صدر حديثا ضمن إصدارت معرض القاهرة الدولي للكتاب كتاب «الله في مكة.. رحلة روحانية بين ظاهرية الإسلام وجاهلية الشعائر» للكاتب والصحفي والباحث السياسي السيد الحرانى، عن دار كنوز للنشر والتوزيع، في 350 صفحة من الحجم المتوسط كأحد أكثر الإصدارات إثارة للاهتمام والنقاش داخل أروقة المعرض، لما يحمله من طرح غير تقليدي لأسئلة الإيمان والعبادة، ولما يقدمه من قراءة عميقة في العلاقة بين المقدس والإنساني، وبين الطقس والجوهر.
الكتاب لا ينتمي إلى نمط الكتب الدينية الإرشادية، ولا إلى أدب الرحلات بالمعنى السياحي، بل يقدم نفسه كرحلة داخلية، بدأت من عمرة بدت في ظاهرها عابرة، لكنها تحولت إلى تجربة وجودية هزت يقينيات الكاتب، وأعادت ترتيب علاقته بالشعائر وبالصورة الذهنية عن الله، ومنذ الصفحات الأولى، يضع القارئ أمام سؤال مركزي: هل نعبد الله حق العبادة، أم نعبد صورة لما نتخيل أنه الله؟
ظاهرية الإسلام وجاهلية الشعائر
العنوان الفرعي للكتاب «ظاهرية الاسلام وجاهلية الشعائر» يشكل مفتاحا أساسيا لفهم مشروع الكتاب، وهو كما يوضح المؤلف في تصريحات خاصة، استدعاء واع لجملة شهيرة قالها الفاروق عمر بن الخطاب، عندما انتقده بعض مشيريه في غلظته على أهل مكة، وعاتبوه على قراره بمنع خروج كبار الصحابة منها إلا بإذن منه، فبرر موقفه قائلا إن بعض أهل مكة لديهم إسلام ظاهرى وجاهلية مبطنة.
ويؤكد السيد الحراني أن استدعاء هذه العبارة لم يكن بقصد الإدانة أو التشكيك في الإيمان، بل بقصد الفهم والتحليل، موضحا أن عمر بن الخطاب كان يخشى من التدين الشكلي حين ينفصل عن جوهر الأخلاق والمسئولية، وهو ما رآه الكاتب ماثلا أمامه في كثير من مشاهد التدين المعاصر داخل الحرم.
ويقول الحراني: "الخطر الحقيقي ليس في ترك الشعائر، بل في تفريغها من معناها، حين تتحول العبادة إلى عادة، والدين إلى شكل بلا روح".
مكة بين الزحام والغياب
ينطلق الكتاب من مشاهد الطواف والسعي، حيث يرصد الكاتب التناقض الصارخ بين كثافة الزحام الجسدي، وندرة الحضور القلبي، آلاف الأجساد تتحرك في انسجام مهيب، بينما تغيب القلوب في كثير من الأحيان، منشغلة بالتصوير أو التفاخر أو السباق على القرب الشكلي من الحجر.
ويكتب الحراني: "في الطواف لم أكن أرى الحجر بقدر ما كنت أرى البشر، كنت أراقب الوجوه، وأسأل نفسي: هل نحن هنا لنقترب من الله، أم لنقنع أنفسنا أننا فعلنا ما يجب فعله؟"، هذه الأسئلة لا تطرح من موقع الواعظ أو القاضي، بل من موقع الإنسان المنخرط في التجربة، الباحث عن معنى صادق وسط الضجيج.
قدسية المكان وصراع السلطة
في واحد من اكثر فصول الكتاب جرأة وعمقا، يعيد الكاتب قراءة تاريخ مكة والكعبة، متوقفا عند محطات مؤلمة تكشف ان قدسية المكان لم تكن دائما حاجزا امام العنف او الصراع السياسي.
ويتناول الكتاب حادثة ضرب الكعبة بالمنجنيق في عهد الحجاج بن يوسف الثقفي، الذي لقب من شدة غلظته وبطشه بسفاح بني أمية، حين لم تمنعه قدسية الحرم المكي من قصفه اثناء صراعه مع عبد الله بن الزبير.
ويرى الحراني ان هذه الواقعة تمثل لحظة كاشفة، تؤكد ان المشكلة لم تكن في المكان، بل في النفوس، وان القداسة وحدها لا تحمي اذا غاب العدل، وتحولت السلطة الى غاية تبرر كل شيء، حتى انتهاك اقدس المقدسات.
ويربط الكاتب بين هذه الحادثة، وبين مفهوم جاهلية الشعائر، حيث يمكن استخدام الدين كغطاء، بينما تنتهك قيمه في العمق.
إعادة قراءة على هامش السيرة والفتنة الكبرى
لا يكتفي الكتاب بالسرد التاريخي التقليدي، بل يقدم اعادة قراءة نقدية لبعض المحطات المفصلية في التاريخ الإسلامي، مستدعيا أعمالا فكرية مثل «على هامش السيرة» لطه حسين، وملف الفتنة الكبرى، والصراع بين علي بن ابي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، بوصفها لحظات كشفت تداخل المقدس بالانساني، والديني بالسياسي.
ويرى الحراني ان الفتنة الكبرى لم تكن خلافا عقديا، بل صراعا على السلطة والتأويل، وأن إعادة قراءة هذه اللحظات من داخل مكة تمنحها بعدا مختلفا، حيث يفرض المكان اسئلته الثقيلة على الذاكرة والتاريخ.
من مكة إلى المدينة
تمتد الرحلة بعد ذلك إلى المدينة المنورة، حيث تتغير نبرة الكتاب من القلق والمواجهة، الى السكينة والمصالحة. عند قبر النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ومقامات أهل البيت والصحابة، يشعر الكاتب بأن الإيمان يستعيد بعده الإنساني، ويتحول من رهبة مجردة الى رحمة وعدل وسكينة.
ويؤكد الحراني أن المدينة تمثل الامتداد الأخلاقي لمكة، حيث تتحول الشعائر الى سلوك يومي، والعبادة إلى مسئولية انسانية قبل أن تكون طقسا.
البعد الإنساني والعائلي
يمنح الكتاب مساحة مؤثرة للبعد الانساني، من خلال حضور أسرة الكاتب في الرحلة، حيث تتحول العمرة بوجود زوجته ولاء والطفلة لارا والابن محمد الى تجربة تربوية ووجدانية، تطرح سؤال الايمان الذي نريد ان نورثه لاطفالنا، لا بوصفه اوامر محفوظة، بل تجربة حية قائمة على المعنى والصدق.
كتاب يفتح الاسئلة ولا يغلقها
يقع كتاب «الله في مكة» في اكثر من اربعين فصلا، ويمزج بين ادب الرحلات، والتاريخ، والتأملات الفكرية، بلغة ادبية هادئة تخلو من الوعظ والمباشرة. وهو لا يقدم اجابات جاهزة، بل يفتح الاسئلة، ويترك القارئ في مواجهة ذاته، داعيا اياه الى اعادة النظر في علاقته بالشعائر وبالايمان نفسه.
ويشارك الكتاب ضمن جناح دار كنوز للنشر والتوزيع في معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026، صالة 1 جناح C2، في الفترة من 21 يناير حتى 3 فبراير، وسط اهتمام ملحوظ من القراء والمهتمين بالفكر الديني المعاصر.
ويختتم السيد الحراني الكتاب بتأكيد دال: "الله في كل مكان، وفي مكة له بيت وعنوان، لكن الخطر أن نقف أمامه بالشكل، ونغيب عنه بالروح".
جدير بالذكر أن السيد الحراني كاتب صحفي وباحث سياسي وروائي مصري، تخرج في كلية الاعلام بجامعة القاهرة، عمل في عدد من المؤسسات الصحفية المصرية، من بينها اخبار اليوم، الاهرام، المصري اليوم، الوطن، مصراوي، الفجر، والبوابة وعضو سابق في لجنة الاعلام بالمجلس القومي للمرأة، وعضو حالي بالجمعية المصرية للدراسات التاريخية ونقابة الصحفيين ونقابة اتحاد الكتاب ونقابة السادة الأشراف.
كتب مذكرات عدد من الشخصيات البارزة في الفكر والسياسة والفن، من بينهم الدكتور مصطفى محمود، الدكتور سعد الدين ابراهيم، الدكتور رفعت السعيد، المفكر جمال البنا، رجل الاعمال احمد الريان، الفنانة ماجدة الصباحي، الفنانة فاتن حمامة، والفنان نور الشريف. وقدم برنامجا تلفزيونيا بعنوان «مسافر بين الشك واليقين»، وله عدد من المؤلفات الفكرية والروائية، من بينها روايات «مارد»، «قضية الكوراني»، وكتب «الجماعات الاسلامية من تاني»، «الفيلسوف المشاغب»، «الوثائق المجهولة للاخوان المسلمين»، «ملعون ابو الواقع»، «فلسفة الموت»، و«الاخوان القطبيون».