مع اقتراب رحيل شهر "طوبة" ببرودته الساكنة وصقيعه الذي استوطن الأطراف في السابع من فبراير، تفتح الجغرافيا المصرية ذراعيها لاستقبال شهر "أمشير"، سادس شهور التقويم المصري القديم، والذي يبدأ في الثامن من فبراير ويمتد حتى التاسع من مارس.
ولا يعد أمشير مجرد ثلاثين يوماً في رزنامة الزمن، بل هو "الترمومتر" الحقيقي للتحول من انكسار الشتاء إلى بشائر الربيع، وهو ما لخصه الأجداد ببراعة في مثلهم الشهير: "أمشير يقول لطوبة: خدي مني عشرة وخلي العجوزة كركوبة".
ديناميكية العواصف وصراع الكتل الهوائية
يتصدر شهر أمشير المشهد المناخي بما يعرف شعبياً بـ "زعابيب أمشير"، هذه الظاهرة يفسرها خبراء الأرصاد فيزيائياً بأنها نتاج صراع محتدم بين بقايا الكتل الهوائية القطبية الباردة القادمة من الشمال، والكتل الهوائية الدافئة التي تبدأ في الزحف من المناطق المدارية والصحراوية جنوباً، و هذا التصادم الحراري يؤدي إلى هبوط حاد في الضغط الجوي، مما يولد رياحاً هابطة ونشطة تثير الرمال وتغير ملامح الرؤية.
ووصفت الذاكرة الشعبية هذا التقلب المفاجئ بقولها: "أمشير أبو الزعابيب يخلي العجوزة تشيب"، و "أمشير ياخد الهدوم ويطير".
ثورة باطن الأرض.. الدفء الذي يسكن العروق
و يشير خبراء الطقس إلى أنه بعيداً عن صخب الرياح السطحية، يشهد أمشير تحولاً فيزيائياً مذهلاً في باطن الأرض، فبعد أن وصلت التربة والمياه الجوفية إلى أقصى درجات البرودة في يناير، يبدأ "جوف الأرض" في تفريغ طاقته الحرارية المخزنة نحو الأعلى.
و هذه الظاهرة هي المسؤول الأول عن "دبيب الحياة" في عروق الطبيعة، حيث تبدأ الجذور النباتية في استعادة نشاطها والامتصاص مجدداً بعد سكون إجباري.
هذا التحول رصده الفلاح المصري بذكاء فطري في مثله القائل: "أمشير يخلي الزرع يسير"، وهو تعبير بليغ عن بدء تدفق النماء وتجدد حيوية الكائنات التي بدأت تشعر بدفء الأرض قبل دفء الجو.
تحديات الملاحة
لا تتوقف سطوة "أمشير" عند حدود اليابسة، بل تمتد لتفرض كلمتها العليا على سواحل مصر الممتدة، فمن الناحية الملاحية، يصنف هذا الشهر كواحد من أكثر الفترات حرجاً لحركة السفن والصيد في البحرين المتوسط والأحمر.
ويؤدي نشاط الرياح الجنوبية الغربية إلى اضطراب بحري يرفع منسوب الأمواج لمستويات تتجاوز أحياناً 5 أمتار.
وفي الموانئ الرئيسية كالإسكندرية ودمياط، غالباً ما تضطر الإدارات لقرارات "الإغلاق المؤقت" نظراً لأن سرعة الرياح التي قد تتجاوز 30 عقدة تجعل من دخول السفن العملاقة مخاطرة كبيرة، كما تؤثر العواصف على "مدى الرؤية الأفقية" في ممر قناة السويس الملاحي.
الإرث التاريخي وفلسفة "العشرات" الثلاث
تاريخياً، تعود تسمية الشهر إلى "مخير"، رمز إله العواصف لدى المصريين القدماء. وقد قسّم الأجداد أيام هذا الشهر إلى ثلاث فترات تعكس دقة الملاحظة الجوية، عشرة الغنم وهى الأيام الأولى التي يبدأ فيها الدفء النسبي يتسلل، و عشرة الماعز التي تمتاز بالتقلبات الحادة والرياح المفاجئة التي ترهق الكائنات الحساسة، و عشرة الحصاد وهى الأيام الأخيرة التي يهدأ فيها الجو، وفيها قيل استبشاراً: "أمشير يروح ويجي بالخير".
أمشير في عصر التغير المناخي
في السنوات الأخيرة، بدأت ملامح أمشير التقليدية تشهد تحولاً نتيجة الاحتباس الحرارى، حيث يلاحظ الخبراء تزايد حدة "التذبذب الحراري" بشكل غير مسبوق فقد يسجل الشهر درجات حرارة ربيعية في الظهيرة تليها انخفاضات حادة تقترب من الصفر ليلًا، وهو ما يجسد المثل الشعبي: "أمشير حاله زي حال العيل الصغير"، في إشارة لسرعة تقلب حاله و هذا السلوك يفرض تحديات جديدة على قطاعات الزراعة والصحة العامة، مما يجعله شهراً يتطلب أقصى درجات الحيطة والاستعداد.
من الزير إلى التبشير
يظل أمشير، رغم إزعاجه بما يحمله من غبار، هو الشهر الذي يكسر قيد الشتاء الطويل ففيه تزداد ساعات السطوع الشمسي وتطول ساعات النهار، مما يمنح الغلاف الجوي فرصة لإعادة شحن طاقته، إنه شهر "الحركة والولادة الجديدة"، الذي يؤكد فيه المناخ المصري أن الحياة تولد دائماً من رحم العواصف.
وكما يقول المثل الختامي: "إن هل أمشير ارمي الزير واستعد للخير"، معلناً نهاية زمن السكون وبداية الانطلاق في الحقول والمدن على حد سواء.