يثير عنوان كتاب "الذاكرة: أو كيف تعيش إلى الأبد"، للفيلسوف البريطاني مارك رولاندز، الدهشة والاستغراب، حيث إن المؤلف يقدم تأملات فلسفية في طبيعة الذاكرة وكيفية تأثيرها على هويتنا، وعلى الرغم من العنوان الذي يوحي بتناول فكرة الخلود، إلا أن الكتاب لا يتعامل مع فكرة الحياة الأبدية بالمعنى التقليدي.
لذا يركز رولاندز مؤلف الكتاب، على كيفية تشكيل الذكريات لشخصياتنا وكيف أن الأحداث الماضية تظل حية داخلنا بطرق قد لا ندركها، ينطلق الكتاب من فرضية أن الذكريات هي التي تصنع شخصياتنا، وهي التي تحدد كيف نرى أنفسنا والعالم من حولنا، ولكن الذكريات قد تكون مشوهة أو غير دقيقة، من خلال حكاياته الشخصية وأمثلة فلسفية، وفقا لما ذكره موفع ديلى ميل البريطاني.
ويشرح رولاندز كيف أن ما نتذكره قد لا يكون بالضرورة ما حدث في الواقع، فمثلًا قد يبالغ الشخص في إعادة سرد حادثة ما ليظهر بمظهر أكثر شجاعة أو ذكاء مما كان عليه.
تتحدث بعض فصول الكتاب عن كيف أن الذكريات غالبًا ما تشكل "قصصًا" نرويها عن أنفسنا، هذه القصص قد تتغير بمرور الوقت بناءً على ما نريد أن نتذكره أو بناءً على ما يرويه لنا الآخرون.
رولاندز يشير إلى أن العديد من الذكريات التي نعتقد أنها ملك لنا قد تكون مجرد روايات وذكريات نقلها إلينا الأشخاص المقربون، مثل الوالدين، وهذا يثير تساؤلات حول "من يملك الذاكرة؟" وهل هي حقًا ملك للفرد الذي عاش التجربة أم هي ملك للمجموعة التي تشارك في بناء تلك الذكريات؟
الذاكرة وتوريثها عبر الأجيال
من المواضيع الرئيسية التي يعرضها الكتاب، هو فكرة أن الذكريات تظل حية عبر الأجيال، يؤكد رولاندز أن الذكريات لا تخلد الأشخاص فقط، بل تنتقل أيضًا للأبناء والأحفاد، فالأشياء التي نتذكرها عن أحبائنا الراحلين تظل معنا وتشكل جزءًا من هويتنا. هذه الذكريات تصبح نوعًا من "الإرث"، تظل حية في ذاكرة الأجيال القادمة.
هل يمكن للذاكرة أن تحقق الخلود؟
ورغم أن فكرة الخلود المستمر تبقى مستحيلة، إلا أن رولاندز يشير إلى أن الذكريات يمكن أن تخلد الأشخاص بعد رحيلهم، قد تكون هذه الفكرة غير قابلة للتحقق بشكل حرفي، لكنها تحمل قيمة عاطفية وفلسفية عميقة.
يختتم رولاندز الكتاب بتأكيده أن الذكريات تظل جزءًا من حياتنا حتى بعد رحيلنا، وهي تمنحنا نوعًا من الخلود الرمزي في ذاكرة الآخرين.

الذاكرة