<< محمود بصل: رأيت الأم تبكي والرضيعة متجمدة ماتت من البرد لا من المرض
<< مواطنة من غزة: نحن لا نموت بالقصف فقط بل نموت من البرد، من الصمت ومن خذلان العالم
<< صحفي فلسطيني: الطفلة رهف لم تمت بالبرد وحدها وآلاف الأطفال مهددون بالمصير ذاته
<< الدفاع المدني الفلسطيني: أكثر من 17 وفاة و90% من مراكز الإيواء غرقت بالمياه
<< مفوض الأونروا: مزيد من الأمطار يعني مزيدا من البؤس وغزة تغرق في اليأس
<< المكتب الإعلامي الحكومي: الاحتلال يخرق وقف إطلاق النار ويمنع المساعدات والكارثة تتفاقم
<< الضمير لحقوق الإنسان: ما يحدث انتهاك صارخ للقانون الدولي والنازحون يواجهون الموت بلا حماية
<< مركز فلسطين لدراسات الأسرى: الأسرى يتجمدون في الزنازين بلا أغطية ولا تدفئة ولا رحمة
<< الدفاع المدني برفح : الرياح اقتلعت الخيام وتركت العائلات في العراء
<< الشتاء ليس فصلا بل حكما بالإعدام على من نجا من القصف في غزة
مع حلول عام 2026، استقبل سكان غزة العام الجديد بوجه آخر من وجوه المعاناة، حيث اجتاح المنخفض الجوي الشديد أرجاء القطاع، مصحوبا بأمطار غزيرة وسيول جارفة أغرقت الشوارع والمنازل، وأدت إلى وقوع وفيات وفقدان العشرات، في مشهد مأساوي يضاف إلى قائمة الكوارث التي يواجهها الفلسطينيون يوميا، ومع كل قطرة مطر، كان السكان يشعرون بثقل الحياة في هذه الأرض المحاصرة، حيث تتضاعف المخاطر بسبب تردي البنية التحتية ونقص الإمكانيات الطبية والإسعافية لمواجهة الكوارث الطبيعية، فيما تستمر قوات الاحتلال في خرق اتفاق وقف إطلاق النار، وقصف عدة مدن بالقطاع.
شتاء غزة..حين يتحول المطر إلى كارثة إنسانية
يعيش الفلسطينيون في غزة لحظات صعبة يختلط فيها الخوف من الأمطار الغزيرة والمياه الجارفة مع القلق من أصوات القصف المتقطعة، في صورة حية لمعاناة مستمرة لا تهدأ، حيث يتواصل الصراع مع الطبيعة مع استمرار الضغط الأمني والحصار الإسرائيلي، ليؤكد مرة أخرى أن الحياة في غزة ليست مجرد مواجهة مع العوامل الطبيعية، بل صراع مزدوج بين البشر والظروف القاسية التي يفرضها الاحتلال والمنظومة الدولية.
غرق الخيام
شهيدان في المنخفض الجوي الذي يضرب غزة
في 27 ديسمبر، تعرضت آلاف خيام النازحين للغرق بمياه الأمطار الغزيرة، بالإضافة لتطاير واقتلاع بعضها في مناطق متفرقة من قطاع غزة، بفعل تأثر فلسطين بمنخفض جوي شديد استمر حتى مساء 29 من ذات الشهر، وبعد استشهاد طفل غرقا في بركة مياه في مساء 26 ديسمبر، استشهدت طفلة بعدها بـ24 ساعة فقط، إثر سقوط جدار منزل قصفه الاحتلال خلال حرب الإبادة على خيمتها غربي مدينة غزة.
المنخفض الجوي يعمق جراح القطاع المحاصر
ويعلق محمود بصل، المتحدث باسم الدفاع المدني في غزة عن غرق طفل في بركة مياه بسبب الأمطار والمنخفض الجوي ويقارن بينها وبين انقاذ طفل ريان الذي سقط في بئر، قائلا :" ما أشبه اليوم بالبارحة، الطفل المغربي ريان الذي سقط في بئر عام 2022 حيث تكاتف العالم بأسره من أجل إنقاذه، ورأينا حينها حجم الإنسانية التي كنا نفتخر بها، واعتبرناها قيمة جامعة لا تميز بين البشر، لكن في القطاع، قتل آلاف الأطفال، ولم نر هذا التكاتف، ولم نسمع ذلك الصوت الإنساني.
قصة الطفل عطا مي.. حين يغيب العالم عن إنقاذ الأبرياء
ويقول :" ما زاد وجعي، أن طفلا فلسطينيا لا يتجاوز عمره سبعة أعوام، أسمه عطا مي، سقط في بئر شمال غزة وفارق الحياة، دون أن نسمع صوتا للمنظمات الإنسانية، ودون أن يتحرك العالم لإنقاذه أو حتى للحداد عليه، وهذه الازدواجية المؤلمة تمس جوهر المبادئ الإنسانية، وتمثل انتهاكا صارخاً للقانون الدولي الإنساني، وتكشف خللا عميقا في ميزان القيم العالمية".
تأثير المنخفض الجوي على غزة
استشهاد رضيعة بسبب المناخ السئ
كما يتحدث عن واقعة استشهاد رضيعة بسبب المناخ السئ، :"رأيت ذلك بعيني، لم يخبرني أحد، رأيت أما تبكي، وأطفالا يرتجفون، فعند الواحدة فجرا والمطر يهطل بغزارة، اشتد البرد على الرضيعة، وحملها الأب محاولا نقلها بعيدا عن الخيمة المثقوبة بالشظايا، لكن الوقت كان أسرع من الأمل.
