تنبض الصور بالحياة، وتضج المنطقة الوديعة الهادئة دوما بصخب جميل. وصارت حوائط مواقع التواصل الاجتماعى معرضا مفتوحا، وليست المعاينة كالخبر. وعندما ذهبت ورأيت ومشيت بين المشائين تضاعفت البهجة، ولا يملك أى محب للثقافة من بعيد إلا أن يبتهج ويغتبط بتلك الجموع الحاشدة. إنها آية حيوية ونباهة، وعلامة على أن جزءا جميلا فينا لم تمسخه الأيام والظروف، وأن مهمة بناء الإنسان ميسورة وفى المتناول، ولا حاجة للبدء فيها من نقطة الصفر.
أتحدث عن معرض الكتاب، وما فيه من مشاهد تبعث شعورا غامرا بالدفء، وتحض على التفاؤل بهذا البلد وأجياله الطالعة من محن واختبارات عدة، وقد شهدت فى سنواتها الأخيرة ما لم يمر على غيرها بتلك الكثافة والتتابع، وما كان يكفى للمساس بروحها لدرجة يصعب التداوى بعدها؛ بل إن أقل منه أصاب دولا قريبة وبعيدة فبدّل طبائعها أو أوردها موارد التهلكة. ثورة هائجة، فهجمة رجعية، فموجة تصحيح تلتها حرب إرهابية شعواء، وتلازم كل ذلك مع تحديات أمنية واقتصادية، وضغوط ثقيلة على الفرد والمجتمع والكيان الاعتبارى الناظم لهما، وكلها كانت كفيلة بإشاعة جو من اليأس وانعدام الأمل، وأشد ما يتجلى فيه ذلك الانعزال وانغلاق الناس على ذواتهم، والبعد عن كل تفاعل خلاق، أو تقاطع مع الآخرين فى المجال العام.
ورمزية المعرض فى سياق كهذا، تتخطى طبيعته البسيطة كسوق للكتاب، أو محفل يتداول فيه أهل الثقافة أفكارهم ومنتوجهم مع محبيها ومتلقيها. وكأنه يتحول إلى طقس احتفالى بالفكرة الإنسانية المجردة، لا مضمونها القيمى وحمولاتها المعرفية فحسب.
صورة مصغرة عن الجمعية العمومية لمصر، يطمئن فيها الجميع بالجوار الآمن، ويُقدمون بالتجربة العملية تصورهم عن العلاقة التى يحبون أن تجمعهم بسواهم. إذ الآلاف تحت عنوان واحد؛ لكنهم فيما يعشقون ويمارسون مذاهب، يشترون ويقرأون ويتناقشون ويُصلّون، أو لا يفعلون أيا من هذا ويكتفون بالفرجة والفسحة الخالية من المنغصات.
مساحة حرة كما تُبشّر بها الكتب والأفكار الطوباوية، أول الحقوق فيها وأعلاها قيمة أنه يحق لك الاختلاف؛ ولو فى مكان وحدث يُفترَض فيهما التشابه بين الحضور بالبداهة.
لا أذكر بداية علاقتى بمعرض الكتاب، غير أنها على الأرجح، وإن لم تخُنّى الذاكرة، كانت فى إحدى الدورات الأخيرة من عقد التسعينيات. مراهق ريفى يختبر حالة جديدة عليه تماما، ربما تعرّف عليها قبل ذلك من الصحافة والتغطية التليفزيونية العابرة، لكنه يدخل فى أجوائها بكل حواسه ومشاعره، ويعيد النظر لفعل القراءة من منظور آخر، وأعمق من علاقة الحبر بالورق، ومن الخلوة الضرورية للائتناس بالكُتاب فى غيابهم.
قراءة تبدأ من بوابات أرض المعارض فى مدينة نصر، والتفرس فى الوجوه، ومُعاينة أصحاب الكتب يتحركون فى القاعات وممراتها، كما تحركت شخصياتهم وأفكارهم فى الخيال، ومجالسة بعضهم فى المقهى الثقافى؛ ولو بمجاورة غير مباشرة، ضاقت الفراغات فيها سنة بعد أخرى، حتى التحمت الطاولات ببعضها.
ذاكرة طويلة توشك اليوم أن تغلق عقدها الثالث. ما يعنى أننى ربيب الحالة الكرنفالية للمعرض لنحو نصف عمرها تقريبا، وما فاتنى منها أكثر. ذلك أننى قرأت عن بداياته ولم أشهدها، وعرفت مقرّه الأول بعدما صار دارا للأوبرا، ولم أشهده خياما ورفوفا وأماكن التقاء وندوات. غير أن ما أقف عليه بعد كل تلك السنوات يوفر معرفة كافية لاقتفاء الأثر، والحكم على الفاعلية والمردود، بما يشتمل عليه من محاسن تستوجب التعداد والإشادة والتثمير، وما قد يخالطه من مآخذ تستدعى الرصد والفحص والتدقيق، كمقدمة لتلافيها ثم إضافتها إلى حساب المزايا لا الأعباء.
سجلت النسخة السادسة والخمسون، فى العام الماضى، رقما قياسيا فى تعداد الزوار. زهاء خمسة ملايين ونصف المليون، وحصيلة الأيام الأربعة الأولى من الدورة الحالية تُبشر بأنها قد تزيد عن سابقتها برقم ملموس، يقع فى خانة عشرات الآلاف أو مئاتها. وأتصور بقدر من التقريب البسيط، أنها قد تلامس حد الملايين الستة، أو تتعداه بقليل، وبافتراض هامش لتكرار الزيارات فى حدود 10 بالمائة مثلا، رغم أن دائمى التردد من أهل الثقافة والصحافة لا يتجاوزون عدة آلاف؛ فالخلاصة قد تُفضى فى حصيلتها النهائية لنحو خمسة ملايين زائر، أفراد وعائلات، ومن كل الأقاليم والفئات العمرية والاجتماعية.
مبيعات المعرض فى ازدياد بالتأكيد، وتلك مهمته الكبرى وأبرز أدواره بالأساس. غير أنه فى سياق تتراجع فيه الحالة القرائية، وتضغط الظروف الاقتصادية على ميزانيات الأُسر وقدراتها الشرائية، ينبغى عليه أن ينشغل بما وراء التسويق بدرجة عنايته بتنشيط صناعة النشر، ذلك أن اجتذاب القارئ مسألة أسهل بالتأكيد من صناعته، والكتاب طريق واحد للمعرفة من طرق شتّى.
المعرض حيوى للكتاب والناشرين؛ لكن وهجه الأكبر لدى الجمهور العريض ممن يمنحونه حالة الحيوية والزخم والذيوع، وإذا كان الشراة مهمين بالضرورة؛ فالذين لا يشترون ليسوا أقل أهمية، بل ربما تتوجب العناية بهم قبل غيرهم. لأن طالب الكتاب يعرف وجهته فى الموسم وخارجه، وفائدته مضمونة، أما العابرون للتنزه أو الاطلاع والمعايشة فأهداف شاردة، بعيدون نسبيا عن الثقافة؛ لكن لديهم ما يمكن الرهان عليه؛ وإلا كانوا حددوا لفسحتهم مكانا آخر غير الفعالية التى ينظر لها ملايين غيرهم باعتبارها نخبوية وخارج الاهتمام والأولويات.
وعلى طول علاقتى بالمعرض، أعاين أنه يتقدم فى مهمة السوق ولا تُلازمه وظيفة المنشط الثقافى بالوتيرة نفسها. سنة بعد أخرى يزداد الناشرون والعارضون، وتتوالى العناوين بالمئات، وتتضاعف أعداد الزوار من كل صنف وخلفية، فيما يتضاءل محور الفعاليات فى الكيف، ولو أضاف إلى عداد الكم.
ويدل على ذلك غياب الأسماء الكبرى محليا وعربيا، وانحسار الاهتمام بالندوات ومحتواها فى الحضور والمواكبة الإعلامية، وخفوت العناوين والمضامين، فضلا على تكرار بعض الأسماء بالمحتوى نفسه من دورة لأخرى، وحتى فى الدورة الواحدة، واستشعار أن انتقاء الضيوف والكتب المطروحة للنقاش تحكمه اعتبارات وظيفية فوق فنية، سواء بالانحياز لأشخاص أو إصدارات دور بعينها، أو لرغبة بيروقراطية فى استكمال المهام المطلوبة بأقل جهد ممكن، ودون عناء التنقيب والتقييم وحسن الاختيار.
لو أن كل زائر اقتنى نسخة واحدة؛ فالمفترض أن يكون المعرض فى 2025 قد باع فوق خمسة ملايين كتاب على أقل تقدير. وأحسب أنه أصاب رقما أقل، وفى مقابل آلاف يشترون عشرات أو مئات العناوين، فإن أضعافهم يذهبون ويعودون بحلاوة الخروجة، ويرتضون من الغنيمة بالإياب، كما قال امرؤ القيس قديما عن التطواف لأجل التطواف.
