في أحد المراكز الهادئة لرعاية المسنين، وبين وجوه أنهكها الزمن وذكريات تتلاشى مع مرض الزهايمر، ظهرت زائرة غير مألوفة على الإطلاق. ليست ممرضة جديدة ولا طبيبة متدربة، بل كلبة آلية صغيرة تدعى "جيني"، تتحرك بعينين لامعتين وذيل يهتزّ استجابة للمسات من حولها، لتمنح الدفء والابتسامة لمن فقدوا القدرة على تذكر حتى أقرب الناس إليهم.
في عالم يزداد فيه عدد مرضى الزهايمر، يبدو أن “جيني” لا تمثل مجرد إنجاز تقني، بل لمسة إنسانية تعيد معنى التواصل والدفء إلى حياة من أرهقهم النسيان.فوفقًا لتقرير نشره موقع Everyday Health، طوّرت شركة امريكية هذا الروبوت الفريد ليكون أكثر من مجرد لعبة متقدمة. فهو مزيج من التكنولوجيا والذكاء الصناعي والتصميم العاطفي، صُمم خصيصًا لدعم المصابين بمرض الزهايمر والخرف، من خلال محاكاة سلوك الكلاب الحقيقية بطريقة واقعية جدًا تساعد في تهدئة القلق، وتخفيف مشاعر الوحدة والعزلة التي يعيشها المرضى.
روبوت على هيئة صديق
يبلغ وزن “جيني” نحو ثلاثة كيلوجرامات فقط، وتبدو في شكلها مثل جرو لابرادور صغير. تم تصميمها بحيث يمكن وضعها في الحضن أو على الطاولة أمام المريض دون أن تسبب خطر السقوط، على عكس الروبوتات المتحركة.
تستجيب “جيني” للمس والصوت عبر مجموعة من الحساسات الدقيقة، فتهزّ ذيلها وتحرّك حاجبيها، وتصدر أصواتًا خفيفة تشبه التنفس والنباح الهادئ، مما يخلق تفاعلًا فوريًا مع المريض، ويحفّزه على التواصل والكلام من جديد.
في زيارتها الأخيرة لأحد دور رعاية المسنين، جلس كبار السن في البداية بصمت تام، لكن ما إن وُضعت “جيني” في وسطهم حتى تغيّر المشهد تمامًا. بدأت الضحكات تعلو، والأيادي تمتد لمداعبتها، وانهالت الذكريات عن الحيوانات التي امتلكوها في شبابهم. إحدى السيدات احتضنتها قائلة: “كم اشتقت لكلبي القديم”، بينما همس آخر: “هذه تشبه من كنت أراها كل صباح”.
كيف يمكن لجيني مساعدة مرضى الزهايمر؟
يشرح توم ستيفنز، مؤسس الشركة المصنعة أن الفكرة وُلدت من تجربة شخصية، حين اضطر والدته المصابة بالزهايمر إلى التخلي عن كلبها الحقيقي خوفًا من نسيانه أو إيذائه دون قصد. من هنا جاء التفكير في ابتكار بديل يمنح الإحساس نفسه بالألفة، لكن دون مسؤولية أو خطر.
ويضيف أن “جيني” صُممت خصيصًا لتخفيف ما يُعرف بالأعراض السلوكية والنفسية للخرف، مثل القلق، والاكتئاب، ونوبات الغضب، والهلوسة، وحتى اضطرابات النوم.
تشير دراسات سابقة إلى أن استخدام “أشياء مريحة” مثل الدمى أو الحيوانات الافتراضية يمكن أن يهدئ المرضى، لكن “جيني” تتفوق في كونها تتفاعل بطريقة ذكية ومستمرة، ما يجعلها قادرة على بناء رابط عاطفي حقيقي مع المريض.
بين العلم والمشاعر
أثناء التجربة في دار الرعاية، لاحظ الأطباء والممرضون أن المرضى الذين كانوا يرفضون التحدث أو المشاركة أصبحوا أكثر استجابة بعد دقائق من التعامل مع “جيني”. أحد الأطباء قال إنهم شهدوا انخفاضًا في مستويات التوتر والانفعال لدى المقيمين الذين استخدموها بانتظام.
الملفت أيضًا أن الكلبة الآلية تساعد في تقليل الاعتماد على المهدئات والأدوية النفسية، إذ تمنح المرضى حالة من الطمأنينة الطبيعية تشبه وجود كائن حي بجانبهم، دون أي آثار جانبية.
التكنولوجيا خلف المظهر الودود
لتبدو “جيني” واقعية بهذا الشكل، تعاونت الشركة المصنعة مع ورشة Jim Henson’s Creature Shop، وهي الجهة التي ابتكرت شخصيات الدمى الشهيرة في السينما والتلفزيون. صُنعت الكلبة من مواد مرنة تتيح حركة طبيعية، وزُودت بمحركات دقيقة تجعل حركاتها ناعمة وقريبة من الكائنات الحقيقية.
يرتبط الروبوت بتطبيق على الهاتف الذكي يتيح تعديل سلوكها أو تتبّع تفاعل المريض معها، وهو ما يجعلها أداة علاجية يمكن تخصيصها حسب احتياجات كل مستخدم. وتعمل البطارية لمدة يوم كامل قبل أن تحتاج إلى شحن ليلي بسيط.
تكلفة باهظة لكن مستقبل واعد
سعر “جيني” يصل إلى نحو 1500 دولار، ما يجعلها بعيدة المنال بالنسبة لبعض العائلات، إلا أن الشركة تسعى للحصول على اعتماد من هيئة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) باعتبارها جهازًا طبيًا يمكن تعويض تكلفته ضمن برامج الرعاية الصحية.وتشير التوقعات إلى أن آلاف الأسر ومراكز الرعاية على قوائم الانتظار للحصول على نسختها من الكلبة الذكية، بعد النجاح العاطفي والنفسي الذي حققته التجارب الأولى.