ويضيف :" وصل الأب إلى المستشفى، فقيل له، سبب الوفاة شدة البرد، رحلت الطفلة، ولحقت بشقيقها بعد شهور، لقد ماتا من البرد، ومن بقي خلفهما ما زال يصارع الطقس ذاته، والخذلان ذاته، مسك وإبراهيم ما زالا في العراء، بلا ملابس، بلا طعام، بلا يد تحمي، ولا قلب يسمع، كانت تلك كارثة عنوانها رضا، تفاصيلها رضا، وخاتمتها وجوه بلا ملامح، وهذه ليست قصة واحدة، بل واحدة من آلاف القصص التي نعيشها كل يوم، أسر لا تمتلك أدنى مقومات الحياة، ولا تطلب إلا شيئا واحدا: "أن يعيش أطفالها بسلام".
شهداء البرد والسيول.. أطفال يدفعون ثمن العجز الدولي
ويحكي محمود بصل، قصة أب من غزة قائلا :"غمرت الدموع ملامح الرجل حتى بدا من حزنه ككهل أنهكه العمر، لا لأنه عاش طويلا بل لأنه فقد أكثر مما يحتمل بشر، ففي حي الزيتون، حيث لا ملامح للمكان ولا وجوه للوجع، فقط نبض يخفت شيئا فشيئا، وصلت إلى حكاية اسمها الكارثة، ناديت من بعيد، فكان الجواب بكاء أطفال، وصوت أم مكسور.
ويتابع :"اقتربت أكثر، فوجدت زوجين شابين من عائلة طوطح يستتران بقماش بال، لا هو خيمة ولا هو ستر، سألت الأب: ما الخبر؟ فقال ما لا يقال، حيث فقد ابنه في سبتمبر من العام الماضي، وكانوا نازحين، يعيشون على شاطئ البحر، والحرب لا تهدأ، ومرض رضيعه الصغير، حمله إلى المستشفى، قيل له "نزلات برد حادة وسوء تغذية"، وثلاثة أيام فقط ثم توقف قلب الطفل، وتوقفت معه عقارب الزمن في صدري الأب والأم".
ويضيف :" اليوم، يعود المشهد أقسى، حيث منخفض جوي يضرب غزة، وأم تحاول عبثا تدفئة طفلها الجديد الذي لم يتجاوز عمره أسبوعين، فلا أغطية، لا تدفئة، لا مأوى، كانت تخبئ طفليها، مسك وإبراهيم، داخل ملابسها المهترئة، تضمهم إلى صدرها، تحاول أن تحميهم بجسدها من البرد.
أضرار الشتاء على غزة
سكان غزة في مواجهة مزدوجة مع الموت
ويشير المتحدث باسم الدفاع المدني الفلسطيني، إلى سقوط ثمانية حالات وفاه منذ بداية المنخفض الجوي الذي يضرب غزة من بينهم ثلاثة أطفال فقدوا حياتهم نتيجة البرد والظروف القاسية التي يعيشها القطاع، وجزء من هذه الوفيات وقع نتيجة انهيار مبان متصدعة وآيلة للسقوط فوق السكان.
ويشير إلى أنه لا يزال عدد من المواطنين تحت أنقاض المباني التي انهارت بفعل المنخفض الجوي، وما تزال طواقم الدفاع المدني تعمل بإمكانات محدودة للوصول إليهم، وخلال الساعات الماضية، تلقينا آلاف نداءات الاستغاثة منذ بداية المنخفض، معظمها تتعلق بانهيارات وتسرب مياه وغرق خيام ونزوح عائلات، خاصة أن المنخفض أدى إلى غرق آلاف الخيام التي تقيم فيها العائلات، ما ضاعف المأساة الإنسانية بشكل كبير.
ويؤكد أن الخيام لا تصلح للعيش ولا توفر الحد الأدنى من الأمان، مطالبا بشكل عاجل بـاستبدال الخيام بكرافانات آمنة لحماية المدنيين داخل القطاع، وداعيا المجتمع الدولي إلى تحرك فوري وعاجل لحماية السكان العزل وتوفير مقومات الحياة الأساسية لهم، خاصة أن الوضع الإنساني الكارثي في غزة لا يقتصر على الحرب فقط، بل يشمل تبعاتها، وما يحدث اليوم هو كارثة بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
ويوضح أن المنظومة الخدماتية في غزة تشعر بالعجز التام، ومع ذلك نحمل مسؤولية كبيرة، إذ أن أرواحا نجت من القصف الإسرائيلي تتعرض الآن للتهديد بالموت بسبب البرد القارس وانهيار المنازل فوق ساكنيها.
طفل تحت الأنقاض بسبب المنخفض الجوي
خيام تغرق وأحلام تقتلع مع الرياح
وتتواصل معاناة النازحين في غزة بعد حرب الإبادة الجماعية، حيث لم يترك الاحتلال لهم أي مأوى، فاضطروا لنصب الخيام على شاطئ البحر وفي الطرقات والشوارع والأراضي وبجوار المناطق الآيلة للسقوط أو حتى داخلها أحيانا رغم الخطر الكبير، فيما تمنع إسرائيل إدخال المساعدات الإنسانية والخيام والكرفانات اللازمة لمركز الإيواء في خرق متواصل لاتفاق وقف إطلاق النار.
الأونروا تحذر: الوضع الإنساني يخرج عن السيطرة
وأكد فيليب لازاريني المفوض العام للأونروا، في 29 ديسمبر، أن مزيد من الأمطار ومزيد من البؤس واليأس والموت في غزة وطقس الشتاء القاسي يفاقم معاناة استمرت لأكثر من عامين في القطاع، مضيفا خلال بيان للوكالة الأممية، أن سكان القطاع يعيشون في خيام واهية غارقة بالمياه والمساعدات لا تصل بالكمية المطلوبة.
مع بداية العام الجديد، حل المنخفض الجوي على غزة ككارثة جديدة تضاف إلى سلسلة طويلة من المآسي، ليحول حياة آلاف العائلات إلى معركة يومية مع البرد والموت، حيث تقول المواطنة الفلسطينية يافا أبو عكر إن ما يعيشه سكان القطاع يفوق الوصف، مضيفة: "الناس هنا يتجمدون حتى الموت، وبقايا منازلهم تنهار فوق رؤوسهم، ماتوا لأن البرد كان أقسى من ضمير هذا العالم، فتجمدوا في خيام لا تصلح حتى لأن تكون قبورا".
رضيع تجمد من البرد
صرخات الأطفال تحت المطر.. والعالم صامت
وتتابع بمرارة: "الجو قاتل، برد ينهش العظام، وخيام مفتوحة كأنها بلا جدران، والناس تترك لمصيرها، ترتجف حتى يتوقف القلب، مشيرة إلى أن الأمطار الغزيرة تسببت في غرق الخيام وتشريد العائلات، والمياه تسللت إلى صدور الأطفال قبل أن تلامس الأرض، في مشهد يجسد حجم المأساة الإنسانية التي يعيشها القطاع.
وتضيف: "غزة الآن تغرق، الأطفال يموتون بردا وغرقا، بينما العالم يتقن دور المتفرج بلا خجل، هنا لا يقتلنا الشتاء وحده، بل يقتلنا الصمت والخذلان، وتركنا نرتجف حتى الموت"، وتختم حديثها بالتأكيد على أن أرواح الضحايا ستظل شاهدة على تقاعس العالم، وأن ما يجري في القطاع ليس مجرد منخفض جوي، بل كارثة إنسانية حقيقية تتطلب تحركا عاجلا لإنقاذ ما تبقى من الأرواح.
الدفاع المدني: إمكانات شبه معدومة وكارثة تتفاقم
وأكد الدفاع المدني بغزة، خلال بيان في 17 ديسمبر، أنه مع كل شتاء في غزة، تتجدد المأساة الإنسانية، فتتحول الأمطار الغزيرة والرياح العاتية إلى كابوس يلاحق الأطفال والنساء وكبار السن، وفي خيام مهترئة ومنازل نصف مدمرة، يجد الفلسطينيون أنفسهم محاصرين بين قوة الطبيعة وقسوة الواقع المعيشي، وتتحول مياه الأمطار إلى سيول جارفة تجرف كل شيء في طريقها، وتغرق الأطفال في البرك والطرقات، تاركة آثارا من الخوف والفقد في عيونهم الصغيرة.
وأضاف أن الشتاء في القطاع ليس مجرد موسم، بل اختبار للبقاء، حيث تنهار الخيام وتتشقق الجدران، ويتحول كل سقف متهالك إلى تهديد لحياة العائلات، فيضطر الناس إلى النزوح قسريا من أماكن سكناهم بحثا عن مأوى آمن، وهم يحملون معهم ذكريات الدمار وفقدان الأمان، مشيرا إلى أنه في ظل النقص الحاد في المساعدات الإنسانية والمعدات الأساسية، تزداد معاناة العائلات، بينما تتعطل الخدمات الصحية والطوارئ، وتصبح الملاجئ المكتظة مجرد مسكن مؤقت لا يحمي من برد الشتاء القارس ولا من الأمراض التي تنتشر بسرعة بين الأطفال والرضع.
وأوضح أنه مع كل قطرة مطر تسقط، يتجدد سؤال البقاء، وتتصاعد الصرخات من داخل المنازل المنهارة، من شوارع تغمرها المياه، ومن خيام أهدمت جزئيا، حيث يجد الفلسطينيون أنفسهم أمام مأساة مزدوجة، حيث مواجهة الطبيعة الغاضبة، والصمود أمام تداعيات الاحتلال والحصار المستمر الذي يحرمهم من أي أدوات حماية أو إمكانيات للتعامل مع الكوارث، لافتا إلى أنه في غزة، الشتاء ليس فصلا من فصول السنة، بل فصل من فصول الصمود والمعاناة الإنسانية، ويصبح كل يوم رحلة بين الموت والحياة، وكل مأوى هش يختبر قوة التحمل أمام قوة الطبيعة القاسية والظروف القهرية التي يعيشها الفلسطينيون.

6c611b8b-3dae-4f61-8847-68f71b93cdcb
ويوثق الصحفي الفلسطيني يحيى يعقوبي واحدة من أكثر القصص إيلاما، وهي وفاة الطفلة رهف أبو جزر، البالغة من العمر ثمانية أشهر، نتيجة البرد القارس الذي اجتاح خيام النازحين.
ويقول يعقوبي إن الطفلة رهف ولدت في زمن المجاعة، وحرمت من أبسط مقومات الحياة، فلا حليب ولا حفاظات، حتى نحل جسدها الصغير قبل أن تعرف معنى الطفولة، وعاشت في خيمة مهترئة لا تقي بردا ولا مطرا، وسط أسرة مكونة من تسعة أفراد لا تملك مصدر دخل، وتعتمد في غذائها على ما يصل من طعام التكيات، في ظل استمرار المجاعة رغم الإعلان عن وقف إطلاق النار.
ويضيف أن العائلة كانت تقيم أسفل تلة ترابية مرتفعة، وبعد أن أرضعتها والدتها وضعتها لتنام. ومع حلول الفجر، استيقظت الأم على شدة البرد، وحين حاولت تغطية أطفالها فوجئت بمياه الأمطار وقد غمرت مكان نوم رضيعتها، لتجد رهف متجمدة وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة، وجرى نقلها إلى المستشفى، لكن الأطباء أكدوا وفاتها قبل الوصول.
وينقل عن والدة الطفلة قولها إن العائلة لا تملك أغطية ولا فرشا ولا أي مقومات للعيش، موجهة نداء إنسانيا عاجلا إلى أهل الخير والمؤسسات الإغاثية في محافظة خان يونس وكل من يستطيع المساعدة، علهم يخففون من مصابهم ويقفون إلى جانبهم في هذه المحنة القاسية.
ويختم الصحفي الفلسطيني حديثه بالتأكيد على أن ما يحدث في غزة لم يعد مجرد منخفض جوي، بل كارثة إنسانية مكتملة الأركان، حيث يقتل البرد الأطفال، وتنهار الخيام، ويُترك الناس لمواجهة مصيرهم في صمت عالمي مؤلم.