وفيما كان مأزق الثقافة دوما، وفى فعالياتها الرسمية والأهلية، أنها غالبا ما تكون بعيدة عن الجمهور، والدعاية مكلفة، وحافز اجتذاب الناس للنزول من بيوتهم والذهاب إلى موقع الحدث قليل؛ فإن المعرض يحل تلك المعضلة عمليا، ويضع الأنشطة على فوهة بئر لا أول لها ولا آخر، وهنا لا يُعذَر المُنتج فى غياب المستهلك، ولا يُلام الأخير على غيبته، إذ لو وجد ضالته فى المعروض، لما تكاسل عن صعود بضع درجات للحضور، والمفارقة أن سلالم مركز مصر للمعارض كهربائية ولا تُرهق الطالعين.
شهدت أحداثا لامعة ضمن برنامج معرض الكتاب، وسمعت عن أخرى كانت أشد توهجا وجذبا للآلاف، وقتما كان الزوار لا يصلون إلى عتبة المليون. ندوة فرج فودة الشهيرة التى امتلأت قاعتها وفاض الناس، وأمسيات شعرية للأبنودى امتدت الطوابير فيها عشرات الأمتار. محمود درويش وأدونيس وإبراهيم الكونى وواسينى الأعرج ونور الشريف وعزت العلايلى وقائمة من كل المجالات والأجيال يصعب حصرها.
صحيح أن الأمر قد يعود فى أحد جوانبه إلى حال النخبة الحالية، إنما ما لا يُدرَك بالهالة الشخصية قد تعوضه القضايا الكبرى والمضامين الجادة التى تستجيب لحال الناس وتعالج شواغلهم، والرهان على التشابكات بين الثقافة والمجال العام، ومساحات التقاطع بين الكتب وبقية صنوف المحتوى ووسائط العرض، بحيث يكون لنجوم الفن والإعلام والرياضة والسياسة مكان على أجندة الندوات، ولا يُحبَس الشق التفاعلى شديد الأهمية فى عليائه البعيدة، بينما قد يحدث الاصطياد برمية عارضة للشباك.
الدورات السابقة فى الموقع الحالى شهدت أنشطة وحفلات فى الساحات، لم تعد قائمة بالكيفية ذاتها فى النسخة الحالية. التعرض للثقافة بعفوية قد يخلق الاعتياد، وما يصح فى المناهج والمدارس ومراكز الشباب والبرامج التليفزيونية وصفحات الصحف المتخصصة، أجدر بأن يُراعى فى بيئة ثقافية بطبعها مثل معرض الكتاب. فيكون عرض فيلم على شاشة أمام القاعة مقدمة لأن يدخل المتفرج لرؤية صناعه ومناقشتهم، ومادة أرشيفية من إرث التليفزيون قد تستحث رغبة التعرف على كتاب وكاتبه، والفنون فى المشاع كلها فوائد، ولا تمس وقار المكان وهيبته، أو تجرح صورته التى يتقدم فيها الجوهر على المظهر بالتأكيد.
أمسيات شعرية عديدة على امتداد الأسبوعين، يحتشد فيها مئات الشعراء دون متسع لأن يعبروا عن أنفسهم، أو تفرد يغرى العابرين بالاقتراب والمطالعة. كُتب يقترحها موظفون، ويختار أصحابها من يناقشونهم، والصداقة والعلاقات الشخصية وثقل الناشرين كلها عناصر غير غائبة عن معايير الاختيار.
يحق لشعراء الأقاليم أن يكونوا ممثلين قطعا، إنما لا معنى لتكرار الزحام نفسه فى كل سنة، والاستماع إلى القصائد ذاتها دون ملل أو انقطاع، والإقليمية الجغرافية تنسحب على المجهولية وخفّة المشاريع ولو كانت من المركز.
الدراما صارت خبزا يوميا على موائد الجمهور، وفيها كتابة وتشكيل وموسيقى وجمال بهى، وتليق بأن تكون ضيفا يُعرف الناس بتفاصيل الصناعة وخفاياها، ويجتذبهم للمرور من باب الفن العريض إلى أبواب أخرى، قد تكون أضيق، لكنها شديدة الأهمية والمركزية فى التثقيف وصناعة الوعى.
