تواجه الساحة الإعلامية موجة تتزايد بسرعة فائقة، وتتمثل في قيام مجموعة من ضباط الشرطة الذين سبق لهم العمل بالعديد من المجالات الأمنية باعتلاء منصات التواصل الاجتماعي وبعض القنوات التليفزيونية، يقصون حكاياتهم مع جرائم القتل والمخدرات والآداب وغيرها، مستغلين شغف العامة، والذين تجتذبهم أخبار عالم الجريمة وأبطاله من أمثال أحمد سنجا، وسعد تذكره، وعماد شمّه، وحنفي أبوليّه، وهاني خنوفة، وطلعت خلقة ربنا، ... ليظل (الراوي) يسبح في نسج خيالاته لتحويل الواقعة الأمنية إلى مشاهد درامية مؤكداً على محورية ذاته بكل واقعة، باعتباره المالك للعقدة والحل، متجاهلاً في كثير من الأحيان أن ينسب الفضل لأهله، ومتلفحاً بسذاجة الطرح وتعبيرات الدهشة المستعارة.
ويمكن أن تمر مثل هذه الحكايات دون تعليق إذا صدرت من قاصٍ أو كاتب سيناريو، إلا أن خطورتها تأتي من كونها صادرة عن أشخاص كانوا في سدة صنع القرار الأمني، مما يلقي في روع المتلقي أنها معبرة عن موقف المؤسسة.
وتنص المادة 42 من القانون 109 لسنة 1971 الخاص بهيئة الشرطة في فقرتها الأولى على: "يُحظر على الضابط:1- أن يُفضي بغير إذن كتابي من وزير الداخلية بمعلومات أو إيضاحات عن المسائل السرية بطبيعتها أو بمقتضى تعليمات كتابية صادرة عن الجهة المختصة، أو يفشي المعلومات الخاصة بالوقائع التي تتصل بعلمه بحكم عمله، أو ينشر الوثائق أو المستندات أو صورها المتعلقة بنشاط هيئة الشرطة أو أساليب عملها في مجال المحافظة على سلامة وأمن الدولة، ويستمر هذا الالتزام قائماً بعد انتهاء الخدمة...."
وقد أجزلت المادة المنع باستخدامها عبارة (المسائل السرية بطبيعتها) وهي تشمل جل الأعمال الشرطية وتشابه كثيراً التعبير العامي "سر الصنعة"... هذا السر الذي يصونه طهاة المطاعم فيكتمون كيفية إعداد النكهات المميزة حتى بعد أن يتركوا أماكن أعمالهم.
ومع توافر حسن الظن بالسادة (الرواة) والتسليم بطيب نواياهم، فإن هذه الممارسات دون الحصول على الإذن الكتابي الذي أوجبه القانون، تؤدي إلى ما يجب علينا أن نحذر منه... على النحو التالي:
أولاً: تفضي بعض الحكايات إلى فتح الطريق للطعن بالطرق غير العادية على الأحكام النهائية البآتة، بالتماس إعادة النظر لظهور أدلة جديدة، لاسيما وأن هذه الأدلة مأخوذة من ضابط الواقعة نفسه.
ثانياً: تقدم هذه المقاطع دليلاِ استرشاديا (للمقبلين على الجريمة) حول كيفية التعامل مع الجهات الشرطية بإعلامهم بالحيل الوظيفية وتعريفهم بما يقلق الجهات الأمنية، ومشاعر الضباط القائمين بالضبط وتخوفاتهم وحقيقة قوامهم وخططهم واستراتيجيتهم للخروج المأمول من الأزمة.
ثالثاً: التطرق إلى الحديث عن علاقات أشخاص أو عائلات بالجريمة على نحوٍ يؤذيهم ويلصق الصفات الإجرامية بهم أو بأسلافهم، هؤلاء الذين من حقهم على المجتمع نسيانها، كما يتم التطرق حتى لو تلميحاً عن أعراض جديرٌ بها أن تصان وعن أسرارٍ حريٌّ بها أن تحفظ.
رابعاً: تحوي بعض المقاطع اعترافات من (الراوي) تشكل إن صحت جرائم جنائية، والتي تكشف عن ممارسة الضغوط لاستنطاق المتهم أو إطالة أمد احتجازه وهي جرائم تتعلق بالحريات ولا تسقط بالتقادم.
خامساً: استدعاء الذكريات بشأن بعض مخاصمات ثأرية راكدة على نحو يمس قروحاً وينكأ جروحا لدي أطراف المخاصمات مما ينذر بتجددها.
سادساً: تتضمن بعض المقاطع إبلاغاً عن أفعال مادية تشكل جرائم جنائية، كأن يتحدث (الراوي) عن واقعة عاصرها لأحد الضباط الكبار... وهو يستوقف رجلاً ذا هيئة مهيبة ويقوم بتفتيشه وتوجيه الإهانة إليه، رغم عدم توفر مبررات التفتيش ولا مسوغاته وهي أيضاً من الجرائم التي لا تسقط بالتقادم.
سابعاً: الإفصاح عن سلوكيات مخالفة للقانون وضارة بالمجتمع، حين يقر (الراوي) أن لا يحرر محضراً بالمخدرات المضبوطة ذات الكمية الصغيرة... هذا السلوك وإن كان عملياً قد أُقتُرف في حدود ضيقة لاعتبارات الملاءمة الإنسانية، فإنه يبقى مخالفاً للقانون، ولا ينبغي بأي حالٍ أن يُصدّر إلى الناس باعتباره قاعدة يحتجون بها كحق مكتسب لهم، بما يقلل لديهم من بواعث الردع الخاص.
ثامناً: الوقوع في أخطاء قانونية فجة مثل القول بأن المادة 48 من قانون المخدرات -والمتعلقة بإرشاد المتهم- تهدي له البراءة، وذلك يخالف صحيح القانون، إذ أن غاية ما تقدمه المادة للمستفيد منها إذا تحققت شروطها هو إيقاف العقوبة فقط.
تاسعاً: المساهمة بشكل مباشر في صناعة البطل الإجرامي من خلال الحكي الإيجابي عن مسجلين ومطاريد يجابهون الدولة بجرأة... وتحسب لهم الشرطة ألف حساب.. بما يثير إعجاباً خفياً تجاههم من كثير من الفئات الذين يستدعون الشخصيات الدرامية الشهيرة في هذا السياق.
عاشراً: الإشارة إلى تقسيم جغرافي للجريمة بالحديث عن بعض المناطق باعتبارها أوكاراً للعنف والخروج على القانون مما أدى إلى انقسام أهلها بين رافض يستنكر ومفاخر يحاول إعادة (مجده) الإجرامي.
هذه بعض النقاط التي ينبغي على السادة (الرواة) مراعاتها، والتي تنال رفض الغيورين على مهنية الجهاز الشرطي وسرية خطط أدائه، هؤلاء الذين عملوا ويعملون أزماناً مديدة في صمت وخشوع...