وأعلنت وزارة الصحة الفلسطينية في 20 ديسمبر، وفاة الطفل الرضيع سعيد أسعد عابدين البالغ من العمر شهرا واحدا فقط بسبب المنخفض الجوي والبرد الشديد، لترتفع حالات الوفاة نتيجة المنخفض الجوي في قطاع غزة إلى 13 حالة، وفي ذات اليوم، أعلنت مستشفى الكويت التخصصي في خان يونس، عن وقف جميع العمليات الجراحية بسبب العجز الحاد في المستلزمات الطبية، محذرة من خروج المستشفى عن الخدمة بشكل كامل ما يهدد حياة المرضى والجرحى.
ويعاود محمود بصل التأكيد، أنه منذ بدء المنخفضات الجوية، انهارت أكثر من 17 بناية سكنية بشكل كامل، فيما تعرضت أكثر من 90 بناية سكنية لانهيارات جزئية خطيرة، ما يشكّل تهديداً مباشراً لحياة آلاف المواطنين، وغرقت نحو 90% من مراكز الإيواء في قطاع غزة بشكل كامل نتيجة السيول ومياه الأمطار.
أكثر من 5000 نداء استغاثة خلال أيام
ويشير إلى تضرر وغرق كافة خيام المواطنين في مختلف مناطق القطاع، ما أدى إلى فقدان آلاف الأسر لمأواها المؤقت، وتسبب في تلف ملابس المواطنين وأفرشتهم وأغطيتهم، وفاقم من معاناتهم الإنسانية، فيما تلقت طواقم الدفاع المدني أكثر من 5000 مناشدة واستغاثة من المواطنين منذ بدء المنخفضات الجوية على غزة، وأسفرت تداعيات هذه المنخفضات الجوية عن وفاة عشرات المواطنين، من بينهم أطفال نتيجة البرد القارس، فيما توفي الآخرون جراء انهيارات المباني.
وجدد دعوته العاجلة إلى العالم والمجتمع الدولي للتحرك الفوري لإغاثة المواطنين وتوفير الاحتياجات الإنسانية الطارئة، خاصة أن الخيام أثبتت فشلها الكامل في غزة، مطالبا الجهات المعنية والمؤسسات الدولية بعدم إدخال الخيام بشكل قطعي، والبدء الفوري والعاجل بعملية إعادة الإعمار وتوفير مساكن آمنة تحفظ كرامة الإنسان وتحمي حياته.
900 ألف نازح يعيشون في خيام متهالكة
وأكد الدفاع المدني في رفح، أنها تواجه أوضاعا إنسانية شديدة القسوة وترد له نداءات استغاثة متواصلة من نازحين جراء العاصفة، والخيام البالية لم تصمد أمام شدة الرياح ما أدى إلى تمزقها واقتلاع بعضها وترك العائلات في العراء.
وفي 27 ديسمبر، أكدت شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية في غزة، أن نحو 900 ألف نازح يعيشون في خيام متهالكة ويعانون من تداعيات المنخفض الجوي، وفي ذات اليوم أشارت بلديات محافظة شمال القطاع، إلى أن الاحتلال حول المنطقة إلى منطقة منكوبة، ومنع وصول الماء والوقود وقطع الغيار ومواد إعادة الإعمار إلى المحافظة.
وأكدت تدمير أكثر من 150 كيلومتر من الطرق و70 بئر مياه رئيسي، لافتة إلى أنها تواجه تحديات خطيرة تتمثل في عدم توفر وقود كاف لتشغيل آبار المياه وشبكات الصرف، وعدم توفر مواد الصيانة وأنابيب المياه والصرف الصحي، وتكدس آلاف الأطنان من النفايات الصلبة ما أدى لانتشار الأمراض.
وطالبت بتوفير قطع الغيار والمواد اللازمة لصيانة شبكات المياه والصرف الصحي، وكذلك إدخال مواد الإعمار اللازمة لإصلاح الآبار والمضخات
ويؤكد رئيس المكتب الإعلامي الحكومي بغزة إسماعيل الثوابتة، أن هناك تحذيرات من حدوث كارثة واردة، في ظل هشاشة البنية التحتية الناتجة عن الإبادة والتدمير المستمر ، كما أن غزارة الأمطار وشدة الرياح واحتمالية تشكل السيول وتجمع المياه تعقد الأوضاع مع دخول المنخفض.
ويضيف أن الجهات الحكومية الفلسطينية وبالتنسيق مع المؤسسات الشريكة أوت عدد من الأسر المتضررة من المنخفض السابق وفق الإمكانيات المتاحة، والإيواء تم في ظل محدودية الإمكانيات نتيجة شح الموارد وحالة الدمّار الواسع.
ويوضح أن أوضاع المتضررين ما تزال صعبة ومعقدة مع استمرار العدوان وتداعياته، وعدد كبير من العائلات لا يزال يقيم في مراكز إيواء مؤقتة تفتقر إلى مقومات الحياة الكريمة، مشددا على أن هناك تضرر واسع في البنية التحتية بما يشمل شبكات الصرف الصحي وتصريف مياه الأمطار مع استمرار المخاطر الصحية والبيئية، وقدرة الجهات على الاستجابة الشاملة ضعيفة بسبب الحصار وإغلاق المعابر ومنع إدخال مواد الإيواء ما ينذر بتجدد المأساة.
وحصر الدفاع المدني بغزة، في 28 ديسمبر، ما نفذه من مهمات خلال يوم واحد، مشيرا إلى تنفيذ 49 مهمة، بينها انتشال خلال المنخفض الجوي شهيدين طفل وامرأة ارتقوا في انهيار جدار وغرق في بئر مياه، والتعامل مع شهيدين طفل 7 اعوام وامرأة 30 عاما بعد انهيار جدار وسقوط في بئر مياه، وكذلك التعامل مع عشرات الخيام التي غرقت بمياه الأمطار، والتعاون معهم في شفط تجمعات المياه وفتح مصارف ومجاري للمياه، وتم توزيع شوادر على المتضررين بمشاركة جمعيات خيرية.
