عصام محمد عبد القادر

التجسير العكسي وتصويب المشوب

الأربعاء، 14 يناير 2026 01:57 ص


أعتقد أن تصويب الفكر المشوب، لا نستطيع أن نحققه بعيدًا عن قاعدة رئيسة، تؤكد ضرورة الكشف عن الأسباب المؤدية إلى تغلغل الفهم البديل، أو الخطأ، أو المغلوط لدى الفرد، ورغم وضوح الصواب، أو الحقيقة، أو بيان الدلالة، والشواهد؛ إلا أن إزالة الرؤية المعتمة حول ماهية ما، أو تصور معرفي، أو ذهني، سواء أكان مرتكزًا على تجريد، أم واقع ملموس، يصعب أن تحدث بالطريقة القياسية، أو التقليدية التي نثبت من خلالها، عبر مقارنة عادلة الصواب من الخطأ؛ لأن التجذر المفاهيمي أخذ مساحة، وشغل نمط من أنماط التفكير، يزود الفرد بمنطقية القبول، بل، يساعده في أن يدافع عن قناعته، ولا يتزحزح عن موقفه تجاه ما يتبناه من آراء، أو تصورات، أو أطر فكرية لها طابع معين.

فلسفة التجسير العكسي تنبري على فرضية واضحة المعالم؛ إذ تهتم ببؤرة مكنون الفكرة، وكيف تكونت في سجايا الأذهان، وصارت في مراحل التشبع؛ ومن ثم يبدأ العمل على إصلاح الشبكة المفاهيمية المعقدة لدى الإنسان، وهنا نوقن جدوى النظرة الكلية للداخل، أو لِما يدور في الخاطر، وبناءً عليه، لا يتم التعاطي مع الخطأ بمفرده، بل، يؤخذ في الاعتبار السياق بأكمله؛ كي تحدث المراجعة، وتتوقف وضعية الدفاع من قِبل الفرد، ويبدأ بالاعتراف بالمنطق، الذي بنيت، أو أسست، أو زرعت على أساسه تصوراته، أو المعاني المعلقة في البني المعرفية، وعلى إثر ذلك نصل إلى مرحلة إيجابية، تتمثل في تنامي حالة من الصراع الداخلي، الناتج عن التباين بين الخطأ، والصواب بتفاصيله؛ ومن ثم يهرول العقل؛ ليكشف عن الموطن المغلوط، أو المتلبس؛ ليتأكد من الخلل، أو المنقوص لديه.

رحلة التجسير العكسي لم تنته بعد؛ لكن يحاول الفرد أن يصل إلى مراده؛ حيث المفهوم الصحيح، أو الفكرة النقية، أو المعنى السليم، أو المغزى القويم، وعندما يتحقق المنشود تبدأ مرحلة صناعة القرار، التي يبلور خلالها ما ينبغي أن يتخذه بعد المرور بمرحلة الترويّ، وهنا يستبدل دون وجل، أو خشية الفهم الخطأ بالدقيق، أو المنضبط، أو المحقق، أو المستقيم، أو الرشيد، والذي يتطابق مع رجاحة العقل، ويتناغم مع فلسفة المنطق المحكم، وبهذا نستطيع الإذعان بأن أفكار الإنسان، صارت في حيز القناعة، وأضحى البناء متينًا، وبات النيل منها عبر محاولات التشويه مستحيلة.

أرى أن سياق التجسير العكسي يعتمد على عمق النظرة للفكرة المشوبة؛ إذ تشير آلية التصويب إلى أن طريق وصول المعنى المشوب للأذهان، يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار، عند تصحيح الفهم المغلوط، وهذا يؤكد على ضرورة الكشف عن فرضيات جاءت في صورة تخمينات ذكية؛ لكنها لم تكن سليمة في كليتها، أو بعض منها، وهنا ندفع الفرد إلى أن يراجع موقفه، من خلال بوابة التحليل، التي تجعله يلامس الحقيقة بنفسه، ويعترف بالخطأ دون أن يظهر ذلك علانية، وبالطبع يحاول جاهدًا إذا ما أستعان بأحد، أو بمفرده، أن يتخلص من عوالق الفكر، غير القويم، عبر معايرة ما لديه، واستبداله بالبِني السليمة، وأعتقد أن هذا لا يتطلب منه بذل جهود مستقبلية، تجاه فرز الغثّ من الثمين، سواءً تعلق ذلك بمعلومات، أو بيانات، أو تشكيل رؤى، تعلقت بأُطروحات قامت في الأصل على توجهات فكرية.

لدىّ يقين بأن استراتيجية التجسير العكسي، تخلق لدى الإنسان ثقته بنفسه، وتقديره لذاته؛ كونه صاحب الفضل في تصويب ما لديه من معتقدات، أو أفكار، أو مفاهيم مغلوطة، وهذا دون مواربة مطلب رئيس في حقبة زمنية نمر بها؛ حيث تتعالى فيها محاولات الاستقطاب، ويحاول المغرضون أن يكرّسوا ماهية الانقسام؛ استنادًا إلى فلسفة الخلاف، لا من أجل مشروعية الاختلاف؛ حيث تتوافر النية، غير السوية التي تدفع الفرد إلى أن يتبنى الأحكام المتسرعة، دون مراجعة، أو محكية، تضمن صحة المسار، وسلامة القرار؛ لذا فإنه لا مناص عن طرائق بناءة، تسهم في إعادة البناء المفاهيمي لدينا؛ لتصبح قويمة؛ ومن ثم نصل إلى تشكيل بِنى معرفية، يعوّل عليها بناء المواطن الصالح.. ودي ومحبتي لوطني وللجميع.

--

أستاذ ورئيس قسم المناهج وطرق التدريس
كلية التربية بنين بالقاهرة _ جامعة الأزهر




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة