في وقت تتصاعد فيه التحديات الأمنية وتتنامى صور الجريمة المنظمة العابرة للحدود، تبرز مجهودات وزارة الداخلية كقوة ردع حاسمة ضد واحدة من أخطر الآفات التي تستهدف النيل من القوى البشرية والاقتصادية للوطن، وهي تجارة السموم والمخدرات.
لقد شهدت الفترة الماضية تحولاً استراتيجياً في أداء أجهزة المكافحة، التي لم تكتفِ بالدور التقليدي في الملاحقة، بل انتقلت إلى مرحلة الاقتحام الاستباقي للبؤر الإجرامية وتفكيك شبكات ترويج "الكيف" من جذورها، في ملحمة أمنية تعكس يقظة العيون الساهرة وإدراكها العميق للتداعيات الأمنية المتسارعة في المحيط الإقليمي، والتي انعكست بدورها على محاولات عصابات التهريب الدولية لاستخدام مسارات جديدة ومبتكرة لإغراق البلاد بالمواد المخدرة، ظناً منها أنها بعيدة عن أعين الرقابة.
متابعة منابع التهريب
وتضطلع أجهزة المكافحة بوزارة الداخلية بمسؤولية كبيرة، من خلال إفراد متابعة دقيقة ومكثفة لكافة منابع التصنيع ومسارات التهريب الوعرة، سواء كانت برية أو بحرية، وتوجيه ضربات أمنية نوعية وقاصمة للقائمين عليها، حيث بات العمل الأمني يعتمد على "المعلومة " قبل التحرك الميداني.
وتتجلى ضخامة هذه المجهودات في الأرقام الرسمية غير المسبوقة التي تعكس حجم الإنجاز على الأرض، حيث تُقدر القيمة المالية للكميات المضبوطة من المواد المخدرة التقليدية خلال عام واحد بنحو 27 مليار جنيه، وهي أرقام تعكس نجاح الدولة في حرمان مافيا المخدرات من أرباح خيالية كانت ستوجه لتدمير المجتمع أو تمويل أنشطة إجرامية أخرى.
ولم تتوقف النجاحات عند هذا الحد، بل نجحت الأجهزة الأمنية في إحباط محاولات جلب المواد المخدرة التخليقية، التي تعد الأشد فتكاً بالعقل والجهاز العصبي، حيث تم اعتراض شحنات كبرى كانت معدة لإعادة تهريبها إلى دول أخرى عبر الأراضي المصرية، وبلغت قيمتها في الدول المستهدفة ما يربو على 34 مليار جنيه، مما يؤكد دور مصر المحوري في الحفاظ على الأمن الإقليمي والدولي ومكافحة الجريمة المنظمة العابرة للقارات.
توجيه ضربات لجرائم غسل الأموال
إن المواجهة الأمنية الشاملة لم تقتصر على ضبط المواد المخدرة فحسب، بل امتدت لتطال عصب الحياة لهذه التجارة الآثمة، وهو المال الذي يغذي استمراريتها، فقد تمكنت وزارة الداخلية من توجيه ضربات موجعة في مجال مكافحة جرائم غسل الأموال المتحصلة من نشاط الاتجار في المخدرات، حيث بلغت قيمة الأموال التي تم رصدها وضبطها ما يزيد عن 19 مليار جنيه، حاول المهربون وتجار الكيف إضفاء صبغة شرعية عليها عبر مشروعات تجارية وعقارية وسيارات فارهة وشركات وهمية، إلا أن يقظة أجهزة التحريات المالية بقطاع مكافحة المخدرات كانت لهم بالمرصاد.
ويأتي هذا النجاح نتيجة جهود كبيرة للحيلولة دون إغراق البلاد بتلك المواد القاتلة عبر الحدود الصحراوية أو السواحل الممتدة، أو حتى محاولة إنتاجها وتصنيعها بشكل سري داخل الأراضي المصرية، مما أوجد حالة من الحصار الأمني الكامل لمسارات السموم بكافة أنواعها.
وفي سياق تحليل هذه المجهودات الضخمة، أشاد خبراء أمنيون بالقفزة التقنية والمهارية التي حققتها وزارة الداخلية في هذا الملف الشائك الذي يمس أمن كل بيت مصري.
وقال اللواء عمرو الشرقاوي، الخبير الأمني، في تصريحات خاصة لجريدة اليوم السابع، إن الداخلية لم تعد تعتمد على الوسائل التقليدية فقط، بل باتت تستخدم تقنيات حديثة ومتطورة للغاية في رصد وضبط شحنات المخدرات، شملت استخدام أنظمة الرصد والمراقبة الذكية والتحليل المعلوماتي الدقيق لتحركات العناصر الإجرامية عبر "الشبكة المظلمة" وتتبع العملات الرقمية التي قد تستخدم في هذه التجارة.
وأضاف اللواء الشرقاوي أن أجهزة المكافحة نجحت في كشف مسارات التهريب المعقدة التي يلجأ إليها المهربون للتمويه، واستطاعت القضاء على شبكات تجارة السموم من خلال استهداف الرؤوس الكبيرة والممولين المحركين لهذه العمليات، وليس فقط صغار الموزعين، وهو ما أحدث ارتباكاً كبيراً وشللاً في صفوف عصابات الكيف الدولية.
الداخلية كشفت وسائل التهريب الحديثة
وأوضح الخبير الأمني أن وزارة الداخلية استطاعت كشف كافة وسائل التهريب الحديثة والمبتكرة التي يحاول المجرمون استخدامها، مثل تخزين السموم داخل بضائع مشروعة أو استخدام وسائل نقل غير تقليدية، مشدداً على أن الدولة تمتلك حالياً قاعدة بيانات ضخمة تتيح لها التنبؤ بمحاولات التهريب قبل وقوعها بناءً على أنماط الجريمة العالمية.
وأكد اللواء عمرو الشرقاوي أن دور الوزارة لم يتوقف عند الجانب الأمني والضبطي الميداني، بل امتد ليشمل الجانب الوقائي والتوعوي الذي لا يقل أهمية، من خلال عقد سلسلة من الندوات والمبادرات المجتمعية التي تستهدف توعية الشباب والمواطنين بمخاطر المواد المخدرة، لا سيما المستحدثة منها مثل "الشابو" و"الآيس"، وتأثيراتها المدمرة على الصحة العامة والأمن القومي، انطلاقاً من إيمان الوزارة العميق بأن الوعي الشعبي هو خط الدفاع الأول والأساسي بجانب الضربات الأمنية القاصمة.
إن هذه الجهود الضخمة التي تبذلها وزارة الداخلية، والتي تكللت بضبطيات تجاوزت قيمتها الإجمالية عشرات المليارات من الجنيهات، تبعث برسالة طمأنة قوية للمجتمع المصري بأن هناك عيوناً ساهرة لا تغفل عن حماية أبنائه من السقوط في براثن الإدمان والضياع.
كما أنها توجه رسالة شديدة اللهجة لكل من تسول له نفسه العبث بأمن مصر أو محاولة جني أرباح دنيئة من دماء شبابها، بأن قبضة القانون قوية ونافذة ومواكبة لكل تطور إجرامي، وأن التنسيق بين كافة مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية يقف سداً منيعاً أمام كل محاولات إغراق البلاد بالسموم، لتظل مصر قوية بشبابها، طاهرة بفضل مجهودات أبنائها المخلصين في كافة الميادين، ولتبقى راية الوطن خفاقة تحميها عزيمة رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه في حماية الأرض والعرض والعقل.