عصام محمد عبد القادر

الذاكرة الوطنية في جلباب المناهج

الخميس، 15 يناير 2026 02:23 ص


نوقن بأن محاولات النيل من المقدرات البشرية، قد أضحت محور اهتمام المغرض، وسبيلا؛ لتحقيق مآرب المفسد، وأصحاب الأجندات، وهذا بالطبع عبر استراتيجية تشويه الوعي، وإضعاف الذاكرة الوطنية لدى شباب الأمة؛ ومن ثم ندرك دور التعليم في بناء عقول ناضجة، تفقه ماهية الوطن، والمواطنة، وتعلم يقينًا أن سجل التاريخ، وضمير الشعوب، وقريحة الأذهان، ترسّخ من خلال محتوى المناهج التعليمية، يغترف منها الفرد ما يغذي به وجدانه، ويدعم ممارساته المرغوب فيها؛ فلا يقع فريسة للروايات المصطنعة، أو الدخيلة، أو الحاملة لرؤى مشوّهة؛ ومن ثم يغدو التاريخ هوية نابضة بالحياة، يستحيل طمسها بكل السبل.

جلباب المناهج التعليمية تعزز المواقع الجغرافية في الأذهان؛ ليتحقق الوجدان من عمق الجيوسياسية الخاصة بوطنه؛ فيبدو دراسة التاريخ مرآة للحضارة المرسخة للولاء، والانتماء الجامع بين فقه الماضي، واستشراف المستقبل بلغة الوعي، المفعم بالمعرفة القويمة من مصادرها الموثوق فيها؛ ومن ثم فإنه لا يمكن النيل من خريطة قد سطرتها ملاحم ضارية، عبر حقب من الزمان، وذلك بذل في رسمها الدماء الذكية، والأرواح الطاهرة؛ بغية الحفاظ على وطن ملامحه واضحة، وباقية في الذاكرة الوطنية المصرية.

بيان الجذور الحضارية، تظهرها مناهج تعليمية؛ إذ تؤكد على مراحل التنمية، والازدهار، والنهضة عبر الزمان؛ ومن ثم تتشكل في الذاكرة الوطنية من خلال أنشطة، تبرهن على صورة الحياة المفعمة بالإنجازات، وزهو البناء، وأصالة التاريخ، وميراث الثقافة، والأثر الدال على فلسفة الفكر لدى الأجداد، الذي تتدارسها أمهات الكتب في شتى بقاع المعمورة، وهذا لا يخرج عن وصف صادق، ثابت بالشاهد، والدليل، بل، يدل على سردية أصيلة، حفظتها الأمم، واحتفى بها تاريخ مجيد، أكدت أحداثه على هوية لحضارة مستدامة، وباقية ما دامت الحياة.

تتناول مناهجنا التعليمية تاريخ مصر القديم، والحديث كسلسلة مترابطة، بداية من الفراعنة، مرورًا بالحضارات المتعاقبة في البلاد، من ثقافات جاءت بها اليونانية، والرومانية، والبيزنطية، والعربية، والمملوكية، وهنا نقف عند غاية أصيلة، تتمثل في الاتصال التاريخي، بما يشير إلى أن كل حقبة، تسلم الراية إلى التي تليها؛ لتبني على ما تركته عمرانًا، يضيف إلى صورة الحضارات المتعاقبة؛ ومن ثم يبقى الشعب، والأرض، والقيم كيانات ثابتة راسخة، لا تقبل التبديل، ولا التغيير، ويصبح من بنى الأهرامات هم أجداد منْ بنوا القاهرة الفاطمية، ومن حفروا قناة السويس، ومنْ استكملوا مراحل البناء، حتى يومنا هذا؛ لذا فإننا لا ننشغل البتة بماهية فراغ الهوية؛ فهي منا ببعيد.

مناهجنا التعليمية قد اهتمت بتدريس علم المصريات لفلذات الأكباد، منذ بداية سُلّم المرحلة التعليمية الأساسية، كمدخل رئيس، من أجل غرس قيم الانتماء، والولاء الوطني، من خلال تعريفهم بتراث أجدادهم، ووعيهم المتقدم في مجالات البيئة، والصحة، والبناء، والعلوم، التي أبهرت العالم منذ آلاف السنين، عبر فكر تخطيطي تربوي، وعزيمة، وإصرار، وفكر رشيد، في التعامل مع الأبناء؛ كي يدركوا مغزى وجود الكنيسة المعلقة، بجوار جامع عمرو بن العاص، والمعبد اليهودي، بجوار الحصن الروماني؛ حيث اليقين بأن هويتنا تشكل سبيكة متفردة، يستحيل فصل عناصرها؛ ومن ثم نعي بتجذر المواطنة لدينا نحن المصريين، وسر وحدتنا الوطنية.

جلباب مناهجها، يقوي مناعة أبنائنا من مفاهيم مغلوطة، تدعي الحرية، كسبيل للفوضى، والديمقراطية كمنهج للتطرف، وغيرها من المزاعم، التي تستهدف النيل من الثوابت، وتقويض مسيرة النهضة، والتقدم، بل إن التجذر، والانتماء من خلال أنشطة، تعمل على تعزيز الشعور بالعزة الوطنية، والثقة بالنفس الحضارية، وأن المكان هو أرض الوطن، والملاذ، وامتداد للوجود الشخصي، وأن تاريخنا نابضا، ويمثل الجذور، والهوية الشخصية، وأن المشاركة، والإيجابية، والرغبة في الإصلاح، والبناء، وحماية المقدّرات العامة، من مقتضيات المواطنة الصالحة.

محتوى الوعي الرشيد، عبر جلباب مناهجنا التعليمية نواجه به حروب الجيل الرابع، والخامس، التي تستهدف تشويه العقول، أو تزييف الحقائق، من خلال الشائعات، التي تُبثُ بصورة ممنهجة بأيد كتائب احترافية، وفي هذا الإطار الجامع، يمكننا القول بأن التعليم قضية أمن قومي، وخط دفاع، يعزز المناعة الفكرية، ويعد، ويؤهل الإنسان إلى الحياة قاطبة.. ودي ومحبتي لوطني للجميع.

-

أستاذ ورئيس قسم المناهج وطرق التدريس
كلية التربية بنين بالقاهرة _ جامعة الأزهر




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة