في ظل التحديات المائية الراهنة، لم يعد تطوير قطاع الري مجرد خيار، بل أصبح ضرورة استراتيجية تفرضها متطلبات التنمية المستدامة، ومن هنا، انطلقت وزارة الموارد المائية والري نحو تدشين "الجيل الثاني لمنظومة الري 2.0"، وهو مشروع قومي متكامل يهدف إلى تحديث البنية التحتية المائية وتطوير سبل إدارتها.
ويبرز "المحور الثاني" من هذه المنظومة كركيزة أساسية، حيث يركز على التحول الرقمي الشامل، وبناء قواعد البيانات الدقيقة، والاعتماد على التكنولوجيا الحديثة مثل طائرات "الدرون" لمراقبة المجاري المائية، مما يمثل نقلة نوعية في تاريخ إدارة الموارد المائية المصرية.
"الدرون" عيناً للوزارة
ولأن الاعتماد الكلي على الرصد البشري التقليدي قد تشوبه الثغرات، بدأت الوزارة فعلياً في استخدام طائرات "الدرون" كأداة رقابية فائقة الدقة لمتابعة شبكة المجاري المائية الممتدة في كافة أنحاء الجمهورية.
هذه التقنية تتيح للمهندسين وصناع القرار الحصول على صور حية وخرائط دقيقة للمجاري المائية، مما يسهم في رصد أي تعديات على حرم النيل أو الترع في مهدها، فضلاً عن متابعة جودة أعمال التطهيرات ونظافة المجاري المائية من الحشائش.
ويضمن هذا النظام الرقابي يضمن وصول المياه إلى نهايات الترع بالكميات والتوقيتات المطلوبة، مما ينعكس بشكل مباشر على زيادة الإنتاجية الزراعية وتوفير كل قطرة مياه من الهدر.
تيسير الإجراءات وحماية الموارد
وفي إطار سعي الدولة لرقمنة الخدمات المقدمة للمواطنين، حققت الوزارة إنجازاً ملموساً بالانتهاء من "منظومة التراخيص الإلكترونية" لطلبات حفر آبار المياه الجوفية، و هذا التحول الرقمي في منظومة التراخيص يهدف إلى القضاء على البيروقراطية وتقليص زمن الحصول على الخدمة، مع ضمان وجود قاعدة بيانات مركزية دقيقة ترصد عدد الآبار ومعدلات السحب من الخزانات الجوفية.
إن الربط الإلكتروني يمنع العشوائية في استغلال المياه الجوفية، ويضمن أن عمليات الحفر تتم وفقاً للدراسات الفنية المسبقة، بما يحافظ على هذا المورد الاستراتيجي للأجيال القادمة ويمنع استنزافه بشكل غير قانوني.
إدارة الأصول والكوادر البشرية برؤية رقمية
لم تتوقف الرقمنة عند حدود الميدان، بل امتدت لتشمل "المطبخ الإداري" للوزارة، حيث تم الانتهاء من إعداد قواعد بيانات شاملة لكافة المنشآت المائية، وأعمال التطهيرات، والمعدات، والسيارات.
هذه الخطوة تمثل "أرشفة ذكية" لكافة أصول الدولة التابعة للوزارة، مما يسهل عمليات الصيانة الدورية وتوزيع المعدات بناءً على الاحتياجات الفعلية لكل قطاع.
وبالتوازي مع ذلك، يجري العمل حالياً على رقمنة ملفات الموارد البشرية وأملاك الري والتراخيص بجهات الوزارة المختلفة، مما يسهم في خلق بيئة عمل تتسم بالشفافية والسرعة في اتخاذ القرار المستند إلى أرقام وبيانات دقيقة ومحدثة لحظياً.
تعظيم الموارد ودعم الموازنة
ومن أبرز ملامح هذا التحول الرقمي، العمل الجاري على إعداد منظومة إلكترونية متطورة لتحصيل مستحقات الوزارة المالية، تهدف هذه المنظومة إلى تسهيل إجراءات سداد مقابل حق الانتفاع بأملاك ومنافع الري، بالإضافة إلى تحصيل قيم مخالفات تبديد المياه وغيرها من المستحقات.
إن ميكنة إجراءات التحصيل لا تهدف فقط إلى التسهيل على المواطنين والحد من التعاملات النقدية، بل تمتد لتشمل دعم موازنة الدولة وتعظيم موارد الوزارة، وهو ما سينعكس بدوره على رفع كفاءة ومستوى معيشة العاملين بالوزارة، وضمان استدامة أعمال الصيانة والتطوير للمنظومة المائية ككل.
نحو مستقبل مائي مستدام
إن ما يتم تنفيذه اليوم ضمن الجيل الثاني لمنظومة الري ليس مجرد تحديث تقني، بل هو تغيير جذري في فلسفة إدارة الندرة المائية، فمن خلال دمج التكنولوجيا في كل مفاصل العمل، من مراقبة "الدرون" إلى التحصيل الإلكتروني، تضع مصر نفسها على طريق الريادة في إدارة الموارد المائية.
جدير بالذكر أن المتابعة المستمرة لهذه المنظومات تضمن استدامتها وتطويرها بما يواكب المستجدات العالمية، لتظل قطرة المياه المصرية دائماً في مأمن، ولتستمر منظومة الري في أداء دورها كشريان حياة للتنمية الشاملة في البلاد.