استغرقنى مشهد القاعة الفسيحة بدرجة أكبر من بقية التفاصيل؛ ليس عن افتتان بالشكل والتفات به عن المضمون، ولكن لأن المظهر ينطوى على إشارة إلى ما يتعين على الهيئة التشريعية الجديدة أن تسلكه على صعيد الجوهر، وأنها مدعوّة لأن تكون على قدر اللحظة من جوانب عدة: الزمان والمكان، والالتزامات التى تقع على عاتقهم بالظرف وطبيعة الدور، وكذلك المقدمات التى استبقت وفادتهم، وما تزال لديهم فرصة للتعقيب عليها بنتائج تغير تصورات الناظرين للمشهد من بعيد، وتتلاقى مع تطلعات مَن يُعوّلون عليه فى تدفيع مسيرة الإصلاح، والبناء المتدرج صعودا بالممارسة والتراكم.
يليق الصرح الباذخ لمجلس النواب فى العاصمة الجديدة بمصر، وعلى أعضائه واجب البرهان أنهم على الدرجة ذاتها من اللياقة والتناسب. ما يتطلب نشاطا مضاعفا ودأبا لا يكل ولا يمل، مع تعميق الاتصال عضويا بالشارع، وتفعيل كامل الأدوات البرلمانية، وصولا إلى صيغة من الأداء لا يتقدم فيها دور ولا يتأخر غيره، وتتكامل فيها مهام الرقابة والتشريع والمحاسبة، مع الطابع الخدمى الذى لا يمكن الفكاك منه حاليا، ويراه الناخبون مكونا أصيلا ضمن واجبات النائب، لحين عودة المحليات لتملأ الفجوة بين القاعدة الشعبية والجهاز التنفيذى للدولة.
انقضت الانتخابات بكل ما لها أو عليها، وصارت تفصيلا من ماضٍ لا بديل عن تجاوزه إلى وقائع الحاضر وحقائقه. كثيرون سجلوا ملاحظات فى وقتها، وأولهم رئيس الجمهورية الذى تدخل مبكرا لتصويب المسار بعد الربع الأول من الاستحقاق.
انضبطت الأمور لاحقا بما يكفى بالنسبة للبعض، واحتفظ آخرون بمواقفهم القديمة أو أعادوا تكييفها من منطق مغاير؛ لكننا اليوم إزاء مجلس كامل التشكيل والصلاحيات، وفى الأحوال الطبيعة سيبقى معنا لخمسة أعوام مقبلة، وعلى الجميع مؤازرته بالنقد قبل الإشادة، شريطة أن ينضبط بالتجرد والبُعد عن الهوى، كما يتعين على نوابه جميعا أن يتكاتفوا لبناء سردية تغير الأفكار الشائعة، وترد عمليا على الافتراضات النظرية المسبقة، وأن يكونوا عونا للمؤسسة بمجموع مكوناتها على كل واحد منها، بما يُرسخ صورة عامة إيجابية، ولا يحملها فى الوقت ذاته كلفة الممارسات الفردية.
لا شىء فى الدستور أو القانون يُرتب تغيير الحكومة مع انعقاد المجلس الجديد، ولكن العُرف قد يقود إلى تعديل شامل أو جزئى. وإذا تغير البرلمان بشرا وموقعا، وتبدلت بعض الوجوه أو كلها فى السلطة التنفيذية؛ فالحالة تقتضى بالضرورة نمطا جديدا فى الأداء على المستويين، ينعكس على يوميات العمل داخل كل فريق، وتمتد آثاره المنظورة إلى المواطن بشىء من الجدية والحيوية وكفاءة القرار والإدارة.
التوافق مطلوب بما لا يجور على مزية الاختلاف، والتكامل بين الدورين شرط أساسى للإنجاز فيهما معا، من دون أن يعنى ذلك أنهما كيان واحد، ودون أن يقصر النواب فى المساءلة، ولا أن يُغلب الوزراء مساحة القبول على هامش المعارضة.
تركيبة العضوية تختلف نسبيا عن الفصل التشريعى السابق. حزب الأغلبية فى المجلس المنقضى تراجع إلى حيز الأكثرية غير الحاسمة، وازداد المستقلون إلى 105 نواب يجاورهم 53 معارضا؛ ليُشكلوا معا قرابة 27 % من إجمالى الأعضاء، دون حساب المستقلين والمعارضين من 28 نائبا يمثلون 5 % يُعينهم رئيس الجمهورية بحسب الدستور.
وهى إن لم تكن كتلة وازنة، أو قادرة على تسييد رؤيتها أو تحديد وجهة العمل الرقابى والتشريعى؛ فبإمكانها أن تكون صوتا عريضا يعبر عن التنوع والاختلاف، ويضبط نغمة اللحن بالضابط السياسى والأخلاقى، وبقوة التأثير المعنوية التى تحققت فى برلمانات عديدة سابقا بأعداد أقل كثيرا من المتحققة حاليا.
ولا يغيب عن النظر ما يسوقه بعض الساسة والمراقبين بشأن المستقلين، وأن عددا منهم ينتمون لأحزاب ممثلة تحت القبة، أو على مبادئها، وما غادروها إلا لرغبة فى خوض المنافسة بعدما تجاوزتهم القوائم والترشيحات الحزبية.
وإن كان ذلك صحيحا بخصوص عدد منهم؛ فإنه ليس نهائيا فيما يخص استشراف وجهاتهم وانحيازاتهم فى لجان المجلس وجلساته العامة. يحظر القانون عليهم تغيير الصفة التى انتُخبوا بموجبها، ما يعنى أنهم ممنوعون من العودة لأحزابهم لخمس سنوات مقبلة، وحال التصويت الجماعى معهم فسيقدمون دعما للحزب من طرف واحد، مع تبعات ذلك على صورتهم أمام الناخبين، وفرصهم المأمولة فى الاستحقاقات المقبلة.
وبمقدور زملائهم من المعارضة وبقية المستقلين أن يكونوا قيدا معنويا ناعما عليهم، وأن يشدوهم إليهم بالتعقل والكياسة وحسن الأداء، أى بألا يقدموا تصورا عن مجافاة تيارات الموالاة باعتبارها صراعا خشنا، أو عداوة لا تقبل الحوار والتسويات الوسيطة العاقلة.
وإذا وجد المترددون أن البقاء على الحياد أو اختصام بعض القرارات والإجراءات لا يحرفهم عن معتقدهم السياسى أو ميلهم المعروف للدولة كبنية ومؤسسات ومصالح عليا؛ فلا شىء سيمنعهم وقتها من الحفاظ على الاستقلال، والاستفادة بمزايا الهامش الحر فى الحركة، وأن يكونوا رمانة الميزان وعامل ترجيح بالمنطق لا بالأيديولوجيا والحشد.
خريطة الأحزاب البرلمانية تشتمل على خمسة عشر عنوانا، أكثرها من المحسوبين على المعارضة أو يصنفون أنفسهم ضمنها، وإن كانوا الأقل فى عدد النواب. بعضها ازدادات مقاعدها عما كانت عليه فى المجلس السابق، وتعود الزيادة إلى التوسيع لها فى نظام القائمة، مع قصور واضح من جانبها فى المنافسة الفردية؛ حتى أن أغلبها تحصلت على مقعد أو اثنين بالكاد.
وبغضّ النظر عن كل كلام فى سعة الدوائر أو متطلبات الدعاية، فلا تخلو النتائج النهائية من إشارة إلى انحسار الحالة الحزبية وبُعدها عن الشارع، وأن الافتقار إلى الكوادر المؤهلة يفوق مستوى الفقر فى الأموال المطلوبة لتغطية الحملات.
وليس أدل من أن نحو 90 حزبا خارج التمثيل النيابى تماما، والشطر الأعظم منها لم يخُض السباق من الأساس، ما يثير أسئلة ضرورية عن علّة وجودها، وما إذا كانت إثراء للحياة السياسية بحسب المُفترَض فيها، أم عبئا عليها كما هو واقع الحال.
كل ما كان يُتداول فى الساحة وعلى المشاع العام، سينتقل بحكم المنطق إلى أروقة البرلمان بغرفتيه. من بحث الحالة الحزبية بإمكاناتها واعتلالاتها، أو التداول فى النظم الانتخابية، وإعادة النظر فى مخرجات الحوار الوطنى الذى دعا إليه الرئيس ورعاه منذ ربيع العام 2022.
ثمة تجربة ملموسة يمكن الاحتكام إليها والاحتجاج بها، والعمل الجاد على التعمق فيها بالفحص والتمحيص والمقاربات النظرية والعملية، وتقويمها بالسبل القانونية والإجرائية طيلة السنوات الخمس المقبلة، مع فرز ما يصلح للبقاء أو يتطلب معاودة إخضاعه للنقاش والتسويات سياسية الطابع، ومن منطلق أن السياسة ليست فن الممكن فحسب؛ بل الوصفة الأسلم للصراعات السلمية، وإدارة التفاوت والتناقضات فى الأفكار والعقائد، بغرض حراسة التوازنات الطبيعية بين المكونات جميعا، وليس تغليب أحدها وترقيته على حساب الآخر.
والديمقراطية من هذا المنطلق ليست حُكم الأغلبية فقط كما هو شائع فى التصور البسيط؛ إنما حماية الأقلية وإبقاء موطئ قدم لها تطل منه على المجال العام، وتسعى إلى المزيد من دون خسارة ما لديها بالفعل.
ومن هذا المنطلق؛ يمكن القول إنها تفعل فعلها الممكن فى السياق الراهن، بدليل أنها لم تسمح للقوى الكبرى بابتلاع منافسيها الصغار، وأبقت مجالا للاشتباك من الداخل، ينبغى العمل على تثبيته وتوسعته، وليس الانجرار وراء إغراء القفز به واستثماره من خارج المنظومة. والعبرة هنا ليست فى المشاركة الانتخابية وحدها؛ بل فى تكثيفها وتعظيم مردودها بمضاعفات قيمية تُثمّر القليل وتزيد تأثيره، ويقر فى يقينها ووعيها العميق أن الإصلاح مباراة متعددة الأشواط، لا تُحسم إلا بالنقاط وطول النفس.
شرعية المجلس غير قابلة للتجزئة بطبيعة الحال، ما يعنى أن للمستقلين والمعارضين حقوقا لا تقل عن زملائهم من تيار الموالاة، كما أن جدارة نواب القائمة والمعينين تتساوى تماما مع نظرائهم من الفائزين على المقاعد الفردية، سواء بعد التدخل الرئاسى أو فى دوائر لم تشهد أية تجاوزات.
استقرّت المراكز القانونية للأعضاء بمجرد إعلان النتائج، واكتسب المجلس شخصيته الاعتبارية الكاملة، وصار الجميع فى قارب واحد. أى أن عامل التقييم انسحب من طريقة الوصول للمقعد النيابى، إلى طابع الأداء تحت القبة بما يُمليه من احتكام للدستور والقانون، ويتعلّق به من إخضاع للرقابة الشعبية وإعادة تكوين الرمزية الجماعية والصورة الفردية لكل نائب فى دائرته، وأمام الجمعية العمومية للناخبين على امتداد مصر. ولا تتحقق فاعلية الأغلبية هنا إلا بأقلية قوية وكفؤة، والعكس أيضا، وعلى قدر أداء كل فريق ستكون قيمة الآخر.
وغرضى من الفكرة السابقة أن المرحلة الطويلة السابقة أضحت وراء ظهورنا فى الشارع، وينبغى على النواب أن يتجاوزوها إلى الحالة التى تشكلت بمجرد التئامهم فى الجلسة الإجرائية، وأداء اليمين الدستورية كآخر متممات اكتساب العضوية.
قد يظل جدل الانتخابات حاضرا لوقت قصير أو طويل، والمؤكد أن تيارا من المراقبين والمؤدلجين لن يتجاوزه تماما حتى موعد الانتخابات المقبلة؛ لكن الأغلبية الشعبية ستفتح صفحة بيضاء مع نوابها اعتبارا من الآن، ولن يُستعاد فيها الماضى إلا بقدر ما يوافق الحاضر طموحاتهم أو يجانبها.
والقصد أن الأعضاء الـ596 فى الوجه القانونى الدقيق لم يعودوا يمثلون دوائر فردية أو قوائم، بل ينوب كل واحد منهم عن البلد كله بالدرجة نفسها، ويُسأل أمام الشعب بكامله أيضا، ولا قيد عليه فى طريق الوصول للمجلس، كما لا ميزة إضافية للواصلين من طريق أخرى. والاعتبار الوحيد أن يكونوا قادرين على الوفاء بالتزاماتهم، ويعرفوا أن ما يُرمَى به أحدهم قد يصيب الجميع.
بدءا من تشكيل اللجان النوعية فى مقبل الأيام سيُفتَتح السطر الأول من المدونة الجديدة. حُسن الاختيار سيكون إشارة إيجابية مهمة، وذلك بعد حسم المنصة العليا وانتقاء وجه قانونى يتمتع بمقبولية عالية.
جدية الاضطلاع بالمهام، وحجم المشاركة وانتظام الحضور، وممارسة الأدوار البرلمانية الكاملة مع توظيف كل الأدوات المتاحة للنواب، ستحمل إشعارا للناس باختلاف منظور الرؤية وإيقاع العمل، وبأن المجلس ليس لديه ما يخشاه أو يبقيه طى الكتمان، وكل أعضائه على قلب مؤسسة واحدة ولو توزعوا على جناحى القاعة بين يسار ويمين.
وأبسط مواطن يعرف أن الاختلاف من طبائع الأمور، وكثيرها تحسمه الأغلبية فى آخر المطاف؛ إنما تتعين إراءته وإسماعه أن الطريق إلى الحسم لم يكن خاليا من الأشواك، لا على معنى المناكفة والمكايدة والتعطيل؛ ولكن أن الحصيلة الأخيرة نتاج أخذ ورد وفرز وانتقاء وتفاعل بين مزيج من الرؤى والأفكار المتضادة والمتفاوتة.
للعضوية شروط واضحة، ولزوالها أيضًا. ومن دون اختراق الحدود المُلزمة؛ لا يمكن لأحد أن يسلب عضوا حصانته ومركزه القانونى. أى أن حِمل كل نائب على عاتقه، وليس القصد أن يشق عصا الالتزام الحزبى؛ إذ ما يصح مع الفرد ينطبق على الحزب أيضًا، وهو مسؤول إزاء جمهوره وخاضع لرقابته.
الدولة مُحايدة بالأصل والمنطق، ونظام الحكم بلا لافتة سياسية أو ظهير حزبى، وكل ما يُقال خلاف ذلك لا يُبنَى عليه فى تقييم التيارات المتنوعة أو تقييدها، ولا يعدو أن يكون تأويلاً أو رجمعًا بالغيب، يُسأل عنه قائلوه ومَن يُوفّرون مادة للأقاويل.
والمجال لا يخلو من اختلاق واصطناع طوال الوقت، وحفلت الأيام الأخيرة بكثير من هذا فى أسماء المُعينين أو المُرجّحة أسماؤهم لقيادة المجلس، وتبيّن مع قرار الرئيس يوم الأحد، ثم مع الجلسة العامة أمس، أنها جميعًا بلا جذور راسخة، ولم تنطلق من معلومة حقيقية منضبطة.
يُعوّل الناس على المجلس الجديد، والدولة أيضًا تُعوّل عليه. التحديات الداخلية عديدة، والظرف الإقليمى مُعقّد وتتوالى فيه المخاطر والتهديدات، ومسيرة الإصلاح قطعت شوطا وتتبقى لها أشواط. والبرلمان ليس مُجرّد ضلع فى ثلاثية السلطة؛ بل عنصر أساسى فى منظومة القوّة الشاملة، بما يتوافر له من صلاحيات التشريع والرقابة، وما يُوفّره من إسناد ومؤازرة للإدارة السياسية، يُمثّل فيها المجموع الوطنى وينوب عنه. النواب فى امتحان كبير، والمصلحة لهم ولنا وللبلد كاملا أن ينجحوا فيه، ومن عميق قلوبنا نتمنّى لهم النجاح.