حاول عدد لا يحصى من الأشخاص تحديد موقع قبر الإسكندر الأكبر، وقد يبدو من المثير للدهشة أن يظل مكان دفن شخصية بهذه الأهمية مجهولًا، لكن هذا هو الواقع، وتوجد نظريات متعددة بشأن موقع القبر، دون التوصل إلى اتفاق حاسم حول أي منها، فما الذي تكشفه الأدلة التاريخية؟
ماذا تقول المصادر القديمة عن قبر الإسكندر الأكبر؟
توفي الإسكندر الأكبر في بابل، بالعراق حاليًا، عام 323 قبل الميلاد، وبعد تجهيز تابوت ذهبي فخم لجثمانه، بدأ رجاله نقله إلى موطنه في اليونان، لكن بطليموس الأول سوتر، أحد قادة الإسكندر، اعترض طريق الموكب واستولى على الجثمان.
وكان بطليموس آنذاك حاكماً لمصر، فنقل الجثمان إلى منف، التي كانت مركزاً للحكم اليوناني في البلاد، ودفنه هناك، لكن الجثمان لم يبقَ في هذا الموقع إلى الأبد.
فبحسب مؤرخين يونانيين، نُقل جثمان الإسكندر بعد عدة عقود إلى موقع آخر داخل مصر، حيث أعيد دفنه في الإسكندرية، إحدى أهم مدن البلاد.
أين يقع قبر الإسكندر في الإسكندرية؟
منارة الإسكندرية القديمة، إحدى عجائب الدنيا السبع في العالم القديم، وتشير الروايات التاريخية إلى أن قبر الإسكندر الأكبر كان داخل ضريح يُعرف باسم سوما لكن الموقع الدقيق لهذا الضريح لا يزال مجهولاً.
وذكر الجغرافي والمؤرخ اليوناني سترابون أن القبر كان في المنطقة الملكية من الإسكندرية، ورغم أن الباحثين يعرفون الموقع التقريبي لهذه المنطقة، فإنها تمتد على مساحة واسعة، كما أن أجزاء منها غمرتها المياه حالياً، ما يثير تساؤلات حول ما إذا كان القبر لا يزال فوق سطح الماء أم يقع في منطقة مغمورة، وتكمن إحدى الصعوبات في أن الإسكندرية شهدت عبر تاريخها غزوات وصراعات أدت إلى دمار أجزاء منها، ومن ذلك الدمار الذي تعرضت له المدينة عام 272 ميلادياً خلال الصراع بين زنوبيا والإمبراطور الروماني أورليان، ويرى بعض الباحثين أن قبر الإسكندر ربما دمر خلال هذه الأحداث، جاء ذلك بحسب ما ذكر موقع جريك ريبوت.
كما شيدت مبانٍ جديدة فوق أنقاض المدينة القديمة مرات عديدة، وهو ما يفتح احتمال وجود القبر مدفونًا في أعماق منطقة عمرانية مأهولة اليوم.
واحة سيوة.. هل تحقق أمنية الإسكندر؟
على الرغم من الروايات التي تربط قبر الإسكندر بالإسكندرية، يرى بعض الباحثين أن موقعه قد يكون في مكان آخر، ومن أبرز الاحتمالات واحة سيوة الواقعة غرب مصر، بالقرب من الحدود الليبية.
ويستند هذا الاحتمال إلى روايات تاريخية تفيد بأن الإسكندر طلب أن يُدفن في سيوة، ورغم اعتقاد باحثين بأن هذه الأمنية لم تتحقق، يظل السؤال مطروحاً حول إمكانية نقل جثمانه إلى الواحة في مرحلة لاحقة.
وفي عام 1995، أعلنت عالمة الآثار ليانا سوفالتزي اكتشاف قبر الإسكندر في سيوة. وقالت إن البناء الذي عثرت عليه يحمل سمات مقدونية، وإن ألواحاً منقوشة اكتشفت في الموقع تدعم، بحسب تفسيرها، فرضية دفنه هناك.
لكن باحثين آخرين رفضوا هذه الادعاءات، مشيرين إلى عدم وجود أدلة واضحة تثبت أن البناء المكتشف مقبرة من الأساس، فضلًا عن اعتراضات على تفسير خصائصه المعمارية باعتبارها مقدونية.
مقبرة أمفيبوليس.. هل ضمت رفات الإسكندر؟
تعد مقبرة أمفيبوليس، المعروفة أيضاً باسم مقبرة كاستا، من المواقع التي ارتبطت بنظريات دفن الإسكندر الأكبر، وتقع هذه المقبرة الضخمة، التي تتخذ شكل تل جنائزي، في شمال اليونان، وتتميز بحجمها الذي يفوق التلال الجنائزية الأخرى المكتشفة في البلاد.
ويعود تاريخ المقبرة، وفق تقديرات علماء الآثار، إلى الربع الأخير من القرن الرابع قبل الميلاد، وهي فترة تتوافق مع زمن وفاة الإسكندر. وقد دفع حجمها وتاريخها بعض الباحثين إلى طرح احتمال أن تكون مثواه الأخير.
لكن هذه المعطيات لا تثبت أن الإسكندر دُفن فيها بالفعل. ويرى فريق علماء الآثار الذين نقبوا في الموقع أن المقبرة ربما شيدت لتكريم هيفايستيون، أحد أقرب أصدقاء الإسكندر، مستندين إلى نقش عُثر عليه داخلها.
هل نقل قبر الإسكندر إلى البندقية؟
تطرح نظرية أخرى احتمال أن يكون قبر الإسكندر الأكبر موجودًا في مدينة البندقية الإيطالية، وتفترض أن القبر كان في الأصل بالإسكندرية قبل أن يرتبط لاحقًا بموقع يُنسب إلى القديس مرقس، أحد كتبة الأناجيل المسيحية في القرن الأول الميلادي.
وتشير وثائق تعود إلى أواخر القرن الرابع الميلادي إلى وجود قبر للقديس مرقس في الإسكندرية، وهي الفترة التي تتزامن مع آخر الإشارات التي تُعد موثوقة نسبيًا إلى قبر الإسكندر في المدينة، وتزداد النظرية إثارة للجدل لأن تقاليد مسيحية أقدم تفيد بأن جسد مرقس أُحرق بعد إعدامه، بدلاً من دفنه.
وانطلاقاً من هذه المصادفة التاريخية، طرح الباحث أندرو تشاغ فرضية أن القبرين ربما كانا في الأصل قبرًا واحداً.
وفي القرن التاسع الميلادي، نقل مسيحيون من البندقية ما اعتقدوا أنه رفات القديس مرقس من الإسكندرية إلى مدينتهم، حيث أُعيد دفنه. وتوجد الرفات المنسوبة إليه اليوم في كاتدرائية القديس مرقس بالبندقية.
لكن معظم الباحثين لا يتفقون مع فرضية أن هذه الرفات تعود في الأصل إلى الإسكندر الأكبر، ولا تزال النظرية بحاجة إلى أدلة إضافية يمكنها حسم هذا الاحتمال.
هل يكشف يوما عن موقع القبر؟
على الرغم من تعدد النظريات التي تربط قبر الإسكندر الأكبر بالإسكندرية أو واحة سيوة أو مقبرة أمفيبوليس أو حتى البندقية، لم يُحسم موقعه حتى الآن، وتبقى الروايات القديمة والاكتشافات الأثرية موضع دراسة ونقاش، في انتظار أدلة موثوقة قد تساعد على حل أحد أبرز الألغاز الأثرية في التاريخ.