يُرتب المعرض فى جانبه الأكبر على ذوق القراء/ الجمهور، بقاعات فسيحة منظمة، وعناوين فيها كل ما تشتهى العقول والأنفس، وعروض وخصومات وحفلات توقيع. كل التفاصيل على مقاس الزبون وتفضيلاته وما يمكن أن يغريه ويستجلبه للشراء، غير أن البرنامج الثقافى يُصاغ على هوى صاحب البضاعة/ الكتاب والشعراء، ولا يُوضع المتلقى فى الاعتبار بالصورة الواجبة، وإلا ما كان انصرف عن فعل يخاطبه بالدرجة الأولى، وبقى الشعراء يُسمعون بعضهم والمناقشون يتفقون ويختلفون فى دائرتهم الضيقة.
والملاحظة هنا ليست من باب التعريض، ولا لتسجيل أهداف سهلة، إنما من منطلق أن المعرض حدث كبير وبالغ الأهمية، تتوافر له ظروف النجاح الشامل وعلى كل المستويات، وهو ناجح بالفعل فى كثير من التفاصيل، لكن عليه أن ينشغل بتثبيت الجسور مع زواره المداومين، وإرساء غيرها لجذب المزيد منهم، والاهتمام بأن يكون مساحة إشعاع ثقافية شكلا وموضوعا، أو مصيدة لا تكتفى باقتناص القراء المحترفين وحدهم، بل تنهل ممن جلبتهم الظروف والفضول وحب الاستطلاع، لتصير خط إنتاج لمستهلكى الثقافة، لا مجرد حاضنة للمهتمين بها من تلقاء أنفسهم فحسب.
يمكن أن يتسع المجال للوزراء والنواب وغيرهم، للأكاديميين البارزين فى كل التخصصات العلمية مسيسة الصلة بحياة الناس وانشغالاتهم، للأحزاب والقوى السياسية، والرياضيين وصناع الموسيقى والمغنين والراقصين وكل صنوف الإبداع على تنوعه. أن يثير قضايا تتصل بالانشغالات العامة الظرفية، ويدير حوارات مجتمعية على قضايا حيوية راهنة، ويُشرك الجمهور نفسه من المنصة لا مقاعد المستمعين فحسب.
بث الندوات على شاشات كبيرة فى الساحات وداخل قاعات العرض، وابتكار محور يكون بمثابة مختبر أو ورشة تفاعلية، وأن تتحدد فعالية يومية كبرى يكون الجمهور بطلها، تُجمع الأفكار ورغبات الحديث بشأنها فى صندوق على مدار اليوم، ثم يُفض وتنتقى المحاور والمتكلمين بالأغلبية وتعداد الأصوات. والأفكار كثيرة ولا نهاية لها فيما يخص ربط الجمهور عضويا بالمكان والحدث، وتحفيزه على العودة، وتنشيط المعرض ليكون ورشة حية على طول أيامه، ويمتد أثره إلى ما وراء الأسوار وأيام الانعقاد.
لن يصير الزوار جميعا قراء مخلصين، ولن يتوقف المعرض عن استقبال المتنزهين والباحثين عن خروجة عائلية آمنة وغير مكلفة. وإذا كان عسيرا أن يتحول الملايين الستة كلهم إلى أصدقاء مباشرين للكتب والورق؛ فبالإمكان أن يكونوا جميعا سفراء لمعرض الكتاب، يُحدّثون به وعنه، ويُجندون آخرين للحضور والحديث، وينشرون القيم والأفكار التى يتعرضون لها أو تتسرب إليهم فى حيزهم الاجتماعى وبيئاتهم المحيطة، وأهمها التنوع والاختلاف واحترام الآخر، والقدرة على التداول فيما لا يُقرونه دون حساسية أو دفاعات صلبة، والأهم قابلية إدارة نقاش مفتوح فى كل الأفكار والموضوعات، دون انغلاق أو صدام وتخوين.
معرض الكتاب أكبر كثيرا من معرض، وأهم من عدد الكتب وعناوينها ومضامينها ومبيعاتها، ويجب الاستثمار فيه على تلك الصيغة العميقة، كورشة تربية وتأهيل وتفاعل وتثاقف، وما يتناقله الناس بالمعاملات والتجاور اللطيف فى الأحواز المشتركة، لا يقل أبدا عما فى الكتب وعلى رفوف المكتبات؛ كما أنه الطريق الذهبية إليه دائمًا. مثلما ذهبتُ أنا إلى المعرض قبل ثلاثة عقود مُقتفيا أثر نوره البعيد؛ قبل أن أرى قاعاته وعناوينه وناشريه، ودوامت عليه بالأثر الاجتماعى لا بمحبة الكتاب وحدها.