يعيش السودان واحدة من أسوأ أزماته الإنسانية منذ عقود، في ظل استمرار الحرب واتساع رقعة النزاع والعمليات العسكرية، ما أدى إلى تدهور حاد في الأوضاع المعيشية لملايين المدنيين.
وتواجه البلاد مستويات غير مسبوقة من النزوح وانهيار الخدمات الأساسية، بما في ذلك الصحة والمياه والغذاء، وسط تحذيرات أممية متكررة من تفاقم مخاطر الجوع وسوء التغذية وانتشار الأمراض، خاصة بين الأطفال والنساء، في وقت تعرقل فيه الأوضاع الأمنية وصول المساعدات لمستحقيها.
4.2 مليون طفل وامرأة يواجهون سوء التغذية الحاد
توقعت مجموعة التغذية، التابعة لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونسيف" أن يعاني نحو 4.2 ملايين طفل وامرأة حامل ومرضعة من سوء التغذية الحاد خلال عام 2026، بزيادة تبلغ 12.4% مقارنة بالعام الماضي.
وتُعد مجموعة التغذية آلية تنسيق تقودها منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف"، وتهدف إلى تنظيم وتوحيد جهود المنظمات المحلية والدولية للاستجابة للأزمات الغذائية وسوء التغذية، خصوصاً بين الأطفال والنساء في حالات الطوارئ.
وقالت المجموعة، في تقريرها، إن عدد المحتاجين إلى مساعدات تغذية خلال عام 2026 يُقدَّر بنحو 8.4 ملايين شخص، من بينهم 5 ملايين طفل دون سن الخامسة و3.4 ملايين من النساء الحوامل والمرضعات، وفقا لصحيفة سودان تربيون.
وأوضحت أن 4.2 ملايين طفل وامرأة حامل ومرضع، من إجمالي المحتاجين، يُتوقع أن يعانوا من سوء التغذية الحاد، مقارنة بـ3.7 ملايين في عام 2025، مشيرة إلى أن نحو 824 ألف طفل دون سن الخامسة قد يواجهون سوء التغذية الحاد الوخيم.
ويُعد سوء التغذية الحاد الوخيم، المعروف بـ"الهزال الشديد"، أخطر أشكال سوء التغذية، إذ يزيد بشكل كبير من مخاطر الإصابة بالأمراض وارتفاع معدلات الوفيات في حال عدم الحصول على علاج فوري.
ولفت التقرير إلى انتشار واسع لنقص المغذيات الدقيقة، حيث يعاني 48% من الأطفال دون سن الخامسة من فقر الدم الناتج عن نقص الحديد، في ظل انخفاض الحد الأدنى للتنوع الغذائي. كما أظهرت أحدث المسوحات مزيداً من التدهور في الوضع التغذوي، إذ سجل 31 مسحاً من أصل 61 انتشار سوء التغذية الحاد الشامل بنسبة 15% أو أكثر، متجاوزة عتبة الطوارئ التي حددتها منظمة الصحة العالمية.
ورجحت مجموعة التغذية أن يشهد الوضع الغذائي مزيداً من التدهور خلال العام الجاري، نتيجة اتساع رقعة النزاع، وتضرر خدمات الصحة والمياه، واستمرار موجات النزوح.
وأفادت بأن خطة الاستجابة تستهدف مساعدة 6.4 ملايين شخص من أصل 8.4 ملايين طفل دون الخامسة ونساء حوامل ومرضعات يحتاجون إلى تدخلات وقائية وعلاجية، بما في ذلك تقديم العلاج لنحو 2.4 مليون طفل وامرأة حامل ومرضع يعانون من سوء التغذية، من بينهم قرابة 634 ألف حالة متوقعة من سوء التغذية الحاد الوخيم.
وفي السياق ذاته، أعلنت يونيسف أنها تسعى إلى جمع نحو مليار دولار خلال عام 2026 لدعم 13.8 مليون شخص، بينهم 7.9 ملايين طفل، عبر توفير خدمات الصحة والتغذية والمياه والتعليم والحماية، محذرة من أن توقف نحو 70% من المرافق الصحية قد يعرّض 3.4 ملايين طفل لخطر الإصابة بأمراض قاتلة.
انهيار الوضع الصحي بجنوب كردفان وخروج 50% من المرافق الطبية بكادقلي عن الخدمة
ومن جهتها قالت شبكة أطباء السودان، إن الحصار المفروض على ولاية جنوب كردفان، والمستمر لأكثر من عامين، تسبّب في تدهورٍ خطير للوضع الصحي، لا سيما في عاصمة الولاية مدينة كادقلي، في ظل استمرار القصف والعمليات العسكرية.
وكشف بيان للشبكة، أن المدينة تضم خمسة مستشفيات حكومية هي: مستشفى كادقلي المرجعي، مستشفى كادقلي التعليمي، المستشفى العسكري، مستشفى الشرطة، ومستشفى الأطفال، إضافة إلى عشرة مراكز صحية حكومية، إلا أن هذه المرافق تعمل حالياً بنسبة لا تتجاوز 50% من طاقتها، فيما خرج عدد كبير منها عن الخدمة كلياً بسبب الحرب والحصار ونقص الكوادر والإمدادات الطبية وأكياس الدم.
وأكدت شبكة أطباء السودان أن من بين المراكز الصحية الحكومية العشرة، لا يعمل سوى أربعة مراكز فقط، وهي: المركز النموذجي "التأمين الصحي"، مركز حي المصانع، مركز صحي السمة شرق، ومركز صحي حجر ألمك، بينما توقفت ستة مراكز عن العمل بسبب الحرب، وهي: مجمع البحر الصحي، مركز الزهراء الصحي "تلو"، مركز القادسية الصحي، مركز مرتا الصحي، مركز صحي حجر النار، ومركز صحي البان جديد. كما توقفت غالبية المراكز الصحية الخاصة عن العمل، حيث يعمل حالياً خمسة مراكز فقط من أصل تسعة، وهي: عيادة شداد، عيادة رضا الوالدين، مركز نجلاء الطبي، مركز شرتاي الطبي، ومركز ابن سينا، بينما خرجت مراكز الحكمة، بيت العافية، تشفيني الصحي، وامتنان الطبي عن الخدمة نتيجة الأوضاع الأمنية.
وأدانت شبكة أطباء السودان بشدة استمرار العمليات العسكرية والقصف والحصار، وما ترتب عليها من قيود خانقة على وصول الأدوية والمعدات الطبية والكوادر الصحية، الأمر الذي أدى إلى شحٍ حاد في المستلزمات الطبية الأساسية، بما في ذلك الشاش والقطن والمحاليل الوريدية وأكياس نقل الدم، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على قدرة المستشفيات والمراكز الصحية القليلة العاملة على تقديم الرعاية الطبية المنقذة للحياة.
ودعت الشبكة المجتمع الدولي، والمنظمات الإنسانية والأممية، إلى التدخل العاجل لفك الحصار عن مدينة كادقلي وولاية جنوب كردفان، وضمان فتح مسارات إنسانية آمنة، وتوفير الإمدادات الطبية والكوادر الصحية بصورة فورية، محذّرة من أن استمرار الحصار واستهداف المرافق الصحية سيقود إلى كارثة إنسانية وشيكة، في ظل اعتماد عشرات الآلاف من المدنيين على هذه المرافق، وتزايد حالات سوء التغذية بين الأطفال والنساء الحوامل والمرضعات، مع تعثّر عمل المنظمات الدولية وخروج بعضها بسبب القصف والهجمات الممنهجة على المنشآت المدنية والإنسانية.
تدهور إنساني غير مسبوق فى إقليم دارفور
فيما أطلقت المنسقية العامة للنازحين واللاجئين، تحذيرات شديدة اللهجة، من تدهور إنساني غير مسبوق في إقليم دارفور، مؤكدة أن نقص المساعدات الغذائية والإنسانية يهدد حياة الآلاف داخل مخيمات النازحين.
وقالت المنسقية، في بيان رسمي، إن الوضع بلغ مرحلة حرجة، حيث يواجه الأطفال والنساء وكبار السن أكبر المخاطر في ظل تراجع الإمدادات الإغاثية.
وأضافت أن المخيمات تعاني من نقص حاد في الغذاء والدواء، ما ينذر بوقوع مجاعة وشيكة إذا لم يتم التدخل العاجل، داعية المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية إلى تحمل مسؤولياتهم وتكثيف جهود الإغاثة لإنقاذ الأرواح، وفقا لصحيفة المشهد السوداني.