادرات أعلى، ومكونات محلية أكثر، ومهندسون وفنيون يمتلكون معرفة متقدمة، وشركات مصرية تدخل سلاسل التوريد العالمية.
》 ومن هنا تبرز فرص التعاون في الصناعات الإلكترونية، ومكونات السيارات الكهربائية، والطاقة المتجددة، والصناعات الدوائية، وبناء السفن، والذكاء الاصطناعي، والزراعة الحديثة، وإدارة المياه، والتعليم الفني والبحث العلمي.
وينبغي أن تقترن هذه المشروعات، كلما أمكن، ببرامج واضحة لنقل التكنولوجيا وتدريب الكوادر وتطوير الموردين المحليين.
فالمصنع الذي ينتج سلعة يمنحنا إنتاجا، أما الشراكة التي تنقل إلينا المعرفة فتبني قدرتنا على إنتاج ما بعدها.
ولا يعني ذلك استنساخ تجربة آسيوية بعينها؛ فلكل دولة ظروفها وتاريخها. وإنما يعني دراسة ما نجح، وفهم أسبابه، ثم بناء نموذج مصري يستفيد من الخبرات الدولية دون أن يتنازل عن خصوصية احتياجاته وأولوياته.
□من مصر بوابة لآسيا إلى مصر شريكا في أسواق العالم:
أرى أن أكثر المسارات ابتكارا هو الانتقال من الشراكات الثنائية إلى شراكات ثلاثية تجمع الشركات الآسيوية والمصرية في مشروعات تستهدف أفريقيا والمنطقة العربية.
يمكن للتكنولوجيا والخبرة الآسيوية أن تلتقيا مع الموقع المصري والقدرات الإنتاجية والخبرة بالأسواق الإقليمية، لتنشأ مشروعات لا تخدم مصر وحدها ولا تقتصر على السوق الآسيوية، بل تنطلق إلى فضاء اقتصادي أوسع.
》وهنا تصبح مصر أكثر من محطة عبور للتجارة؛ تصبح شريكا في صناعة القيمة، وقاعدة للإنتاج والتصدير، ومركزا يمكن أن تتكامل فيه المصالح الآسيوية والأفريقية والعربية.
لكن تحقيق ذلك يتطلب بيئة أعمال تنافسية، وقواعد واضحة، وإجراءات سريعة، وتمكينا حقيقيا للقطاع الخاص، وربطا بين الاستثمار الأجنبي ونمو الصناعة المحلية.
فالمستثمر لا يبحث عن الموقع وحده، بل عن القدرة على تحويل الفرص إلى مشروعات ناجحة ومستدامة.
□ قراءة ما وراء الجولة :
إن أهمية الجولات الخارجية لا تتوقف عند ما تسفر عنه من اتفاقيات، بل تمتد إلى دلالة اختيار الدول وتوقيت التحرك وطبيعة المجالات المطروحة للتعاون.
والزيارة السياسية تمنح العلاقات دفعة مهمة، لكن بناء الشراكة الاقتصادية يحتاج إلى متابعة مؤسسية طويلة المدى، ومشروعات قابلة للتنفيذ، وأهداف قابلة للقياس.
ومن ثم فإن السؤال الذي يستحق أن يبقى حاضرا بعد انتهاء الجولة ليس: كم اتفاقية وُقعت؟ بل:
▪️︎ ما الذي نريد أن تصبح عليه مصر بعد عشر سنوات من بناء هذه الشراكات؟
▪️︎ هل سنظل نستقبل المنتجات والتكنولوجيا من شرق آسيا، أم سنصبح شركاء في إنتاجها وتطويرها وتصديرها؟
▪️︎ هل سنكتفي بالحديث عن مزايا موقعنا، أم سنحول هذا الموقع إلى ميزة اقتصادية ملموسة؟
》 في تقديري، نحن أمام فرصة لإعادة تعريف دور مصر الاقتصادي في العالم؛ بحيث تلتقي مصلحتنا في بناء قاعدة صناعية وتكنولوجية أقوى مع مصلحة شركائنا الآسيويين في الوصول إلى أسواق أوسع، ضمن علاقات متوازنة تحفظ مصالح جميع الأطراف.
》فمصر لا ينقصها أن تكون جسرا بين القارات؛ ما تحتاجه هو أن تجعل هذا الجسر طريقا تعبر عليه التكنولوجيا والاستثمارات إلى الداخل، وتعبر عليه الصناعة المصرية إلى العالم.
》عندها فقط، لن تكون شراكتنا مع شرق آسيا مجرد فصل جديد في علاقاتنا الخارجية، بل خطوة في بناء مستقبل اقتصادي مختلف لمصر.
بقلم المهندس صلاح الجنيدى
رئيس مجلس إدارة هيئة الأوقاف المصرية الأسبق
مدير عام المشروعات والتصميمات بوزارة الأوقاف المصرية سابقًا