الزنزانة لم تكسرهم.. أسرى محررون يكتبون سيرة الصمود.. رحلة آدم صلاح بين الدبابات وكلاب الاحتلال واستشهاد شقيقه محمد.. حكاية رجل خرج من القيد محملًا بألم الفقد ووجع غزة كلها في جسد منهك وروح لا تستسلم.. صور

الإثنين، 05 يناير 2026 11:18 ص
الزنزانة لم تكسرهم.. أسرى محررون يكتبون سيرة الصمود.. رحلة آدم صلاح بين الدبابات وكلاب الاحتلال واستشهاد شقيقه محمد.. حكاية رجل خرج من القيد محملًا بألم الفقد ووجع غزة كلها في جسد منهك وروح لا تستسلم.. صور الأسير الفلسطيني المحرر آدم بهار

كتب أحمد عرفة

<< كنت أسمع خطواتهم تصعد الدرج وأشعر أن الموت يقترب ولكن قلبي كان يقول لي إنني سأعود يوما إلى أمي

<< لا يوجد أقلام ولا دفاتر ولا حتى إمكانية للقراءة في المعتقل وكل شيء كان محظورا

<< نحن في غزة نحب الحياة ومهما حاول الاحتلال أن يجعلنا ننسى معنى الحياة

<< رأيت أخي محمد يستشهد أمام عيني ولم أستطع إنقاذه وستظل تلك اللحظة جرحا لا يلتئم ما حييت

<< في سدي تمان كنا نأكل فقط لنعيش لا لنشبع وكان الجوع جزءًا من التعذيب الذي لا ينتهي

<< أتمنى أن يسمع العالم صوت الأسرى فهناك من يموت بصمت وهناك من يعود بنصف جسد

<< لم أكن بطلا كنت فقط إنسانا يحاول النجاة وسط جحيم لا يعرف الرحمة

<< خرجت من السجن منهكا لكن عزيمتي ما زالت أقوى من كل السجون ومن كل الألم

<< عدت إلى الشجاعية فلم أجد الشوارع التي حفظتها واصبحت الذاكرة بلا ملامح وبيوت اختفت بالكامل

<< أصعب لحظاتي في الأسر لم تكن تحت التعذيب بل كانت حين أتصور أن عائلتي قد رحلت تحت الركام

<< حين أدخلوا الكلاب بيننا ونحن معصوبو الأعين أدركت أن الاحتلال لا يريد تكسير جسدك فقط بل روحك أيضا

 

في قلب حي الشجاعية، أحد أكثر الأحياء التي عرفت معنى الاجتياح والدمار، تبدأ حكاية الأسير المحرر آدم صلاح، حكاية ليست مجرد تفاصيل اعتقال عابر، بل رواية كاملة تجسد كيف يتحول الإنسان داخل سجون الاحتلال إلى رقم في منظومة قمع لا تعرف للرحمة سبيلا، وبين لحظات الحصار، وذكريات الأخ الشهيد، وجوع الزنازين، وعتمة التعذيب، ظل آدم يحمل في داخله ما هو أثمن من الجسد المنهك، إيمانه بأن الحرية ستصل، ولو بعد حين.

اقرأ أيضا

منسقة الطوارئ بمنظمة أطباء بلا حدود في غزة: نحاول تخفيف وطأة الحرب بغزة

 

حصار امتد لأسبوع وقلوب معلقة بين الحياة والموت

يروي آدم تفاصيل اللحظات الأولى التي ستغير حياته للأبد، حيث كان كل شيء هادئا نسبيا في المنزل، رغم ضجيج الحرب خارج الجدران، حين بدأت الدبابات تحيط بالحي، وبعد أيام، أصبح المنزل نفسه محاصرا بالكامل، حيث يقول: "تم اعتقالي بعد حصار دام مدة أسبوع في منزلنا في حي الشجاعية، حاصرتنا الدبابات بشكل مفاجئ، ولم نتمكن من الخروج من المنزل، في "اليوم السابع"، بتاريخ الثالث من يوليو 2024 اعتقدنا أن الجيش ينسحب، ولكن الصدمة كانت بأن الجيش حاصر المنزل بالكامل".

كان الخوف سيد اللحظة، فالأطفال يلتصقون بأمهاتهم، والنساء يرفعن دعوات صامتة، وأخوه محمد -المصاب بمتلازمة داون - يقف بعينيه الواسعتين لا يفهم سوى أن شيئا مخيفا يقترب، وأمام كل ذلك، لم يكن آدم قادرا على فعل شيء سوى انتظار المجهول.

دخل الجنود المنزل بعد أن أطلقوا كلابهم البوليسية، قبل أن تهبط طائرات "الكواد كابتور" الصغيرة في كل الغرف، وكأنهم يبحثون عن عدو متخفي بين أطفال مذعورين ونساء محاصرات، ويتحدث الأسير المحرر عن تلك اللحظة في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع": "سمعنا أصوات الجيش داخل المنزل، تحديدا على الدرج، شعرنا برعب شديد، خاصة أن الأطفال والنساء وأخي محمد المصاب بمتلازمة داون كانوا معنا، في لحظة واحدة، دخلت كلاب الجيش المنزل، وتم إنزال طائرات كواد كابتر لتفقد من في البيت".

في تلك الساعات، بدا واضحا أن الجيش الإسرائيلي لن يغادر دون اعتقال أحد، وكان الهدف جاهزا، آدم وأخوه سيف الدين، الذي لم يمض وقت طويل على خروجه من سجون الاحتلال.

أدم صلاح
أدم صلاح

اتهامات جاهزة ومنزل يتحول إلى ساحة اعتقال

لم يكن آدم يتوقع أن الاتهامات ستكون بهذا الحجم، فبمجرد اعتقاله، بدأت قائمة طويلة من الاتهامات تنهال عليه وعلى شقيقه، قائلا : "اتهمونا بالعمل مع المقاومة، واتهمونا بأننا السبب في أحداث 7 أكتوبر، كانوا يكررون هذه التهم كأنها حقيقة، رغم أننا لم نكن نعرف حتى ما الذي يجري خارج المنزل بسبب الحصار"، تلك اللحظات من الاعتقال لم تكن سوى بداية، فالطريق إلى السجن كان طريقًا نحو عالم آخر، عالم لا يعرف قوانين البشر.

 

رحلة العذاب من "سدي تمان" إلى "عوفر"

بدأت فصول المعاناة بعد وصول آدم وشقيقه إلى سجن سدي تمان، أحد أكثر السجون الإسرائيلية قسوة، حيث يتحدث : "تعرضنا للتعذيب في سدي تمان أكثر من عشرين يومًا، ثم نقلونا إلى سجن عوفر وهناك زاد التعذيب".

كان التعذيب لا يشبه ما يظهر في الأفلام أو ما يرويه الآخرون، كان أقسى، أقرب إلى محاولة كسر الروح قبل الجسد، من أبشع المشاهد التي لا تزال محفورة في ذاكرته تلك اللحظات التي ترك فيها الجنود كلابهم بين الأسرى، : "أكثر لحظات التعذيب عندما يتركون كلاب الجيش تمشي بين المساجين ونحن معصوبو العينين، كانت لحظات مخيفة لا تنسى".

الطعام في السجن لم يكن يُسمى طعاما، بل كان القليل القليل، فقط ليبقى الأسير على قيد الحياة، فيقول:"كان الأكل قليلا جدا، فقط ليبقيك حيا لا للشبع"، وفي كل زاوية من السجن، كان آدم يرى أسرى يفقدون حياتهم تحت التعذيب، وآخرين يفقدون أطرافهم.

"هناك كثير من الأسرى فقدوا حياتهم من شدة التعذيب، وبعضهم فقد أجزاء من أجسادهم، منهم من فقد ساقه، ومنهم من بترت يده"، هنا يشرح آدم صلاح حجم الإهمال الطبي الذي تعرض له الأسرى، لكن اللحظة الأكثر قسوة هي اللحظة التي سترافقه ما دام حيا، كانت رؤية أخيه الشهيد محمد يقتل أمامه.

الأسير المحرر آدم صلاح
الأسير المحرر آدم صلاح

قسوة اعتقال الحرب

ويقول الأسير المحرر إن تجربة الاعتقال في حرب لم تكن مجرد حرمان من الحرية، بل كانت عزلا كاملا عن أبسط مقومات الحياة الإنسانية، موضحا أن المعتقلين حرموا حتى من الأشياء التي تبدو بديهية، : "في المعتقل لا يوجد أقلام، ولا دفاتر، ولا حتى إمكانية للقراءة ، ممنوع كل شيء، حتى كاسات الماء كانت ممنوعة، نحن كنا معتقلين حرب، وهذا وضع مختلف تماما لأن المعتقل الإداري ممكن يسمح له ببعض الأشياء، لكن نحن لا، كل شيء كان محظورا".
ويتابع بهار أن هذا الحرمان لم يكن مجرد إجراء أمني، بل وسيلة ضغط نفسي قاسية، تهدف إلى كسر الإرادة وعزل الأسير عن أي وسيلة للتعبير أو الصمود، مؤكدا أن الأيام داخل المعتقل كانت تمر ثقيلة، بلا كتاب، ولا قلم، ولا حتى لحظة يشعر فيها الأسير بإنسانيته، سوى تمسكه بالأمل والإيمان بأن الحرية ستأتي مهما طال الزمن.

