بيشوى رمزى

القضية المركزية.. من حالة إقليمية إلى واقع عالمي

الثلاثاء، 13 يناير 2026 09:00 ص


مفهوم القضية المركزية، ارتبط بمنطقة الشرق الأوسط، ويحمل علاقة مباشرة بالقضية الفلسطينية، منذ احتلال فلسطين في الأربعينات من القرن الماضي، ويتسم المفهوم، في الإطار الإقليمي، بقدر من المرونة، فقد يتراجع ويتقدم في أولويته، بحسب الظروف الجمعية والداخلية لدول الإقليم، إلا أنه لا يختفي تماما، وهو ما بدا في العديد من المراحل، وأحدثها إبان سنوات ما يسمى بـ"الربيع العربي"، عندما اندلعت الفوضى، وباتت التنظيمات الإرهابية خطرا داهما، إلا أن الالتزام بثوابت القضية، وعلى رأسها حل الدولتين، ظل راسخا، خاصة وأنها القضية الوحيدة العالقة منذ الحقبة الاستعمارية، وبالتالي إنهائها بحلول عادلة يمثل انتصارا لحق الشعب الفلسطيني، بينما في الوقت نفسه يعد بمثابة ضمانة لعدم التوسع، في المستقبل، بما يحقق حالة من الاستقرار الأعم والأشمل للإقليم بأسره.

وجود القضية المركزية في الشرق الأوسط، ساهم بصورة كبيرة، وإن لم يكن كاملة على خلق توافقات حول الهدف الرئيسي، حتى مع اختلاف الأدوات، وهو ما استثمرته إسرائيل ومن ورائها الولايات المتحدة، لتحقيق حالة من الانقسام بين معسكرين، أحدهما مقاوم وآخر معتدل، ولكن بالرغم من ذلك لم تتمكن من الوصول بهذا الانقسام لدرجة الكمال، فوحدة الهدف ساهمت، حتى وإن استغرق الأمر أكثر من عقدين، على جلوس القوى الإقليمية المتنافسة على مائدة حوار واحدة، والإجماع حول الثوابت، بل وبعضهم قدم تنازلات من أجل قدر أكبر من التواصل مع الأطراف الأخرى، فيما يمثل اعترافا ضمنيا بأهمية الدور الذي يلعبه كل طرف في إدارة القضية برمتها.

إلا أن ثمة تغييرات، تبدو طارئة على المفهوم، مع اتساع رقعة عدم الاستقرار لمناطق أخرى من العالم، حظت بقدر كبير من الاستقرار لعقود طويلة من الزمن، فالصراع المباشر دخل النطاق الأوروبي، مع اندلاع الأزمة الأوكرانية، في مواجهة روسيا، والتي تبقى في خانة الخصم التاريخي، في الوقت الذي تواجه فيه القارة تهديدات أخرى وغير مسبوقة من الحليف الأمريكي الذي أعلن رغبته في ضم أرض أوروبية (جزيرة جرينلاند)، بينما تمدد الصراع مؤخرا إلى أمريكا اللاتينية بعد المستجدات التي شهدتها فنزويلا، واحتمالات تدور حول تفاقمه ليشمل دولا أخرى، على غرار كوبا وكولومبيا.

غياب القضية المركزية في أوروبا، لعقود طويلة من الزمن، ساهم بصورة كبيرة في خلق حالة من الصراع الدائم في مرحلة ما قبل الحروب العالمية، في ظل الحقبة الاستعمارية، وهو ما سعت القوى الأوروبية بدعم أمريكي في تداركه عبر بناء الاتحاد، منذ تأسيس المجموعة الأوروبية للفحم والصلب، في الخمسينات في القرن الماضي، والذي كان اللبنة الأولى في تاريخ أوروبا الموحدة، والهدف إلغاء الصراع القائم بين القوى القارية، أو بالأحرى تحويله من صراع على النفوذ، إلى منافسة إقليمية لاسترضاء الحليف الأمريكي، فغابت السيادة الفردية للدول لصالح كيانين متوازيين، أولهما الولايات المتحدة باعتبارها صانع القرار في الغرب، والثاني هو الاتحاد القاري، الذي ذابت بداخله الهوية.

ولكن المستجدات الأخيرة تفرض حالة مركزية، تجتمع فيها أوروبا مع أمريكا اللاتينية، بينما تحمل مقاربة كبيرة مع الشرق الأوسط، وهي السيادة، خاصة مع التطورات في أوكرانيا، في ظل مباركة أمريكية للسلام دون استعادة الأرض، بالإضافة إلى رغبة واشنطن الملحة في ضم جرينلاند، في حين تبقى آخر التطورات في فنزويلا مع اعتقال رئيسها ومحاكمته خارج أراضيه، في الولايات المتحدة، وصولا إلى صورة نشرها الرئيس دونالد ترامب يصف نفسه بـ"رئيس فنزويلا المؤقت"، وتعيين ماركو روبيو حاكما لكوبا، تمثلها في مجملها أن المركزية باتت تتحول من الحالة الإقليمية إلى حالة عالمية عابرة للأقاليم، تدور كلها حول كلمة واحدة، وهي السيادة، ففلسطين تبحث عن السيادة وأوروبا ترغب في حماية السيادة، وأمريكا اللاتينية باتت سيادتها منتهكة.

وهنا يبقى التساؤل، حول ما إذا كانت المركزية أصبحت قضية واحدة تحمل عدة أفرع أم أنها حالة عالمية ذات قضايا متفرقة..

ويبدو الفارق كبير عند التشخيص، فلو أصبحت المركزية قضية واحدة، وهي السيادة، ربما يدفع هذا نحو تكامل القضايا رغم تباعدها الجغرافي، ربما اختلاف تفاصيلها وظروفها التاريخية، واندماجها في بوتقة واحدة، وبالتالي يصبح الانتصار في أحدها بمثابة سابقة دولية تخدم الأقاليم الأخرى، بينما لو أصبحت حالة، ستتحول القضايا نفسها نحو التنافس حول أولويتها على الأجندة العالمية.

فكرة بناء السوابق، بمثابة الضمانة الوحيدة لحماية القانون الدولي في اللحظة الراهنة، خاصة مع تراجع دور الكيانات المخول لها ذلك، وعلى رأسها الأمم المتحدة، بينما يمثل تكرارها عرفا، يبنى عليه في الأساس القانون الدولي، وهو النهج الذي تتبناه واشنطن نفسها، عبر أساليب متنوعة، منها الموقف من أوكرانيا، باعتباره سابقة يمكن البناء عليه في منطقتها، وحتى مع لقاء الرئيس ترامب مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين في ألاسكا، وهي أرض روسية باعتها من قبل لأمريكا، في إشارة ضمنية لرغبة الأخيرة في الجزيرة الدنماركية التي أثارت الجدل في الشهور الماضية.

وهنا يمكننا القول بأن البحث عن قضية مركزية لم يعد مرتبطا بإقليم بعينه، وإنما يمكنها أن تكون قضية عالمية، شريطة اعتمادها كفرصة لبناء سوابق من شأنها تغيير قواعد اللعبة، أو بالأحرى استعادتها نحو قدر من التوازن المفقود، عبر تحقيق حالة من التكامل بين القضايا والخروج من حافة التنافس فيما بينها، ليصبح الانتصار في أحدها انتصارا للكل، يمكن البناء عليه في المناطق الأخرى، وهو الأمر الذي يمثل ضمانا دوليا لحماية السيادة من أية محاولات لانتهاكها، سواء في صورة تدخل مباشر أو حتى عبر مبدأ "البيع والشراء".

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة