يأتى عيد ميلاد ربنا يسوع المسيح كل عام ليذكّرنا بحقيقة إيمانية عميقة، أن الله يختار أن يقترب من الإنسان فى بساطة، وأن حضوره كثيرًا ما يفاجئنا فى أماكن لم نتوقعها وبطرق تتجاوز حساباتنا البشرية، فميلاد المسيح لم يكن حدثًا عابرًا فى التاريخ، بل كان إعلانًا إلهيًا عن حب لا يعرف الخوف، وعن رجاء يولد فى قلب العالم وسط الضعف والصمت.
حين نتأمل قصة المجوس، نكتشف أن رحلتهم لم تكن مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل كانت مسيرة روحية عميقة، خرجوا باحثين عن النور، وساروا خلف نجم يقودهم، وحين وجدوا الطفل يسوع قدّموا له هداياهم وسجدوا، لكن الإنجيل يلفت نظرنا إلى تفصيل بالغ الدلالة، إذ يقول إنهم «رجعوا فى طريقٍ أخرى»، لقد غيّرهم اللقاء، فلم يعودوا كما كانوا، ولم يعد الطريق القديم يصلح لهم بعد أن لمسوا الحقيقة.
هكذا هو اللقاء الحقيقى بالمسيح. إنه لقاء يغيّر الاتجاه، ويعيد تشكيل القلب، ويدعو الإنسان إلى مسار جديد. طريق نسير فيه فى مخافة الله بدل الأنانية، وفى السلام بدل الخصام، وفى المحبة بدل الانقسام، وفى الرجاء بدل اليأس. ميلاد المسيح ليس ذكرى نحتفل بها مرة فى العام، بل دعوة يومية لأن نراجع طرقنا، ونختار ما يقود إلى الحياة.
وفى أجواء هذا العيد المقدس، لا أستطيع أن أفصل الصلاة عن الوطن. أرفع قلبى بالدعاء من أجل مصر، هذه الأرض التى حملت عبر تاريخها تنوعًا فريدًا وقدرة متجددة على الصمود. أصلّى من أجل شعبها بكل أطيافه، ومن أجل فخامة الرئيس عبدالفتاح السيسى، أن يمنحه الله حكمة فى القيادة، وبصيرة فى اتخاذ القرار، وأن يقوده بروح المسؤولية والعدل، لتكون خطواته دائمًا من أجل خير الشعب، وسلام الوطن، واستقراره وازدهاره.
كما أرفع الصلاة من أجل القيادات الدينية فى بلادنا، وفى مقدمتهم فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر الشريف، وفضيلة وزير الأوقاف، ومفتى الجمهورية، وكل من يحمل أمانة الكلمة والخدمة. إن دور القادة الدينيين اليوم بالغ الأهمية، فهم مدعوون لأن يكونوا شهودًا للمحبة، وحراسًا لقيم المواطنة، وجسورًا حقيقية للتسامح والتعايش المشترك، فى عالم يميل أحيانًا إلى الانقسام أكثر من الالتقاء.
ولا تكتمل صلاتى فى هذا العيد إلا بالصلاة من أجل قادة الكنائس المسيحية فى مصر والعالم، من أجل قداسة البابا تواضروس الثانى، والبطريرك إبراهيم إسحق، والدكتور القس أندريا زكى، والبطريرك ثيودوسيوس الثانى، وسائر الآباء والرعاة. أصلّى أن يمنحهم الله حكمة ونعمة، ليقودوا شعبه بروح الخدمة والأمانة، وأن يكونوا علامات رجاء فى زمن يحتاج إلى التعزية أكثر من الإدانة.
وفى ختام هذا المقال، أؤمن بأن ميلاد المسيح يظل دعوة مفتوحة لكل إنسان أن يعود «فى طريقٍ أخرى»، طريق النور بدل الظلمة، وطريق السلام بدل الخوف، وطريق المحبة التى لا تسقط أبدًا. عيد ميلاد مجيد، وليملأ الله مصر وشعبها بسلامه، ويباركها بالأمن والاستقرار، والمحبة، والرخاء الدائم.

p