يسرنا أن نتقدم بأسمى آيات التهنئة والتقدير بمناسبة الذكرى الرابعة والسبعين لعيد الشرطة المصرية، تلك المناسبة الوطنية التي نستذكر فيها بطولات أبناء جهاز الشرطة البواسل وتضحياتهم في حماية أمن الوطن وسلامة مواطنيه إن عيد الشرطة ترجمة لقيم الوفاء، والشجاعة، والانضباط المؤسسي التي رسختها مصر على مدى تاريخها، ورافقت مسيرة الدولة في الحفاظ على سيادة القانون، واستقرار المجتمع، وأمن المواطنين كما نعبر عن فخرنا واعتزازنا بـرجال الأمن والجيش الذين يسهرون على حماية الوطن ومؤسساته، ويقدمون أرواحهم فداءً لأمن وسلامة الوطن، مؤكدين أن الدولة والمجتمع يقدرون تضحياتهم، ويعملون على دعمهم واستدامة حقوق أسر الشهداء والمصابين.
وقد جاء خطاب الرئيس المصري في الذكرى الرابعة والسبعين لعيد الشرطة، ليقدم خطابًا سياسيًا وثقافيًا رفيعًا يمكن قراءته بوصفه وثيقة سيادية تحدد رؤية الدولة المصرية في سياق إقليمي مضطرب وعالم يعاد فيه تشكيل خرائط القوة والشرعية والتحالفات، فقد استند الخطاب على بنية مركبة مزجت بين الرسالة القيمية التي تعزز رأس المال الرمزي للدولة ومؤسساتها، والرسالة التحليلية الجيوسياسية التي تفكك موازين القوى الإقليمية والدولية، والرسالة الإجرائية التي تكشف مسارات القرار وآليات إدارة الملفات السياسية والأمنية، إلى جانب معركة الوعي فهي خط الدفاع الأول في زمن الحروب الهجينة والتضليل الرقمي.
وبفضل هذا التداخل بين البعد القيمي والتحليلي والتنفيذي، بدا الخطاب أقرب إلى إعلان سيادي شامل يحدد موقع الدولة المصرية في لحظة تاريخية تتبدل فيها قواعد اللعبة الدولية، ويمكن كذلك قراءة الخطاب ضمن إطار إدارة الأزمات الاستراتيجية التي تنتهجها مصر؛ حيث مثل الخطاب من جهة إعلانًا للثوابت الوطنية التي لا تتغير بتغير الإدارات الدولية أو الضغوط الإقليمية، ومن جهة أخرى إعادة تعريف لدور الدولة في زمن تتراجع فيه مركزية الدولة لصالح الميليشيات والفاعلين من غير الدول، وتتصاعد فيه الحروب الهجينة التي تستهدف بنية الإدراك وشرعية المؤسسات قبل استهداف الحدود والمجالات العسكرية.
افتتح الخطاب بالمدخل الأكثر رسوخًا في الوجدان الوطني، وهو الوفاء المؤسسي للشهداء، حيث انتقل من الثناء اللفظي إلى توسيع إطار التكريم عبر إشارات ذات دلالة تنظيمية واضحة، أبرزها شمول صندوق الشهداء والمصابين لكل من ضحى منذ عام 1948، بما يعيد ربط الجيل الحالي بجذور النضال الوطني الحديث، ويحول التضحية من حدث عابر إلى ذاكرة جمعية ممتدة عبر الزمن، وقد جاءت الإشارة إلى التنسيق مع البنك المركزي لتأمين مستقبل أبناء الشهداء عند بلوغ سن الحادية والعشرين لتعبر عن تطور نوعي في فلسفة الدولة تجاه من قدموا أرواحهم، حيث انتقلت دولة ما بعد 2013 من منطق التعويض إلى منطق الرعاية المستدامة، بما يخرج ملف الشهادة من زمنية الحدث إلى أفق الأمة.
