في لحظة تاريخية دقيقة تمر بها القارة الأوروبية، تعود إلى الواجهة واحدة من أكثر الأفكار طموحًا وإثارة للجدل في تاريخ الاتحاد الأوروبي، تشكيل جيش أوروبي موحد، فبين تصاعد الحرب في شرق القارة، وتزايد الأزمات الأمنية في الجنوب، والتغيرات المتسارعة في النظام الدولي، بات السؤال المطروح بقوة في العواصم الأوروبية: هل حان الوقت لكي تمتلك أوروبا قوة عسكرية مستقلة بقرار سيادي أوروبي؟
من حلم ما بعد الحرب إلى ضرورة استراتيجية
تعود جذور فكرة الجيش الأوروبي إلى أوائل خمسينيات القرن الماضي، عندما طُرح مشروع «الجماعة الدفاعية الأوروبية» في سياق الحرب الباردة، بهدف مواجهة الاتحاد السوفيتي ومنع أي تهديد محتمل من إعادة تسليح ألمانيا الغربية. لكن المشروع أُجهض عام 1954 بعد رفض البرلمان الفرنسي التصديق عليه، لتدخل أوروبا بعدها في مرحلة اعتماد شبه كامل على الولايات المتحدة عبر حلف شمال الأطلسي (الناتو).
طوال العقود التالية، ظل الأمن الأوروبي مرهونًا بالمظلة الأمريكية، خاصة خلال الحرب الباردة وبعدها، غير أن التحولات الجيوسياسية الأخيرة أعادت طرح السؤال القديم بصيغة جديدة: هل يمكن لأوروبا الاستمرار في الاعتماد على الآخرين لحماية أمنها؟
إسبانيا تقود النقاش من جديد
أعادت الحكومة الإسبانية إشعال النقاش بقوة، عندما دعا وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس إلى إنشاء قوة عسكرية أوروبية مشتركة، معتبرًا أن أوروبا بحاجة إلى أداة ردع مستقلة تحمي مصالحها الاستراتيجية، وتمنحها القدرة على التحرك السريع في الأزمات، دون انتظار توافق معقد بين 27 دولة أو قرار من خارج القارة.
وأكد ألباريس أن الهدف ليس استبدال الناتو، بل تعزيز الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية، في عالم باتت فيه التحالفات أقل استقرارًا، والالتزامات الدولية أكثر تقلبًا.
الدول الداعمة: نواة صلبة لمشروع عسكري أوروبي
حتى الآن، أبدت عدة دول أوروبية دعمًا صريحًا أو ضمنيًا لفكرة الجيش الأوروبي الموحد، في مقدمتها:
فرنسا ، والتي تعتبر الداعم التاريخى لفكرة الاستقلال الدفاعى الأوروبى ، وألمانيا التي أصبحت ترى ضرورة تعزيز قدراتها العسكرية بعد حرب أوكرانيا ، وإسبانيا وإيطاليا باعتبارهما من دول الجنوب القلقة من عدم الاستقرار فى المتوسط، وأيضا بلجيكا التي تصبح الداعمة لتكامل المؤسسات الأوروبية.
وترى هذه الدول أن الجيوش الوطنية، رغم قوتها، لم تعد كافية لمواجهة التهديدات الحديثة، مثل:
الهجمات السيبرانية واسعة النطاق ، والحروب الهجينة والتضليل الإعلامى واستخدام الطائرات المسيرة ، بالإضافة إلى التوسع الروسى ، وأيضا التهديدات الأمريكية من خلال ترامب ومحاولة شراءه او استحواذه على جزيرة جرينلاند.
دول متحفّظة.. ومخاوف مشروعة
في المقابل، تقف دول أخرى موقفًا أكثر تحفظًا، خاصة في شرق أوروبا، وعلى رأسها بولندا وهنجاريا ودول البلطيق، هذه الدول ترى أن الناتو، وليس الاتحاد الأوروبي، هو الضامن الحقيقي لأمنها، خصوصًا في مواجهة روسيا.
وتخشى هذه الدول من أن يؤدي الجيش الأوروبي إلى:
إضعاف دور الناتو ، وتقليل الالتزام الأمريكي بالدفاع عن أوروبا ، مع خلق ازدواجية فى القيادة والمهام العسكرية، كما تبدي دول صغيرة مثل مالطا وقبرص ولوكسمبورج قلقًا من الكلفة المالية العالية للمشروع، رغم المقترحات الأوروبية بإنشاء صناديق تمويل مشتركة وتقاسم الأعباء.
أزمات تضغط باتجاه القرار
تتزامن هذه النقاشات مع سلسلة من النزاعات والتحديات الأمنية التي تجعل فكرة الجيش الأوروبي أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى:
الحرب الروسية الأوكرانية ، التي اندلعت عام 2022 وأعادت شبح الحرب التقليدية إلى أوروبا ، وتوترات البلقان خاصة فى كوسوفو والبوسنة والهرسك ، حيث لا تزال النزاعات العرقية والسياسية قابلة للاشتعال، هذا بالإضافة إلى الإرهاب والتطرف المحلى فى دول كبرى مثل فرنسا وألمانيا.
ورغم الزخم السياسي، فإن تحويل فكرة الجيش الأوروبي إلى واقع يواجه عقبات كبيرة، أبرزها:
التفاوت فى القدرات العسكرية بنين الدول الأعضاء ، غياب عقيدة عسكرية موحدة وهوية دفاعية مشتركة ، والخلافات السياسية الداخلية بين الحكومات ، بالإضافة إلى العلاقات المعقدة مع الناتو واحتمالات التضارب فى الصلاحيات .
فرص النجاح: التدرج بدل القفز
يرى مؤيدو المشروع أن الحل يكمن في الدمج التدريجي، وليس القفز نحو جيش كامل دفعة واحدة. وتشمل الخطوات المقترحة:
توحيد أنظمة الدفاع الجوى ، وإنشاء قيادة سيبرانية أوروبية ، وتعزيز القوات الأوروبية للتدخل العسكري ن وتوسيع التعاون الصناعى العسكري
ويُعد التعاون بين فرنسا وألمانيا وإسبانيا في الصناعات الدفاعية (الطائرات، المسيّرات، الدفاع الصاروخي) حجر الأساس لهذا التوجه.
يبقى الجيش الأوروبي الموحد مشروعًا معقدًا، محفوفًا بالتحديات والانقسامات، لكنه في الوقت نفسه يعكس إدراكًا أوروبيًا متزايدًا بأن زمن الاعتماد المطلق على الآخرين يقترب من نهايته. وبينما لا يبدو أن ولادة هذا الجيش وشيكة، فإن المؤكد أن أوروبا دخلت مرحلة جديدة من التفكير الدفاعي، قد تجعل ما كان حلمًا مؤجلًا، واقعًا عسكريًا خلال العقد المقبل.