لقد وهب الله تعالى أرض مصر إرثاً حضارياً ضارباً في عُمق الزمن، جعلها تمتلك من المقومات الثقافية ما يؤهلها لتكون رائدة الدبلوماسية الثقافية؛ فمصر ليست مجرد وطن تحدّه الجغرافيا، بل كانت - ولا تزال - مشكاةً حضاريةً يشعّ نورها على العالم أجمع. فمن معابد الفراعنة التي تروي قصص الخلود، إلى الأزهر الشريف جامعاً وجامعةً ومنارةً تهدي التائهين في دروب العلم، إلى الفن المصري الذي عزف ألحان الهوية، ظلّت مصر مهوى الأفئدة ، ومرفأ الباحثين عن الحضارة والمعرفة .
في كتابها “الدبلوماسية الثقافية بين الأصل والصورة ” قدّمت النائبة الدكتورة جيهان زكي أستاذ علوم المصريات بجامعة السوربون تحليلًا عميقًا لهذا المفهوم، مؤكدةً أن الثقافة المصرية ليست مجرد رصيدٍ حضاري، بل أداةٌ استراتيجيةٌ يمكن أن تعزز مكانة مصر على الساحة الدولية. ومن خلال استعراضها لتاريخ الدبلوماسية الثقافية المصرية، شدّدت على أن إعادة تفعيل هذه القوة الناعمة يتطلب رؤيةً متكاملةً تجمع بين الإرث العريق ومتطلبات العصر الحديث.
ومنذ تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي الحكم، كانت الثقافة في صميم استراتيجيته لتعزيز مكانة مصر عالميًا، إيمانًا منه بأن الفنون، والتراث، والتعليم، والتبادل الثقافي هي أدواتٌ فعالةٌ في مدّ جسور التواصل بين الشعوب. وقد انعكست هذه الرؤية في سلسلة من المبادرات والمشروعات الكبرى التي تهدف إلى إحياء الهوية الثقافية المصرية وتعزيز حضورها الدولي. كما تجلّى هذا التوجه بوضوح في تصريحات فخامته الأخيرة بشأن تفعيل دور المؤسسات الثقافية للارتقاء بالذوق العام، وترسيخ القيم الفنية والفكرية التي تعكس عراقة مصر وريادتها الحضارية.
فكما كانت السينما المصرية في الماضي سفيرًا ثقافيًا لمصر في العالم العربي، وكما لعبت الدراما دورًا في تشكيل وجدان الأجيال، فإن توجيهات الرئيس السيسي تعكس وعيًا بأهمية استعادة هذا الدور، وتقديم محتوى يليق بمصر، وينقل صورة مصر الحضارية للعالم. فالدبلوماسية الثقافية لا تكتمل دون فنٍ راقٍ، ودراما تعكس الهوية.
عزيزي القاريء، إن كنا ندرك حقًا أن الثقافة ليست ماضيًا نتغنى به، بل سلاحًا نعبر به نحو المستقبل، فإن الرهان الحقيقي اليوم ليس فقط على ما ورثناه من حضارتنا، بل على كيف سنصنع من هذا الإرث جسورًا تمتد نحو العالم، وترسم ملامح الغد .
لم تعد الدبلوماسية الثقافية المصرية خيارًا تكميليًا، بل باتت ضرورةً استراتيجيةً في عالمٍ تُصنع فيه التحالفات، لا بالقوة العسكرية وحدها، بل بمدى قدرة الدول على تصدير ثقافتها وترسيخ حضورها في وجدان الشعوب. فالدبلوماسية الثقافية ليست فقط جسرًا يُعيد لمصر حضورها العالمي، بل هي أحد المفاتيح الأساسية لمستقبلٍ أكثر تأثيرًا، وأكثر إشراقًا وأكثر حضوراً .
تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة