في ظل التوترات الدولية المتصاعدة والتحديات الأمنية المتنوعة، عادت الفكرة التاريخية لتشكيل جيش أوروبي موحد إلى صدارة النقاش السياسي في القارة. الحكومة الإسبانية، على لسان وزير خارجيتها خوسيه مانويل ألباريس، أكدت أن أوروبا بحاجة إلى قوة عسكرية مشتركة، قادرة على التصدي للتهديدات الخارجية وحماية مصالحها، بعيدًا عن الاعتماد الكامل على الحلف الأطلسي (الناتو).
وتعتبر الفكرة ليست جديدة ، فقد تم اقتراحها لأول مرة فى الخمسينات بهدف مواجهة الاتحاد السوفيتى وضمان عدم تهديد إعادة تسليح ألمانيا لجيرانها ، لكن البرلمان الفرنسي رفضها عام 1954 ، واليوم يرى القادة الأوروبيون أن الظروف السياسية والجيوستراتيجية تتطلب دمج القدرات العسكرية الوطنية فى قوة موحدة يمكنها التدخل بسرعة فى الأزمات دون الحاجة لموافقة 27 دولة منفصة فى كل مرة.
الدول الداعمة والمتحفظة
حتى الآن، أبدت إسبانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وبلجيكا دعماً واضحًا للفكرة، مشيرة إلى أن التحالفات الوطنية وحدها غير كافية لمواجهة التهديدات الحديثة مثل الهجمات الإلكترونية، التوسع العسكري الروسي، أو أي نزاع محتمل في مناطق حساسة مثل البحر المتوسط أو البلطيق.
على الجانب الآخر، توجد دول مترددة، خصوصًا في شرق أوروبا مثل بولندا وهنجاريا، التي تخشى أن يقلص الجيش الأوروبي دور الناتو ويؤثر على العلاقة العسكرية مع الولايات المتحدة. كما أن الاقتصادات الأصغر مثل مالطا وقبرص تقلق من تكاليف المشاركة، رغم أن خطة أوروبا تقترح تمويلًا مشتركًا للبرامج الأساسية.
النزاعات الحالية في أوروبا
تأتي هذه الدعوات في سياق تصاعد الأزمات في القارة:
- الأزمة الروسية الأوكرانية المستمرة منذ 2022، والتي أعادت إثارة المخاوف الأمنية في شرق أوروبا.
- التوترات في منطقة البلقان، خاصة في كوسوفو والبوسنة، حيث يمكن أن تتصاعد النزاعات العرقية والسياسية.
- التهديدات الإرهابية والتطرف المحلي في عدة دول غربية مثل فرنسا وألمانيا، والتي تتطلب تنسيقًا أمنيًا واسعًا.
- بالإضافة إلى الأمن السيبراني والتجسس الإلكتروني، حيث تتعرض البنية التحتية الأوروبية لهجمات مستمرة، ما يجعل التعاون العسكري الموحد أكثر إلحاحًا.
التحديات أمام الجيش الأوروبي
نجاح الجيش الأوروبي الموحد ليس مضمونًا، ويرجع ذلك لعدة عوامل:
1- التفاوت العسكري والتقني بين الدول: بعض الدول تمتلك جيوشًا حديثة وتجهيزات متقدمة، بينما تفتقر دول أخرى للقدرات اللازمة للمساهمة بشكل فعال.
2- الاعتماد على الناتو والولايات المتحدة: كثير من دول أوروبا الشرقية تعتبر الناتو خط دفاع أساسي، وتخشَى أن يؤدي الجيش الأوروبي الموحد إلى تقليل الدعم الأمريكي.
3- التباين السياسي: القرارات المشتركة قد تتأخر بسبب اختلاف السياسات الداخلية والأولويات الوطنية، وهو ما يعيق الاستجابة السريعة للأزمات.
فرص النجاح
مع ذلك، يرى مؤيدو الفكرة أن الدمج الجزئي للقدرات العسكرية، بدءًا بالقوات البرية، الدفاع الجوي، وحرب المعلومات، يمكن أن يكون خطوة أولى نحو جيش أوروبي متكامل. التعاون الصناعي العسكري بين فرنسا وألمانيا وإسبانيا يوفر أساسًا اقتصاديًا وتقنيًا قويًا لتطوير معدات مشتركة، مثل المروحيات والطائرات المسيرة والدفاعات الصاروخية.
كما يمكن أن يسهم الجيش الأوروبي الموحد في تعزيز مكانة الاتحاد على الساحة الدولية، ويقلل من الاعتماد على تحركات الولايات المتحدة في الأزمات العالمية، خصوصًا في مناطق البحر المتوسط والبلطيق والشرق الأوسط.