وأشار إلى سحب طواقم الإنقاذ سيارة تابعة للهلال الاحمر علقت داخل بركة مياه، مؤكدا أن طواقمه مستمرة في حالة الجهوزية القصوى مع استمرار المنخفض الجوي، وتعمل على تكثيف نطاق خدماتها الإنسانية للمواطنين لاسيما النازحين في المخيمات ومراكز الإيواء لحماية الأرواح والممتلكات.
ومع انبلاج فجر عام جديد، لم يستيقظ أهل غزة على أمل طال انتظاره، بل على أصوات الخوف المتجدد، وارتجاف الخيام تحت وقع البرد والقصف معا، وكان يفترض أن يحمل العام الجديد هدنة ترمم ما تبقى من الأرواح، وأن يكون وقف إطلاق النار نافذة للنجاة، لكنه جاء مثقلا بالخذلان، بعدما واصلت إسرائيل خروقاتها، لتبقي غزة معلقة بين الحياة والموت.
في الأزقة الضيقة، وبين خيام بالكاد تصمد أمام الرياح، يعيش الفلسطينيون على إيقاع القلق، يترقبون لحظة انفجار جديدة أو غارة تبدد ما تبقى من أمن هش، بينما الأطفال الذين ناموا على أمل دفء مفقود، استيقظوا على برد يلسع أجسادهم، وأمهات يحاولن احتواء الرعب بقلوب أنهكها الانتظار، فهنا، لا يعني وقف إطلاق النار توقف المعاناة، بل يعني فقط هدنة مؤقتة للوجع، سرعان ما تكسر بانتهاك جديد.
غزة بين نار الاحتلال وغضب الطبيعة
ومع استمرار الخروقات الإسرائيلية، تتسع رقعة الألم، وتتآكل أحلام النجاة، ليجد أهل غزة أنفسهم في مواجهة شتاء قاس، وحصار خانق، وواقع لا يعترف بحقهم في الأمان، عام جديد بدأ، لكن غزة ما زالت عالقة في دائرة النار، تنتظر عدالة غائبة، وهدنة لا تكسر، وحياة لا تُقصف كل يوم.
ورصد المكتب الإعلامي الحكومى بغزة، خلال بيان صدر في 28 ديسمبر، كافة خروقات تل أبيب منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار، مؤكدا أن الاحتلال واصل خلال 80 يوما ارتكاب خروقات جسيمة ومنهجية للاتفاق، بما يشكل انتهاكا صريحا للقانون الدولي الإنساني، وتقويضا متعمدا لجوهر وقف إطلاق النار ولبنود البروتوكول الإنساني الملحق به.
كما رصد المكتب الإعلامي الحكومي 969 خرقا للاتفاق، تضمن 298 جريمة إطلاق نار مباشرة ضد المدنيين، و54 جريمة توغل للآليات العسكرية داخل المناطق السكنية، و455 جريمة قصف واستهداف لمواطنين عزل ومنازلهم، و162 جريمة نسف وتدمير لمنازل ومؤسسات وبنايات مدنية.
وأشار إلى أنه في الوقت الذي كانت الأمطار تجرف كل شيء في طريقها، لم يتوقف الاحتلال الإسرائيلي عن خروقات الأمن وعمليات القصف على مناطق مأهولة في مدينة عدن بالقطاع، لتزيد من مأساة المدنيين الذين وجدوا أنفسهم محاصرين بين عناصر الطبيعة الغاضبة وسوء الأمن والحصار المستمر، وباتت حياة الأطفال والنساء وكبار السن على المحك، وهم يحاولون النجاة وسط تجمعات المياه وغرق المنازل، فيما تعجز فرق الطوارئ عن الوصول إلى بعض المناطق المنكوبة بسبب الطرق المدمرة وانتشار الأوحال والفيضانات.
وبحسب المكتب الإعلامي الحكومي، أسفرت هذه الانتهاكات الممنهجة عن استشهاد 418 مواطناً، وإصابة 1141 آخرين، إلى جانب 45 حالة اعتقال غير قانوني نفذتها قوات الاحتلال ، لافتا إلى أن القطاع يواجه الموت البطيء، حيث واصلت إسرائيل تنصله من التزاماتها الواردة في الاتفاق وفي البروتوكول الإنساني، ولم تلتزم بالحد الأدنى من كميات المساعدات المتفق عليها، حيث لم يدخل إلى غزة خلال 80 يوما سوى 19,764 شاحنة من أصل 48,000 شاحنة يفترض إدخالها، بمتوسط يومي 253 شاحنة فقط من أصل 600 شاحنة مقررة يوميا، أي بنسبة التزام لا تتجاوز 42%، ما أدى إلى استمرار النقص الحاد في الغذاء والدواء والمياه والوقود، وتعميق مستوى الأزمة الإنسانية الكارثية.
خروقات إسرائيل ضد غزة منذ بدء اتفاق وقف إطلاق النار
ولفت إلى بلوغ شحنات الوقود الواردة إلى غزة خلال الفترة ذاتها 425 شاحنة فقط من أصل 4,000 شاحنة وقود يفترض دخولها، بمتوسط 5 شاحنات يوميا من أصل 50 شاحنة مخصصة وفق الاتفاق، أي بنسبة التزام حوالي 10%، وهو ما يبقي المستشفيات والمخابز ومحطات المياه والصرف الصحي في حالة شبه شلل، ويضاعف معاناة السكان المدنيين.
لا مأوى ولا أمان
وحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية العميقة وغير المسبوقة في القطاع، في ظل إصرار الاحتلال على إغلاق المعابر ومنع إدخال الخيام والبيوت المتنقلة والكرفانات ومواد الإيواء، في انتهاك صارخ لبنود الاتفاق وللقانون الدولي الإنساني، حيث أدت هذه السياسات التعسفية، بالتزامن مع المنخفضات الجوية التي تضرب غزة مع بداية دخول فصل الشتاء، إلى انهيار 49 منزلا ومبنى كانت متضررة ومقصوفة سابقا، ما أسفر عن استشهاد 20 مواطنا نتيجة المنخفضات الجوية، وانهيار البنايات السكنية فوق رؤوسهم حيث لجؤوا إليها بعد فقدانهم لمساكنهم الأصلية بسبب قصفها، في ظل غياب أي بدائل آمنة، كما توفى طفلين اثنين نتيجة البرد الشديد داخل خيام النازحين، في وقت خرجت فيه أكثر من 127,000 خيمة عن الخدمة، ولم تعد صالحة لتوفير الحد الأدنى من الحماية لما يزيد عن 1.5 مليون نازح.
يأتي ذلك مع دخول غزة فترة الأربعينية المعروفة ببرودتها القاسية القارسة، ما ينذر بوقوع وفيات جديدة في صفوف النازحين إذا استمر هذا الإهمال المتعمد، فيما لا يزال 3 مواطنين في عداد المفقودين تحت أنقاض مبان انهارت بفعل المنخفض الجوي وكانت قد تعرضت لقصف سابق من الاحتلال، في مشهد يجسد بوضوح حجم الكارثة الإنسانية وسياسة إسرائيل غير الإنسانية وحرمان المدنيين من أبسط مقومات الحياة.
وأكد المكتب الإعلامي الحكومي، أن استمرار هذه الخروقات والانتهاكات يعد التفافا خطيرا على وقف إطلاق النار، ومحاولة لفرض معادلة إنسانية تقوم على الإخضاع والتجويع والابتزاز، محملا الاحتلال المسؤولية الكاملة عن التدهور المستمر في الوضع الإنساني، وعن الأرواح التي أزهقت والممتلكات التي دمرت خلال فترة يفترض فيها أن يسود وقف كامل ومستدام لإطلاق النار.
تهديد حياة آلاف النازحين
ويؤكد علاء إسكافي، مدير مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان بغزة، أن المنخفضات الجوية تفاقم معاناة مئات الآلاف من النازحين وسط أوضاع إنسانية كارثية يواجهها النازحون في غزة، في ظل المنخفض الجوي الحالي، وما يصاحبه من أمطار غزيرة وانخفاض حاد في درجات الحرارة، في وقت يفتقر فيه مئات الآلاف من النازحين لأدنى مقومات الحماية والمأوى الآمن وسائل التدفئة والوقود.
ووفقًا لتقديرات الأمم المتحدة، فإن أكثر من 1.7 مليون شخص في قطاع غزة يعيشون حالة نزوح قسري، غالبيتهم يقيمون في خيام مهترئة أو مراكز إيواء مكتظة تفتقر للعزل من البرد والمطر، في ظل نقص حاد في الأغطية، الملابس الشتوية، ومواد التدفئة، وغرقت نحو 90% من مراكز إيواء النازحين الذين دمرت قوات الاحتلال منازلهم.
ويضيف، أن التقارير الميدانية تشير إلى أن أكثر من 60% من الخيام المتوفرة غير صالحة للاستخدام الآدمي ولا توفر حماية من مياه الأمطار أو الرياح الشديدة، فيما أدى المنخفض الجوي إلى غرق عشرات الخيام وتشريد عائلات بأكملها، معظمهم من النساء والأطفال وكبار السن، حيث يشكل الأطفال ما يقارب نصف عدد النازحين، ما يضاعف من المخاطر الصحية، لا سيما انتشار الأمراض والوبئة نتيجة اختلط مياه الامطار مع مياه الصرف الصحي، في ظل انهيار شبه كامل للمنظومة الصحية ونقص الأدوية والمستلزمات الطبية.
ويوضح أن استمرار هذه الأوضاع يشكل انتهاكا جسيمًا للقانون الدولي الإنساني، خاصة المادة 55 من اتفاقية جنيف الرابعة التي تلزم قوة الاحتلال بضمان توفير الغذاء والإمدادات الطبية للسكان المدنيين، والمادة 56 التي تؤكد مسؤولية الاحتلال عن الصحة العامة والنظافة في الأراضي المحتلة.
ويشير إلى أن المنخفض الجوي وفشل توفير المأوى الآمن للنازحين في غزة مع اشتداد المنخفض الجوي، تقصير واضح من المجتمع الدولي في حماية النازحين بالقطاع مع استمرار منع إدخال مستلزمات الإيواء، والمواد الشتوية، وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية، ويعرض حياة آلاف المدنيين للموت المباشر.
تضرر أكثر من 110 بناية سكنية
ويعود المتحدث باسم الدفاع المدني بغزة، للحديث عن تداعيات استمرار المنخفض الجوي مع العام الجديد، مؤكدا تضرر أكثر من 110 بناية سكنية لانهيارات جزئية خطيرة تشكل تهديدا مباشرا لحياة آلاف المواطنين القاطنين فيها أو بمحيطها، وغرق وتضرر خيام المواطنين في مختلف مناطق القطاع ما أدى إلى فقدان آلاف الأسر لمأواها المؤقت، وتسبب في تلف الملابس والأفرشة والأغطية وفاقم من معاناة إنسانية غير مسبوقة.
ويشير إلى أن الخيام أثبتت فشلها الكامل في غزة، إذ لم توفر الحماية من البرد ولا من الأمطار، ولم تعد صالحة كحل إنساني في ظل هذه الظروف القاسية، مطالبا بالبدء الفوري والعاجل بعملية إعادة الإعمار وتوفير مساكن آمنة تحفظ كرامة الإنسان الفلسطيني وتحمي حياته.
ويوضح أن المنخفضات الجوية أثرت سلبيا بشكل كبير للغاية على القطاع، وأثرت على المواطنين المتواجدين ، خاصة أننا نعيش في ظروف مأساوية وصعبة للغاية، وهناك مراكز إيواء بشكل كامل تضررت نتيجة هذه المنخفضات الجوية، متابعا :"خيام نازحين تضررت، واقتلعت بشكل كبير نتيجة قوة الرياح، ورصدنا 6 أطفال قد ماتوا نتيجة البرد القارس منذ بداية المنخفضات الجوية، وهذا المنخفض الأخير، حدث فيه حالتي وفاة لطفل صغير سقط في بئر مياه وامرأة سقط عليها جدار، واليوم يموت طفل صغير من البرد القارس".
ويتابع :" نحن نتحدث على مأساة وبشكل واضح، هذا المنخفض يتميز بقضية الرياح وشدة الرياح وسرعة الرياح التي أدت إلى اقتلاع آلاف الخيام، وهناك مراكز إيواء أيضاً تضررت بشكل كبير ودخلت عليها مياه الأمطار وغرقت، وتضررت أمتعة الناس وفراش الناس، ويعني مقدرات الناس بشكل واضح، وكافة الدلائل وكافة الأحداث تثبت أن الخيام لن تحمي المدنيين ولا المواطنين داخل غزة، بل أثبتت فشلها بشكل كبير وندعو العالم إلى ضرورة التحرك لأجل إدخال مواد البناء اللازمة لإعادة إعمار القطاع حتى يتمكن الناس من يعني البدء بتأهيل وإعادة بناء منازلهم التي تضررت بشكل جزئي، فهو مطلب إنساني بحت على المجتمع الدولي أن يدرك أن ما يجري هو أمر كارثي؛ على منظمات حقوق الإنسان، وعلى كل أحرار هذا العالم أن يضغطوا لأجل أن يسمح الاحتلال الإسرائيلي بأن تدخل هذه المقدرات وهذه المستلزمات إلى المواطنين داخل غزة".
ويقول إن المنظومة الخدماتية في القطاع قد تضررت بشكل كبير وتهالكت بشكل كبير، وما نقدمه إلى المواطنين الآن في القطاع هو شيء قليل للغاية لا يذكر مقارنة بحجم الاحتياج الموجود، والمواطن يعيش في ظروف قاهرة، ظروف صعبة، وغاية في التعقيد، وهذا يدفعنا إلى ضرورة دعوة العالم إلى ضرورة التحرك قبل فوات الأوان، فلا نريد أن نفقد أبناءنا من جراء البرد، أو أن نفقدهم من جراء الانهيارات، لا نريد أن نفقدهم من جراء القهر والضغط النفسي الذي يعيشه السكان الآن داخل القطاع".
وأعلن الدفاع المدني بغزة، خلال بيان له في 30 ديسمبر، ارتفاع عدد المواطنين الذين استشهدوا بفعل المنخفضات الجوية منذ بدء ديسمبر الجاري إلى 25 مواطنا، بينهم 6 أطفال استشهدوا بفعل البرد القارس.
وفي ذات اليوم أعلنت بلدية غزة، أنها تواجه صعوبات في التعامل مع المنخفض الجوي في ظل انعدام عمليات تصريف الأمطار جراء عدوان الاحتلال، في ظل عدم توفر كميات الوقود تعرقل استجابة للطواقم لنداءات الاستغاثة جراء الأمطار الغزيرة، مشيرة إلى أنها تعامل مع المنخفض بأدوات بدائية ونجدد المطالبة بضرورة إدخال البيوت المتنقلة ووسائل التدفئة.
حجم الدمار في بلديات غزة بسبب الحرب.. وحدة القياس نسبة مئوية
وفي ظل المنخفض الجوي العنيف الذي يضرب غزة، تتكشف يوما بعد يوم ملامح مأساة إنسانية متفاقمة يعيشها آلاف النازحين الذين وجدوا أنفسهم بلا مأوى يحميهم من قسوة الطقس، ومع اشتداد الرياح وتساقط الأمطار، تحولت الخيام المهترئة إلى عبء إضافي على العائلات المنهكة من ويلات الحرب، وسط غياب أدنى مقومات الأمان والحياة الكريمة.
ضحايا المنخفض الجوي بغزة حتى بداية العام الجديد
وتقول الصحفية الفلسطينية فاطمة أبو النادي إن معاناة سكان غزة تفاقمت بشكل غير مسبوق مع اشتداد المنخفض الجوي، موضحةً: "نحن نعاني كثيرًا، والوضع سيئ جدًا، فحتى أقوى أنواع الخيام في قطاع غزة لم تتحمل شدة الرياح ولا الزوابع العنيفة، ومع هذا المنخفض ازدادت الأوضاع قسوة، وأصبحت الحياة داخل الخيام شبه مستحيلة في ظل البرد والمطر وانعدام أبسط مقومات الصمود".
وتتحدث في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، عن تأثير المنخفض الجوي على خيمتها قائلة :"هذه خيمتي، قد يبدو لونها أبيض وكأنها سليمة، لكنها في الحقيقة غارقة بالماء، كانت مفروشة بالكامل، وجديدة لم يمض على نصبها سوى عشرة أو خمسة عشر يوما، ومفترض أن تكون مهيأة لمنع تسرب المطر، لكننا استيقظنا لنجد الفراش مغمورا بالمياه، والوسائد التي ننام عليها مبتلة بالكامل".

خيمة فاطمة أبو نادي
وتتابع :"لم أصدق في البداية كيف تسربت المياه، ثم اكتشفنا أن شدة المطر دفعتها من أسفل الشادر الأرضي، رغم وجود طبقة مخصصة لمنع تسرب المياه والرطوبة، وكل شيء ابتل، والفرش، الأغطية، وحتى الأرض، حاولنا إخراجها لتجف، لكن لا ماء لغسلها ولا شمس كافية لنشرها، فبقيت الخيمة على حالها، شاهدة على عجزنا أمام هذا البرد القاسي وظروف النزوح القاسية."
انخفاض سكان غزة وتنبؤات بسوء اقتصاد فلسطين في العام الجديد
وخلال تقرير للجهاز المركزي الفلسطيني للإحصاء صادر في 28 ديسمبر، أكد وصول عدد الفلسطينيين إلى 15 مليون نسمة، حتى منتصف العام الجاري، يعيش أكثر من نصفهم تقريبا خارج الأراضي الفلسطينية، موضحا أن الحرب الإسرائيلية على غزة، تسببت في انخفاض بنسبة نحو 10% لسكان غزة.
تقرير الجهاز المركزي الفلسطيني للإحصاء
وتوقعت الدكتورة علا عـوض، رئـيـسة الإحـصـاء الفلـسـطـيـنـي، استمرار سوء الأوضاع الاقتصادية مع العام الجديد دون وجود لأفق في حل كافة القضايا الحياتية في القطاع، ووفقا لهذا السيناريو، فإن الاقتصاد سيستمر في مواجهة قيود شديدة على الحركة التجارية والمعابر، بسبب الدمار الهائل الناتج عن العدوان الإسرائيلي، إلى جانب تعطل كبير في حركة العمالة الفلسطينية إلى إسرائيل.
كما توقعت استمرار العراقيل والحواجز التي يفرضها الاحتلال بين محافظات الضفة الغربية على حركة الأشخاص والبضائع الصادرة والواردة من وإلى فلسطين وبما يشمل تقييد دخول العاملين إلى إسرائيل والمستوطنات من حيث ايقاف العمل بالتصاريح الصادرة لتكن بالحد الادنى كما هي في العام 2025، واستمرار الاحتجاز الجائر وغير القانوني من قبل إسرائيل لمعظم أموال المقاصة، والذي سيؤثر سلبا ويحد من قدرة الحكومة للإيفاء بالتزاماتها تجاه موظفي القطاع الحكومي والموردين من القطاع الخاص.
تابع تقرير الجهاز المركزي الفلسطيني للإحصاء حول الاقتصاد في 2026
وأشارت إلى تراجع حجم إيرادات ضريبة الدخل والقيمة المضافة المحلية والمقاصة، نتيجة تسريح معظم العاملين الفلسطينيين في إسرائيل والمستوطنات وتراجع حجم النشاط الاقتصادي يؤدي إلى الدخول في حالة من الركود الاقتصادي، وثبات مستوى المساعدات الخارجية الداعمة لموازنة فلسطين مقارنة مع العام 2025 والموجهة لإغاثة المجتمع الفلسطيني.
البرد ينهش أجساد الأسرى وسط غياب تام لكافة وسائل التدفئة
الأمر لم يتوقف على أهالى القطاع فقط، بل إن المناخ الصعب وصل إلى الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال، حيث يؤكد مركز فلسطين لدراسات الأسرى أن المعتقلين الفلسطينيين يعانون أشد المعاناة فى ظل فصل الشتاء وينهش البرد وينخر أجسادهم الضعيفة وسط غياب تام لكل وسائل التدفئة وفى مقدمتها الملابس والأغطية الشتوية .
ويوضح مدير للمركز الباحث رياض الأشقر، أن الأسرى يعانون من انعدام توفر الملابس وليس من نقص الملابس كما يتردد في وسائل الاعلام حيث إن الاحتلال يمنع زيارات الأسرى منذ أكثر من عامين وبذلك حرم الأسرى مما كان يصلهم من ملابس وأغطية عن طريق الزيارات، كذلك منع المؤسسات المختصة من إيصال أى نوع من الملابس للمعتقلين.
ويضيف أن تلك الظروف تفاقم معاناة الأسرى وتتركهم فريسة للبرد ينهش أجسادهم وينخر عظامهم الضعيفة من الأساس بفعل ظروف الاعتقال القاسية والحرمان من الطعام وسياسة الإهمال الطبي، وتصل درجات الحرارة في سجون الجنوب التى تقع في صحراء النقب إلى الصفر في بعض الأحيان وهى تضم أكثر من نصف عدد المعتقلين في سجون الاحتلال.

معاناة الأسرى الفلسطينيين
ويشير إلى ان البرد يضاعف معاناة الأسرى المرضى والجرحى، حيث تحتاج أجسادهم إلى الدفئ للتعافي وهذا لا يتوفر في ظل الظروف الحالية ، بل إن الاحتلال يتعمد أن يترك شبابيك الغرف والزنازين مفتوحة دون إغلاق محكم بهدف زيادة تسلل الرياح الباردة لأماكن نوم المعتقلين لزيادة شعورهم بالبرد مما يؤدى الى تراجع اوضاعهم الصحية بشكل كبير .
ويتابع أنه نتيجة الاعتقالات المكثفة واكتظاظ السجون يضطر الكثير من الأسرى للنوم على الأرض باستخدام بطانية خفيفة لعدم وجوده أسرة لكافة المعتقلين داخل الغرف مع عدم توفر اغطيه كافية مما يسبب لهم الآلام في العظام وأمراض في المسالك بسبب الرطوبة والبرد .
ويصف الأشقر السجون أنها غير مهيأة من الأساس لاستقبال الشتاء وخاصة الأقسام التي لا زالت تبنى من الخيام وهى لا تقى برودة الطقس ولا تمنع دخول ماء المطر على اغراض الأسرى وتتلفها، لذلك تزداد معاناة المعتقلين في تلك الاقسام ولا يجدوا ما يدفئ أجسادهم وأطرافهم التى تتجمد من البرد مع حرمانهم من كل وسائل التدفئة بما فيها الماء الساخن والذى قطع عن الأسرى منذ أكثر من عامين .
ويحذر من خطورة حقيقة على حياة الأسرى وسلامتهم في ظل البرد القارص مع عدم توفر وسائل تدفئة بشكل نهائي داخل كافة السجون وعدم وجود الماء الساخن، وخاصة في الأيام التى تشهد منخفضات وتغيرات مناخية وقد تكررت خلال فصل الشتاء الحالى أكثر من مرة .
كما يطالب المؤسسات الحقوقية الدولية التدخل وإلزام الاحتلال بتطبيق القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف و إعادة برنامج الزيارات المغلق منذ أكثر من عامين، مما يسمح بإدخال الملابس والأغطية الشتوية للأسرى او السماح للمؤسسات الحقوقية والمختصة إدخال ملابس واغطيه للأسرى كما كان قبل السابع من اكتوبر.