 

الفاجعة استشهاد محمد أمام أعينهم

يرتجف صوت آدم عندما يتحدث عن تلك اللحظة: "فقدت أخي الشهيد محمد، حيث تعرض لهجوم من كلاب الجيش أمام أعيننا، ولم نستطع إنقاذه، لقد فارق الحياة، ونحن نعتصر من شدة الألم".

محمد، الشاب ذو القلب الأبيض، الذي لا يتحدث إلا قليلا، والذي لم يعرف يوما معنى العنف أو المواجهة رحل بطريقة لا يتحمل عقل أو قلب بشري تصورها، فكان وقع استشهاده على آدم قاسيًا، ولكن الأصعب من الفاجعة كان العجز، حيث العجز عن حماية من كان يحتاج إلى الحماية أكثر من الجميع.

 

عتمة السجن وانقطاع كامل عن العالم

داخل الزنازين، لم يكن هناك زيارات، ولا أخبار، ولا أي وسيلة لمعرفة ما يجري خارج الجدران، فيوضح آدم :"لا يوجد زيارات في السجن، ولا نعرف أي أخبار عن غزة، عند الإفراج عني، اعتقدت أن الحرب انتهت، وصُدمت عندما علمت أنها ما زالت مستمرة".

مرت الأيام بطيئة، ثقيلة، بلا ضوء، كان التفكير في العائلة يوجعه أكثر من السجن نفسه، :"أصعب اللحظات كانت عندما كنت أتذكر عائلتي، كنت أعتقد أنهم فارقوا الحياة، لأن الجيش كان داخل المنزل يوم اعتقالي، لم أتخيل أنهم كانوا بخير"، لكن رغم الألم، ورغم فقدان الشقيق، والجوع والعطش والتعذيب ظل الأمل أقوى من كل شيء.

 

نقل إلى سجن عوفر وتحسن نسبي قبل الحرية

بعد أسابيع طويلة، نُقل آدم إلى سجن عوفر، لم يكن السجن جيدا، لكنه كان أخف وطأة من جحيم معتقل سدي تمان، :" كانت أيام ما قبل الإفراج نوعا ما جيدة، حيث تم نقلنا لسجن عوفر، هناك يتوفر مكان للنوم، تخت حديدي، لكنه أفضل من النوم على الأرض في سدي تمان، حيث كنا ننام بالساعات على الأرض وأيدينا مكبّلة وعيوننا معصوبة"، في تلك اللحظات، بدأ يدرك أن الحرية ربما تقترب، وأن الأبواب التي ظنها مغلقة إلى الأبد بدأت تتفكك ببطء.

 

العودة لقاء العائلة وصدمة الدمار

خرج آدم وعاد إلى الشجاعية، عاد إلى المكان الذي تركه قبل أسابيع، لكنه لم يجد منه شيئا، ويتحدث عن هذه اللحظة، قائلا : "الحمد لله وجدت أسرتي بخير، زوجتي وأطفالي وأمي وأختي، الجميع بخير، لكنني فوجئت بحجم الدمار، خاصة في الحي الذي أعيش فيه، دمار لا يوصف، بيوت جرفت عن بكرة أبيها، لا تعرف أين كانت وأين ذهبت من شدة التحريف".

كان المشهد أكبر من أن يُستوعب، شوارع بلا ملامح، مبان اختفت، ذكريات تحولت إلى غبار، ومع ذلك، كان في قلبه قوة أو ربما رغبة في الحياة رغم كل شيء.

 

رسالة من قلب رجل خرج من العتمة

في حديثه، يوجه آدم صلاح رسالة للشعب المصري : "نشكر الدور المصري ودولة مصر الشقيقة على دعمها في وقف إطلاق النار"، ثم يرفع صوته برسالة إلى العالم: "نحن في غزة نحب الحياة".

ويضيف برسالة أخيرة عن رفاقه الأسرى: "حياة الأسرى داخل السجون صعبة للغاية، أتمنى لو أن العالم كله وقف معهم، وحل قضيتهم، ووقف بجانبهم حتى الإفراج عنهم جميعا".

قصة آدم صلاح ليست مجرد شهادة أسير محرر، بل هي جزء من السجل الكبير للمعاناة الفلسطينية داخل سجون الاحتلال، حيث يموت البعض تحت التعذيب، ويتكسر البعض الآخر بصمت، بينما يخرج آخرون ليحملوا شهادات الألم إلى العالم، وخلف كل أسير، عائلة تنتظر، وأطفال يكبرون على غياب الأب، وأمهات يعلقن صور أولادهن على الجدران كأنها أبواب للعودة.

آدم اليوم حر، لكنه خرج محملا بذكرى شقيقه محمد، وبأصوات الكلاب، وبرائحة السجون، وبوجع الجوع، وبدموع الانتظار، ومع ذلك، يكرر جملة واحدة كمن يحاول حماية جوهره الداخلي من الانطفاء "نحن في غزة نحب الحياة ولا نريد سوى أن نعيش بكرامة".




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة