أصبحت عقول المستقبل فى السياق المصرى محورًا استراتيجيًا تلتقى عنده رهانات الدولة وطموحات المجتمع وتحديات العصر، وفى هذا الإطار، جاءت رؤية مصر 2030 كإطار وطنى شامل أعاد الاعتبار لمنظومة بناء الإنسان وجعل من العقل المصرى ركيزة أساسية لتحقيق التنمية المستدامة، فالتنمية نتاج لعقل واعى قادر على التخطيط والابتكار واتخاذ القرار وتحمل المسؤولية التاريخية تجاه الوطن، وتنطلق الرؤية من تصور متكامل للتنمية الشاملة يقوم على ثلاثة أبعاد رئيسة الاقتصادى والاجتماعى والبيئي؛ غير أن هذه الأبعاد تتقاطع جميعها عند بعد حاكم هو بناء الإنسان المصري.
ويتحقق هذا البناء عبر عقل يمتلك وعيًا نقديًا يميز به المعلومات فى زمن الفيض المعرفى، ومهارات قادرة على مواكبة اقتصاد متغير، وقيمًا تسهم فى صون الهوية الوطنية وتحصين المجتمع، وقدرة على التكيف مع عالم سريع التحول تحكمه الثورة الرقمية وتنافسية المعرفة، فمعركة المستقبل أصبحت معركة الوعى والمعرفة، حيث تتحدد مكانة الدول بمدى قدرتها على إنتاج العقول لا مجرد استهلاك المعرفة. ومن هنا تبرز أهمية الاستثمار فى التعليم والبحث العلمى والثقافة وبناء الوعى، فهى أدوات أمن قومى ومفاتيح حضارية تسهم فى صياغة مصر قادرة على النهضة والتأثير فى محيطها الإقليمى والدولي.
وتمثل عقول المستقبل البنية الفلسفية غير المعلنة لرؤية مصر 2030، فلا يمكن تحقيق اقتصاد تنافسى، أو عدالة اجتماعية، أو حوكمة رشيدة بعقول تقليدية أسيرة أنماط تفكير تجاوزهـا الزمن، فالعقل هو نقطة البداية فى مسار التنمية، وهو أيضًا نقطة الحسم فى تحديد موقع الدولة فى خريطة القوى الصاعدة، ومن ثم يحتل التعليم موقعًا مركزيًا فى رؤية مصر 2030، فهو الأداة الاستراتيجية الكبرى لبناء عقول تمتلك القدرة على التفكير، ويعد التحول من التعليم القائم على الحفظ والتلقين إلى التعليم المرتكز على الفهم والمهارات والتفكير النقدى شرطًا لازمًا لإعداد أجيال قادرة على الاندماج فى اقتصاد المعرفة، وإنتاج التكنولوجيا، والتعامل مع عالم تعيد فيه الثورة الرقمية تعريف الوظائف، والمعرفة، والسلطة.
وبمقتضى منطق الرؤية المصرية 2030، فإن عقول المستقبل فى مصر هى عقول تتعلم كيف تفكر؛ عقول تمتلك مهارات التعلم المستمر، وقادرة على الربط بين المعرفة النظرية والتطبيق العملى، بما يحول التعليم إلى رافعة إنتاج، ومن ثم، فإن نجاح سياسات تطوير التعليم يقاس بمدى انتقال العقل المصرى من عقل امتحانى يعيد إنتاج المعرفة إلى عقل إنتاجى يسهم فى توليدها واستثمارها، وتولى رؤية مصر 2030 اهتمامًا بالغًا بالتحول الرقمى وبناء الدولة الذكية بوصفهما قوة دافعة للتنمية وتحسين جودة الحياة، وتعزيز كفاءة الموارد والخدمات، غير أن هذا التحول لن يكتمل إلا بعقول واعية تدرك حدود التقنية وأخلاقياتها، وقادرة على توظيفها، فالتكنولوجيا فى الرؤية المصرية تعظم من رأس المال البشرى وترتقى بالوعى والإنتاج، وهكذا تتجلى فكرة أن صراع القرن الحادى والعشرين هو صراع العقول، وأن الدولة التى تنجح فى بناء عقل مواطنها هى الدولة التى تملك المستقبل.
إن عقول المستقبل مطالبة بفهم الذكاء الاصطناعى حيث يعد تحولًا معرفيًا يعيد تشكيل سوق العمل، وأنماط التفكير، وعلاقات القوة داخل المجتمع والدولة، فالذكاء الاصطناعى أصبح بنية معرفية للعقل الجديد ومحركًا لإنتاج الثروة وإعادة توزيع الأدوار، ومن ثم فإن استيعاب الذكاء الاصطناعى يمتد إلى فهم المنصات وكيف تعمل، وما حدودها، وما أخلاقياتها، وكيف يمكن توطينها فى السياق المصرى لصالح التنمية الشاملة، فالتحول الرقمى هو انتقال فى منظومة العقل ذاتها، من عقل يستهلك التكنولوجيا إلى عقل ينتجها، ومن عقل يستسهل الإجابات الجاهزة إلى عقل يعيد طرح الأسئلة الكبرى حول المعرفة والقيمة والإنسان.
وتستهدف رؤية مصر 2030 بناء اقتصاد تنافسى ومتنوع قائم على المعرفة والابتكار، غير أن هذا الهدف يفترض وجود عقل اقتصادى جديد يتجاوز ثقافة الاستهلاك والبحث عن الأمان الوظيفى، نحو ثقافة المبادرة وريادة الأعمال والإبداع الإنتاجى، فعقول المستقبل هى تلك التى تقرأ السوق وتطلب الريادة ولا تنتظر الدولة، وتحول الفكرة إلى مشروع، والإمكانيات المحدودة إلى قيمة مضافة، مدركة أن القيمة اليوم تصنع بالعقل، وبذلك يصبح الاستثمار فى العقول هو الاستثمار الأعلى عائدًا، لأنه ينتج اقتصادًا حيًا قادرًا على توليد الفرص بدلًا من انتظارها، واقتصادًا يعتمد على الموارد والقدرة على توظيفها بذكاء، فالمستقبل لمن يمتلك الثروة العقلية.
وتضع رؤية مصر 2030 العدالة الاجتماعية وتمكين الفئات المختلفة فى صلب أهدافها، فهما شرطًا لتحقيق الاستقرار والتنمية، فالعدالة هى منظومة شاملة تتحقق عبر التشريعات والمؤسسات، وتحتاج فى الوقت ذاته إلى عقل جمعى واعى يدرك معنى المواطنة، ويوازن بين الحقوق والواجبات، ويرى فى التنوع مصدر قوة ورصيدًا وطنيًا لا تهديدًا، ومن ثم، فإن عقول المستقبل فى مصر مطالبة بتجاوز منطق الاستقطاب ورفض خطاب الكراهية، والقدرة على إدارة الاختلاف داخل إطار وطنى جامع يضمن التداول السلمى للأفكار والمصالح، فالمجتمعات تبنى على القوانين، ووعى يحمى هذه القوانين ويمنع انهيارها تحت ضغط التوترات والصراعات، فالعقل غير الواعى قد يهدم فى لحظة واحدة ما تبنيه الدولة فى سنوات، بينما العقل الواعى هو الذى يصون البناء الاجتماعى ويضمن استدامته، ويستوعب الاختلاف ويحوله إلى مصدر إبداع وتنمية.
وتؤكد رؤية مصر 2030 على البعد الثقافى والقيمى فهو أحد مقومات التنمية المستدامة، فلا يمكن لعقل المستقبل أن ينفصل عن قيمه أو عن سياقه الحضارى، فالعقل المصرى المستقبلى هو عقل مشبع بالقيم، منتم لهويته الوطنية، منفتح على العالم محافظ على هويته، قادر على التفاعل مع الحضارات المنتجة للمعرفة دون فقدان بوصلته الثقافية، ولعل أخطر ما يواجه عقول المستقبل هو الفصل بين التقدم المادى والتماسك القيمى، ومن ثم يصبح دمج القيم فى التعليم، والإعلام، والخطاب الثقافى ضرورة من ضرورات الأمن القومى المعرفى، لأن قيم العمل والاحترام والانتماء والمواطنة هى التى تحول المعرفة إلى قوة حضارية مستدامة.
ويمثل الشباب المصرى العمود الفقرى لرؤية 2030؛ فهم قوة عمل، وقوة وعى، وقوة تخيل للمستقبل، قادرون على إعادة صياغة مسارات التنمية، غير أن تحويل هذه الكتلة السكانية إلى طاقة تنموية يحتاج إلى تمكين معرفى حقيقى، وثقة فى القدرة على الإبداع، وإشراك فعلى فى صناعة القرار، فالشباب الذى يشعر بأن عقله مهمش سيبحث عن بدائل خارج مشروع الدولة، أما الشباب الذى يستثمر فى وعيه ويتلقى إشارات ثقة، فإنه يتحول إلى شريك فى البناء ومسؤول عن النتائج.
لتحقيق رؤية مصر 2030 لابد من وجود نخب فكرية وأكاديمية قادرة على ترجمة الأهداف العامة إلى وعى مجتمعى ومفاهيم قابلة للإدراك والتطبيق، فهذه النخب مطالبة بالمشاركة فى تشخيص الأزمات وإنتاج الحلول، وبناء خطاب تنويرى يواجه السطحية، ويقاوم تزييف الوعى، ويعيد الاعتبار للعقل والمنهج، فعقول المستقبل تبنى بـالقدوة الفكرية، وبحضور المثقف فى المجال العام، وبجسور ثقة متبادلة بين المعرفة والمجتمع.
ونعلم أن المستقبل يهب نفسه لمن يحسن صياغته، وأن أول الطريق عقل يستيقظ، فحين تجعل دولةٌ من بناء الإنسان مفتاح مشروعها، فإنها تختار الطريق الأصدق والأضمن، فالنهضة تبدأ من ومضة وعى، ومن نبرة يقظة وترتقى بالعقول المنتجة، ووعى جمعى يدرك أن التنمية مسؤولية جيل، وإذا نجحنا فى بناء عقول تعرف كيف تفكر وكيف تحول الفكر إلى أثر، صار المستقبل أقرب من الظن، إن الرهان الآن على ما فى الإنسان من ضياء؛ فمن العقل تنبت الفكرة، ومن القيمة ينشأ السلوك، ومن الشباب يجيء الأمل، ومن النخبة توقد الشرارة، ومن الدولة تتحدد البوصلة، وهكذا يتحول الحلم واقعًا يمشى على الأرض، وتصبح الرؤية نهضة تتنفس، والمصرى مهندس للمستقبل.