إن تأمين مستقبل أبناء الشهداء عبر آلية مالية مضمونة يمثل خطوة اجتماعية، ويعيد ترسيم علاقة الثقة بين المجتمع ومؤسساته، ويثبت سردية التضحية في الوعي الجمعي للأجيال الجديدة، فالشهادة ليست خسارة فردية ولكن رأسمال رمزي يحمي المجتمع من التفكك، ويمنح جهاز الشرطة شرعية مستمرة نابعة من تاريخ النضال، وتكمن أهمية هذه النقطة في سياق دولي باتت فيه المؤسسات الأمنية هدفًا مباشرًا لحروب الجيلين الرابع والخامس، حيث تسعى الأطراف المعادية إلى صنع هوة بين الشارع والمؤسسة عبر التشكيك والتشويه والإنهاك المعنوي وتفكيك الرابطة القوية بين المجتمع وأجهزته السيادية، ومن ثم، فإن تحويل قيمة الشهادة من الخطاب العاطفي إلى الإجراء المؤسسي، يمثل ركيزة في حماية الأمن المعنوي للدولة، ويعكس إدراكًا عميقًا بأنّ المعركة على الوعي تخاض بالمعلومة والذاكرة الجمعية والسياسة الاجتماعية.
وقدم الخطاب مقاربة جيوسياسية دقيقة للوضع الإقليمي والدولي، حيث بدا واضحًا أن مصر تدرك حجم الاضطرابات المحيطة بها، وأن استقرارها جاء نتيجة مخرجات استراتيجية تتعلق بتحييد الصراع الداخلي، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وإدارة علاقات دولية متوازنة، فقد قدم الرئيس توصيفًا واقعيًا لمشهد إقليمي يتوزع بين دول تفككت لصالح ميليشيات محلية، وأخرى انهارت مؤسساتها، وثالثة خرجت من التاريخ السياسي بفعل الفوضى، بينما احتفظت مصر بموقع الاستثناء وهو توصيف يمكن قياسه من خلال مؤشرات الأمن، ووحدة المؤسسة العسكرية، ومرونة الجهاز الإداري، وقدرتها على تمرير الإصلاحات في بيئة مشوبة بالمخاطر.
وجاء موقف مصر بالملف الفلسطيني واقعيًا وواضحًا، يقوم على رفض التهجير القسري للفلسطينيين إلى سيناء بوصفه تهديدًا وجوديًا للأمن القومي المصري، وليس مجرد تضامن سياسي أو أخلاقي، كما أن تأكيد التعاون مع الولايات المتحدة بقيادة الرئيس دونالد ترامب يعكس قراءة مصرية براغماتية لدور القوة العظمى في هندسة توازنات الشرق الأوسط، دون الوقوع في فخ الاستقطاب بين القوى الدولية الكبرى، وقد حمل التحذير المصري للغرب من تداعيات تصفية القضية الفلسطينية وفتح بوابات الهجرة غير الشرعية نحو أوروبا قراءة استراتيجية تتجاوز اللحظة الإنسانية لتلامس حسابات الأمن القاري.
وانطلاقًا من فهم لطبيعة الحروب الحديثة، تضمن الخطاب معالجة بالغة الحساسية لمفهوم الوعي، بعد أن انتقل الصراع إلى ميادين الإدراك والتصورات، فقد حذر الرئيس من السياقات الزائفة التي تصنعها التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، في اعتراف صريح بأن مصر والعالم قد دخلا عصر حروب الجيل الخامس، حيث أصبحت الدول تفكك عبر أدوات أكثر خفاء، تقوم على تشويه الرموز، وتزييف الذاكرة، وصناعة انفعالات معرفية زائفة، وإرهاق المجتمعات بالمقارنات المصطنعة، وإرباك الثقة بين المجتمع ومؤسساته، ومن ثم، أشار الخطاب ضمنيًا إلى أن الوفرة المعرفية قد تؤدي في غياب مهارات الفرز والتحليل والنقد إلى حالة من التشويش الإدراكي والاستلاب، وهي قراءة لافتة للمشهد الرقمي العالمي الذي أضحت فيه المنصات فاعل سياسي وثقافي وأمني يؤثر في اتجاهات الرأي العام وتشكيل المواقف.
وقد حملت هذه الإشارات دعوة صريحة إلى إنتاج وعي نقدي لدى الأجيال التي لم تعاصر أحداث 2011، والتي قد تستدرج تحت تأثير السرديات الرقمية السريعة إلى إعادة إنتاج الفوضى دون إدراك لتكلفتها الاجتماعية والأمنية والاقتصادية، والخطاب يتحدث في مستوى الاستراتيجية الوطنية لإدارة الوعي في زمن تتداخل فيه التكنولوجيا مع السياسة وتتحول المنصات إلى أدوات تشكيل رأي وصناعة تصورات، كما أعاد الخطاب تعريف الأمن كمسؤولية مجتمعية ومؤسسية، تشترك فيها الأسرة، والمؤسسة الدينية، والمدرسة، والجامعة، إلى جانب الأجهزة الأمنية، في ترجمة مباشرة لفلسفة الأمن المجتمعي الشامل التي تتبناها الدول الحديثة، فالأمن في هذا الإطار هندسة للوعي، وحماية للذاكرة الجمعية، وصون للمعايير، واستباق للمخاطر الإدراكية قبل تبلورها سياسيًا.
وقد اختار الرئيس في الجانب الاقتصادي، طريق المكاشفة بدلًا من المسكنات الخطابية، حين أرجع إرهاصات ما قبل 2011 إلى اختلالات مؤسسية واقتصادية عميقة تراكمت على مدى عقود، مؤكدًا أن الإصلاح الجاري لا يقوم على وعود عاجلة، ولكن على عملية تراكمية هادئة وطويلة الأمد ترتكز على النقد الذاتي الأمين، وسياسات الجدارة والكفاءة، وبناء شراكات استراتيجية مع القطاع الخاص، وقد مثلت الإشارة إلى تعزيز دور القطاع الخاص انتقالًا من نموذج الدولة المنتجة إلى نموذج الدولة المنظمة، بما يتوافق مع فلسفة اقتصاد السوق الاجتماعي التي توازن بين حرية المبادرة وعدالة توزيع الفرص، وعلى هذا الأساس، يصبح الأمن الاقتصادي جزءًا من الأمن القومي، بما يمنح الإصلاح الاقتصادي بعدًا استراتيجيًا يتطلب منظومة عمل تتكامل فيها المهنية، والانضباط المالي، والحوكمة، والجذب الاستثماري، والمشاركة المجتمعية الواعية، وبهذا قدم الخطاب رؤية أكثر نضجًا وواقعية ترى أن بناء اقتصاد قادر على الصمود هو شرط الحماية من تكرار الفوضى، وأن الدول تصان بتأسيس قواعد إنتاج ومعرفة واستثمار توفر فرصًا وتمنح المجتمع أدوات الاستقرار.
إن خطاب رئيس الجمهورية في مجمله يعكس تصورًا للدولة كمؤسسة وقانونًا وذاكرة وطنية، حيث يرفض منطق الميليشيا ويتمسك بسيادة الجيش الوطني كركيزة لبقاء الدولة الحديثة، ويدير توازناته الإقليمية والدولية بقدر من الرؤية الرشيدة، ومن ثم يقدم الخطاب نموذجًا لدولة تسعى إلى تحقيق سلام استراتيجي يقوم على أمن وطني صلب، ووعي مجتمعي محصن، إدراكًا بأن الردع العسكري لا ينفصل عن الردع الإدراكي، وأن الشرعية في الدولة الحديثة تبنى عبر المؤسسات، والذاكرة الوطنية، والوعي المتماسك.
وقد اختتم خطاب عيد الشرطة في عامه 74 بدعوة ضمنية للمصريين إلى الفخر بنموذج دولة لم تتآمر على شعبها، ولم تنزلق إلى حرب أهلية، ولم تسقط مؤسساتها، ولكن تحولت إلى ملاذ آمن لمن فقدوا أوطانهم، وواحة استقرار وسط إقليم يموج بالانهيارات، ويمكن القول إن الدولة التي تحمي وعيها تحمي مستقبلها، لأن معركة البقاء اليوم تمتد لتشمل ذاكرة الأمم وتصورات المجتمعات وشرعية المؤسسات، وبهذا المعنى، تقدم مصر وفق هذا الخطاب نموذجًا جديرًا بالدرس على مستوى الفكر السياسي، والأمن المجتمعي، وإدارة الأزمات الإقليمية، في لحظة تاريخية تتغير فيها قواعد اللعبة الدولية، وتحتاج فيها الدول إلى قدر أكبر من الذكاء الاستراتيجي والحكمة والرؤية الاستباقية لحماية وجودها واستدامة مشروعها الوطني.
نسأل الله أن يحفظ مصر وشعبها العظيم، وأن يديم عليها الأمن والاستقرار، وأن يوفق قيادتنا السياسية، ويثبت رجال الشرطة والجيش وكل مؤسسات الدولة في أداء رسالتهم الوطنية الجليلة بكل حكمة وبسالة، عيد شرطة سعيد، وكل عام وأنتم فخر مصر وذخرها، وسواعدها التي تحفظ لها سيادتها ومجدها.