تلاقت إراداتٌ محليَّة وخارجيَّة على إطاحة نظام الأسد. اتَّحدَ المسارُ واختلفت الغايات، وبات مطلوبًا التوفيق بين توجُّهاتٍ شَتَّى. الشعبُ لم يَكُن يطلبُ إلَّا الحريَّة وحقوقه الضائعة، والميليشيات امتزجَتْ لديها البواعثُ الوطنية مع الثارات الشخصيَّة والمطامع الأُصوليَّة والالتزامات العابرة للحدود.
وثمّة طيفٌ ثالثٌ قادَتْه حساباتٌ جيوسياسيَّة مُتنوِّعة ومُتناقِضَة، بعضه يُريدُ الدولةَ الضامنة من الانفلات ومخاطر التجزئة والنزعات الانفصاليَّة، وآخرون يتطلَّعون لتعميق الانقسام، أكان فى مستواه الاجتماعى والنفسىِّ خفيض الصوت، أم بالحديد والنار، وبإطلاق السكاكين فى الخريطة طولاً وعرضًا.
آل المشهدُ لسيولةٍ ظاهرةٍ بعدما انفضَّ سامرُ «آل الأسد». وانتقلت العُهدةُ بحُكم الأمر الواقع من نظامٍ شُمولىٍّ مُتسلِّطٍ، إلى حركةٍ دينيَّةٍ مُغلَقةٍ على ذاتها. والأخيرةُ مشدودةٌ اليومَ بين استحقاقاتٍ عاجلة، وديونٍ واجبة السداد، ومُعوِّقاتٍ تفوقُ طاقتها حينًا، ولا تُناسِبُ تطلُّعاتها أحيانًا. وعليها المُواءمة بين أجندتِها الخاصَّة، وإملاءات الرُّعاة المموِّلين، وما تسمحُ به الظروف المحيطة فى ضوء توازُنات القوى الإقليمية والدولية.
تُحَمِّلُ هيئةُ تحرير الشام نفسَها أعباء جثيمةً إنْ تصدّت للمرحلة بمُفرَدِها، ويُحمِّلها الآخرون ما يتخطَّى قُدراتِها؛ لو افترضوا فيها صورةَ البطل المُنقِذ. والماضى ما يزالُ حاضرًا بسطوتِه الثقيلة، وحاكمًا فى النظر لكلِّ الأطراف.
أنفقَ «الجولانى» سنواتٍ فى تثبيت صُورتِه الإرهابية الخَشِنَة، ولا تكفى بضعةُ أسابيع لتعديل السرديَّة، كما أنَّ ما أحدثَه «بشَّار» بالفرديَّة والاستبداد، سيظلُّ هاجسًا تجاه السلطة ومخاطر التكرار.
حُبِسَتْ سوريا فى قُمقم البعث، واختزلَها حافظ الأسد فى شخصِه، وهكذا فعل ابنُه من بعده. وما حدث على مدى العقود الخمسة الماضية، ثمَّ فى الحرب الأهلية المُشتعلة منذ شتاء 2011؛ إنما يعودُ بالأساس إلى الشموليَّة، والهيمنة الانفراديَّة، والنظر للمجتمع كفُسطاطَيْن: موالاة تحت السقف، ومُعارضة لا هامشَ لها؛ مهما بدت مُتعقِّلةً وأمينةً ورشيدةَ القول والفعل.. وأخطر ما يفعلُه الورثةُ الجُدد لبشّار، أن يُعيدوا إنتاجَ دولتِه الساقطة.
ظاهرُ الصورة البسيطُ يُؤشِّر على العائليَّة والمذهبيَّة وشبكات المصالح، وجوهرُها الفرز والاستبعاد، وتجنيب الأغيار على أرضيّةِ الانتماءات الأوّليَّة. والخروج من الميراث الثقيل إنما يتطلَّبُ الانقلابَ على خطوطِه العريضة، وثوابتِه الحاكمة، والبحث عن مساراتٍ مُحدَّثةٍ لا تقترفُ الأخطاء ذاتَها، ولا تُؤطِّرُ العمليَّةَ السياسية بما يتجاوز طبيعتها الحركيّة الدائبة. صحيحٌ أنَّ مراحلَ الانتقال قد تتعثَّرُ قليلاً، وتنفتحُ شرايينُها بين الفوران والنزيف؛ إلَّا أنَّ السلامةَ تتأمَّن حصرًا من سُرعة التشخيص ودقَّة العلاج.
لم يأتِ «الأسد الصغير» بالمُصادفة أو رخاوة المجتمع؛ إنما رفعَه رباطُ الدم وثبَّتَتْه القوَّةُ الغاشمة. و»الجولانى» أيضًا لم تنتخبه الأيَّامُ بديمقراطيَّةٍ خالصة؛ بل جاء محمولاً على صهوة الميليشيات الدينيَّة، ومدعوما بسلاحِها.
الثورةُ التى ابتدأها صِغارُ «درعا» قبل ثلاث عشرة سنة، انتهت فى شتاءٍ لا يقلُّ برودةً إلى بديلٍ من النوعيَّة ذاتِها. كان الرئيسُ طائفيًّا تُحرِّكه حساباتٌ خارجيَّة، وها هو الوريثُ يُهذِّبُ لحيَتَه؛ لكنه لا يُداريها، والذين رفعوه لمُرتَقَى السُّلطة قادرون على إطاحته، وفى عُنقِه ما يُشبِهُ البَيعةَ لآخرين لا يختلفون عن أصحاب البِيَع السابقة.
هلَّل المنكوبون لأنَّ دابةَ الأرض أكلَتْ منسأةَ الزعيم، وكانوا سيُهلِّلون للشيطان نفسِه لو حَلَّ عنهم ربقةَ الذلِّ والاستعباد. الفرحةُ فى الراحل ليست بالضرورة تسليمًا للوافد، أىْ أنَّ ما يخصُّ الناس من الحالة الراهنة، أنهم يَهجون سجَّانهم القديم ويبصمون على إغلاق زنازينه؛ لكنهم لا يُعبِّدون الطريقَ لسجِّانٍ جديد، ولا يُوقِّعون عقودَ الإذعان لمسارٍ لم تتَّضح معالمُه بعد.
ويُخطئُ الأُصوليِّون والذين من خَلفِهم؛ لو توهَّموا فى الإجماع على نَفضِ الصيغة الأسديَّة، إجماعًا مُعاكسًا ومُتلازِمًا على الدخول فى العباءة الجُولانيَّة.
باختصارٍ؛ فاتحةُ الثِّقَة تولَّدت من الحدث، ولا تُعبِّر عن قيمةٍ فى الذوات، ولا عن اعترافٍ شعبىٍّ بالفضل والمَكانة. والمعنى؛ أنَّ القبولَ الحاضرَ بالجولانى وهيئته إنما يتَّصل حصرًا بانتصارهم على الغريم المُشتَرَك؛ لكنَّ الموثوقيَّة الكاملةَ ليست حاضرةً بعد، ويتطلَّب الوصولُ إليها دأبًا فى العمل لا الكلام، وإقناعًا حقيقيًّا للجمهور العريض بالشراكة الفاعلة، وبأنَّ الصاعدين تحت ظلال البنادق ينوبون عنهم بموضوعيَّةٍ واعتدال، وأنَّ الحال ليست مُجرَّد إحلال هراوةٍ محلَّ أخرى.
سيفهمُ الشارعُ قَطعًا أنَّ السياق لا يحتملُ الانفتاحَ الشامل، ولا الديمقراطيَّة المثاليَّة الناضجة، واللحظة قد تقتضى شيئًا من الحَسْم والمركزيَّة؛ لكنَّ الشُّبهةَ التى تُرافِقُ سلوكيَّات الاستبداد؛ تفرِضُ على القيادة الظرفيَّة أنْ تُكثِّفَ رسائلَ الطمأنة، وتُواكِبَ سياساتِها الاضطراريَّةَ، بمُداولاتٍ يوميَّةٍ تُرشِّدُ الآثار، وتبشِّر بالبدائل، وتُظهِرُ رغبةً صادقةً فى البحث عن أبوابٍ لإيلاج القُوى الشريكة، ووَضعِها فى قلبِ الحالة الوطنيَّة الجامعة.
على الجمهور أنْ يُفوِّتَ بعضَ الأمور، وعلى مُتصَدِّرى المشهد أنْ يُقدِّموا الضمانات. وإذا كان مقبولاً ألَّا تُستَدْعَى المُكوِّناتُ المُتصارعة للحوار الآن؛ فليس مفهومًا أنْ ينفردَ «الجولانى» بتركيز هياكل السُّلطة الجديدة دون حضورٍ لأىِّ مُكوِّنٍ آخر، وأنْ يُوقِّعَ بياناته بالإشارة إلى «المجلس الوطنىِّ الانتقالىِّ» الذى تشكَّلَ سرًّا، أو لمْ يتشَكَّل أصلاً وتُتَّخَذُ الصِفَةُ لتغطية إدارته الفرديَّة. وكذلك تشكيل الحكومة المُؤقَّتة من دائرة إدلب، دون إشراكٍ أو مُشاوَرَة.
الطامَّةُ الكُبرى أنْ يصمتَ القائدُ عن العدوان الإسرائيلىِّ. لقد ثار السوريِّون لأنَّ «بشَّار» مارسَ عدوانًا غاشمًا عليهم، ولا فارقَ بين البشر والحجر. الصهاينةُ لا يُمكن أنْ يكونوا أقربَ من الشيعة، وطهران ليست أخطرَ من تل أبيب. وإذا كان مُزعجًا أنْ يسكُتَ «الجولانى» على احتلال مئات الكيلو مترات، وعلى قصف مُعسكرات الجيش وقواعده؛ فالصدمةُ أن يخرُجَ مُجاهرًا بأنَّ تحرُّكات العدوِّ تجرى بالتوافق معه، ما يعنى أنه لا يعترضُ على تدمير مُؤسَّسات الدولة، ولا على اقتطاع أرطالٍ من لحمِها الحىِّ.
يُسدِّدُ الرجلُ الفواتيرَ المُتراكِمَة على التنظيم، أو يلتزمُ الاشتراطات الواجبة لتمرير سُلطته، والاعتراف بها وتثبيتها. قد يتطلَّع من وراء التحالف مع الاحتلال لأنْ يُؤمِّنَ ظهرَه، أو يحوز رضا الولايات المُتَّحدة، ويتخلَّص من ورقة الجيش وأثقالها بطريقةٍ ناعمة.
يصعُب تكرار سيناريو بول بريمر بعد إطاحة صدَّام حسين؛ إنما يُمكن أن يقع التفكيكُ المطلوب بغِلظةٍ من الخارج، وكلاهما صيغةُ تطويعٍ وتكسير.
العلاقةُ السويّة أنَّ الميليشيا أطاحت النظام لصالح الشعب، والتعاقُد على إدارة الانتقال حِبرُه إنهاءُ زَمن البعث؛ إنما نصُّه الوطنيَّةُ والرُّشد والمراكز المُتكافئة ماديًّا ومعنويًّا. الخروج على أىٍّ منها تكرارٌ لخطايا النظام، ونَقضٌ للاتفاق الضمنىِّ مع أصحاب الحقِّ الأصليِّين. وقد يحتملُ معنى انفصال المُسلَّحين عن الشعور العام، وأنهم لا ينشغلون به، ولا يستمدّون منه الشرعيّة والصِّفَة.. أى أنهم يلعبون لصالحهم؛ لا ضمن مُنتخب الدولة السورية.
من هُنا؛ قد تسقطُ الثقة فى العهد الجديد. لا لأنّه فرَّطَ فى مُقدّرات الوطن فحسب؛ بل لأنه يُقدِّم نفسَه على بقيَّة المُكوِّنات، ويَضعُ أغراضَه المُعلَنَة والمُضمرة فوق الأجندة الوطنيَّة الصافية.
ومع التيقّن من أنَّ الشعب لن يقبلَ تعبئِتَه فى الجيب الخلفىِّ للأمير، ولا قصقصة سوريا لتكون على مقاس الهامش المسموح له بالتحرُّك فيه؛ فإنَّه بهذا لا يُصبِحُ نائبًا عن الجمهور أو مُمثِّلاً له، بقدر ما يَنتَسِبُ لسادته الخارجيِّين، ويُعوِّل على قبضته العارية. حُكمٌ بقوّة السلاح لا أكثر.
واحديّةُ الرؤية والقرار، مع انعدام الخبرة والكياسة؛ ستنصرفُ حتمًا إلى ترويض الإدارة الجديدة بأرشد الطُّرق وأيسرها، وبعيدًا من الاستفادة بالحاضنة الشعبية وما يُمكِنُ أنْ تُمثّله من ضغوط.
ستتداعى الخسائرُ وراء بعضها، ويعلو الغضبُ المكتومُ، ولا بديلَ مُستقبلاً عن الانفجار. وقتَها ستكون الميليشيا أشرسَ، والشارعُ شديدَ الاشتعال، والبيئةُ المحيطة مُعبّأةً بالنفط والبارود. سوريا يُمكن إدراكُها الآن، وقد تصير المهمَّة مُستحيلةً فى الغد.
اعتبرَتْ واشنطن أنَّ إطاحة النظام خطوةٌ استراتيجية عظيمة على الطريق الصحيح، وقالت إنها ستُراقِبُ الأفعالَ لا الأقول، بينما ترشَّحَ عن مسؤولى إدارة بايدن ما يُبشِّر برفع العصابة الأُصوليَّة من قائمة الإرهاب.
خلطُ الأوراقِ هُنا ينبع من المُزاوجة الإجباريَّة بين سقوط الأسد وصعود الجولانى، بينما لا علاقةَ بين المسألتين. وامتداحُ الغرب للخلاص من نظامٍ بائس وصانعٍ للبؤس، وهو ما ليس محلَّ خلافٍ فى أغلب الشرق، لا يعنى بالتبعية إهدارَ الدولة، أو التضحيةَ بفُرَصِ إنقاذها وإنعاشها وإبعادها من طريق الضياع.
كثيرون ينظرون للحالة من منظارٍ أيديولوجىٍّ بحت. الرجعيّةُ سيّدة الموقف؛ إمَّا انحيازًا لخطابٍ سُنّىٍّ يتقدَّم، أو تشفّيًا فى مُنافسٍ شيعىٍّ ينتكسُ، يلعبان فى الظاهر ضدّ بعضهما، ويُحرِّكهما آخرون من الكواليس.
كراهية الشيعيّة المُسلَّحة وسلوك طهران، وما أنزله «محورُ المُمانَعة» بالمنطقة، تدفعُ تيَّاراتٍ من اليمين واليسار لقَبول أىِّ شىءٍ فى سبيل إتمام المهمَّة. والعالمُ الأنجلوساكسونىُّ يُقدِّرُ الحدثَ من الزاوية الروسية، ويربطُ إزاحة بوتين هُنا بالتقَهقُر أمامَه فى أوكرانيا؛ وكلاهما دليل على قصور الرؤية، خصوصًا مع كُلفة الانفلات التى قد لا يحتملُها أحد.
لدى الولايات المُتَّحدة تجربةٌ شبيهةٌ فى زمنٍ قريب. لقد أبرمت اتِّفاقًا مع طالبان وتخلَّت عن الحكومة الأفغانية، وفى غضون تسعة أيام تقدّمت الحركةُ من أطراف الدولة لقلب العاصمة والحُكم. العراقُ نسخةٌ كثيفةُ التدليل لمن أراد الاعتبار. وإذا كانوا يسترخصون دماء الأبرياء؛ فالفوضى لا تطحنُ الشعوبَ وحدها، وتمتدُّ آثارُها إلى الخرائط والتوازُنات، وإلى المصالح الاستراتيجية لكلِّ الأطراف.
أيّام طالبان التسعة، لا تختلفُ عن أحدَ عشرَ يومًا أحكَمَ فيها الجولانى قبضته على ميراث العائلة الأسديّة. الفرحةُ بتقويض الجمهورية الإسلامية ومشروعِها يجبُ ألَّا تعمى العيون، والاستجارةُ من الرمضاء لا ينبغى أنْ تكونَ بالنار.
الجميعُ فى حاجةٍ للخروج من أَسْر التجارب المُتكرِّرة، والبحث عن وَصفةٍ أوفق لسياسة النزاعات وترشيد ارتداداتِها. سوريا القويَّة المُوحَّدة قد تُقاومُ إسرائيل ونزوات واشنطن؛ لكنها لن تكون لقمةً سائغة للملالى وتابعيهم.
والخلاصُ من لعبة الأسد لا يتعيَّنُ أن يَمُرَّ وجوبًا من قناة اللعب بالجولانى؛ بقدر ما يتوجَّب ردّ الحقوق لأصحابها، والعمل على ضمان ألَّا تكون الدولة خنجرًا أجيرًا. السوابقُ كلُّها تُؤكِّد أن الأدوات قد تنقلبُ على صُنّاعها، وهذا ما حدث فى العراق والشيشان وأفغانستان وغيرها الكثير.
سوريا أكبرُ من ابتلاعها لصالح أيديولوجيا أو فريق، وأصغرُ كثيرًا من تقسيمها على المُتصارعين. واجبُ أبنائها جميعًا أن ينحازوا لخريطةٍ مُوحَّدة، وبِنيَةٍ اجتماعيَّة مُتجانِسَةٍ وقادرةٍ على التعايُش مع تناقُضاتها.
والطريق الحصريّة تبدأ من افتتاح ورشة المُستقبل الآن، لا غدًا ولا بعد غدٍ، مع إشراك الجميع فيها بغَضِّ النظر عن خلفيّاتهم وسوابقهم، وعن انتماءاتهم ومُيولهم، والأهمّ عن حظوظِهم من القوَّة والضعف.
لم يستَعِد الشارعُ توازُنَه بعد، وقد يحتاجُ فُسحةً للتشافى مِمَّا ألمَّ به؛ إنما لا يصحُّ أنْ يكون ارتباكُه أو انشغالُه وتعثّره فى الأولويَّات مدخلاً لتسييد طرفٍ على طرفٍ.. والحادث راهنًا أنَّ اللاعب الجاهزَ تصدَّر الساحة، احتكر المُبارة وإحراز الأهداف، ولا يُفسِح مكانًا بجواره للآخرين.
الأبنيةُ الاجتماعية شِبه مُهشَّمة، ويتضخَّمُ ميراثُ الريبة بين الطوائف والهُويًّات.. اختلالُ التوازُنات الداخليَّة لن يسمحَ بتعديل الانحرافات ذاتيًّا، ولا بالسرعة المطلوبة، وقد يحتاجُ دَعمًا أو مُواكبةً من الخارج، أكان عبر الحَواضِن الإقليميَّة الحريصة على البلدِ بصدقٍ، أمْ عبرَ الأُطُر المُؤسَّسية للنظام الدولى.
لا شىءَ يتقدَّمُ على واجب البحث عن مسارٍ بديل. خرج السوريّون من حُكم الطائفة والمذهب، إلى حاكميّة القوّة والسلاح. القديمُ كان أُصوليَّةً بغلافٍ مدنىٍّ، والجديد أُصوليّة كاملة وسوداء. وبين اللونين طَيفٌ واسعٌ من الألوان، يُمكن تجريبُه والاختلاف عليه؛ إنما بعد حَسْم العنوان العريض. لا شموليَّة ولا فرز بالدين أو العِرق.
يتعيّنُ مِلءُ فراغ السلطة سريعًا من دون شَكٍّ؛ لكنَّ الاستعجال لا يُبرِّرُ الاحتكار. الاحتياجُ أعلى إلى تثبيت الفترة الانتقالية على ركائز واضحة، بحيث لا تكونُ سائلةً تمامًا، ولا يغتصبُها طرفٌ بعَينِه من الآخرين. ولا بديلَ هنا عن افتتاح حوارٍ وطنىٍّ مُوسَّع، وبناء ورشةِ عملٍ مُتكافئة الأوزان من دون إلغاءٍ أو مُغالَبَة.
انفرادُ «الجولانى» وشيعته بالترتبات سيُقويّهم ويُضعِفُ الآخرين، بينما فوارقُ القوّة واسعةٌ أصلاً فى الوقت الحالى. ثلاثةُ أشهرٍ للحكومة المُؤقَّتة؛ لو صَدَقوا فى الزمن ولم يُبدّلوه، ستسمحُ للرجل بأنْ يُهندِسَ السياقَ على مقياسه، ويُرتِّبَ المرافقَ والعُمُدَ التنفيذية، ويرسمَ ملامح الانتقال التالية فيما يخصُّ الدستور وطبيعة السلطة وحِصص الفاعلية والنفوذ.
البلدُ هَشٌّ وقابلٌ للتشكيل الآن بكل السُّبل، وهذا ما يُوجِبُ أن يكونَ فى حراسة جميع مُكوّناته، وألَّا يُترَكَ لفصيلٍ يُحدِثُ فيه ما يتعذّر استدراكُه أو ترميمه لاحقًا. ويُمكن إنجاز ذلك عبر التفاهُم، أو عبر المُحاصَصَة الظرفية، بمعنى تشكيل هيئةٍ من كلِّ الطوائف والمُكوِّنات كبديلٍ اضطرارىٍّ مُؤقَّت. وإن كانت الطائفيَّةُ مَرضًا؛ فإنَّ تمثيلَها أقلُّ خطرًا من تغييبها. أى أنْ يتشاركَ الجميعُ أفضل من أن تنفرد طائفةٌ بالقرار.
لا حاجةَ للبدء من نُقطة الصفر. القرارُ الأُمَمىُّ رقم 2254 ما يزالُ صالحًا للإجراء، كلُّ ما هُنالك أنَّ «بشَّار» لم يَعُد طرفًا فيه. سيكونُ أرضيّةً صالحةً للانطلاق نحو التوافُق على صيغةٍ جامعة، وتدشين حكومةٍ انتقاليَّةٍ مُتعدِّدة الأطياف، تُحقِّقُ التمثيلَ المُتناسِب فى تمرير الراهن، والشراكةَ الكاملةَ فى ترسيم المُستقبل.
ليس عادلاً أن تُدارَ تروسُ المرحلة على أبدان ضحايا المراحل السابقة وعظامهم؛ فكأنهم أضحياتٌ مجّانية فى كلِّ مرّة. الفسيفسائيَّةُ الوطنيَّة أغلبُ عناصرِها مُغيَّبون عن المجال العام، ولا ميليشيا تُمثّلهم أو قُوى سياسيَّة مُنظّمة تتحدَّثُ باسمِهم. والإقرارُ بأنَّ السُّلطةَ لِمَنْ يقدرُ على اقتناصها، يظلِمُ ملايين السوريين، فضلاً على أنه لا يختلف عن سلوك الأسد والبعثيِّين.
المهام السياسيَّةُ تتَّصلُ بالإدارة التنفيذية وترتيب فضاء الدولة الجديدة؛ إنما وراءها أشغال اجتماعيَّةٌ وثقافيَّةٌ عديدة ولا تقلُّ أهمية. يتعيَّنُ العمل على التوحيد، وطمأنة الخائفين، واستيعاب ضحايا النظام وفلولِه أيضًا، وتمهيد الأرضيَّة لبناء دولةٍ تتجاوزُ مخاطرَ التقسيم والفَدْرَلة، وأخطر منها الفتنة والانقسام الطائفىِّ والعرقىِّ؛ ولو ظلَّت فى فضاءٍ واحد.
الورشةُ المطلوبة تشملُ تشغيلَ المجتمع، وبدء الاشتغال على عقدِه الاجتماعىِّ الجديد. السُّلطةُ المُؤقَّتة أوَّلاً، ومعالم النظام الدائم لاحقًا، وكلاهما بالتوازى. ولا يُمكن أن يحدث ذلك بتجرُّدٍ وموضوعيَّة تحت هيمنةِ طرفٍ، أو فى غياب بقيَّة الأطراف.
على الجولانى أن يُبادر بالدعوة للحوار، أو فليُدْفَع إليها؛ أكان باللين من خلال رُعاته ومُشغّليه، أم بقوّة الحقّ وشرعية القانون. القرارُ الدولىُّ يصلُحُ مَدخلاً تُدارُ من خلاله العملية، تحت وصايةٍ ومُواكبةٍ من الأُمَم المُتَّحدة، أو من الجامعة العربية والعواصم الوازنة فى المنطقة. وتكون المهمَّة تشكيلُ إدارةٍ مُؤقَّتة بتمثيلٍ مُوسَّع، يُعبِّرُ عن الجميع ويصونُ مصالحَهم، ويضمن ألَّا ينفردَ أحدٌ بصياغة المرحلة، أو كتابة الدستور الجديد.
يعود سوريِّون من الخارج، ويهربُ آخرون. الحدود اللبنانية شهدت على مدار الأيام الماضية فرار مئات من العَلَويِّين والمسيحيِّين. التنوُّع نعمةُ سوريا ولعنَتُها أيضًا، والهواجس مُوزّعةٌ على الشيعة والدروز والإيزيديين، بل والسُّنَّة المُختلفين مع الأُصوليِّين ذوى الهوى الجهادى، والكُرد والعرب والتركمان، وما وراء ذلك من تحالُفاتٍ تتعلَّق بأهواءٍ فارسيَّة أو عثمانيَّة وغيرهما. أىًّ انفرادٍ باللحظة سيكونُ سُلوكًا بَعثيًّا أسديًّا؛ مهما ادَّعى العكس، لأنَّ القُماشةَ أعرضُ وأكثر ثراءً من أن ينسِجَها فردٌ أو يكون أمينًا على تلاوينها.
حُكِمَت سوريا الأسد تحت وصايةٍ إيرانية، فى سنواتها الأخيرة على الأقل، وتُحكَمُ الآن بالجولانى من خلال أوصياء جُدد. الأوَّل تعاونَ مع الشيعيَّة المُسلَّحة على حساب بلده، والثانى يُباهى بالتنسيق مع الصهاينة فوق الجغرافيا النازفة.
المطلوب خارطة طريقٍ، وليست سابقةً أن تُوضَع مراحلُ الانتقال تحت رقابة العالم، أو أن تتكفَّل المُؤسَّسات الوازنةُ بالمساندة والتصويب. مقاربة حثيثة تُحفِّز على الانضباط وترعاه، وتصون حقوق الفئات الهشّة، وتضمن ألا يُبنى المستقبلُ تحت حاكميّة السلاح.
وإن كان الفاعلون الآن خطرًا على الدولة، وعلى أنفسِهم؛ فيجبُ ألَّا يتأخَّر الإقليمُ والعالم عن إنقاذهم من شُرور الذات والرُّعاة. حُكومة وطنية جامعة، ورشةُ حوارٍ مفتوحة، ومُواكبةٌ داخلية وخارجية تُرشِّد المسار وتقيه الانحراف، وما دون ذلك سيكون اختطافًا لدولةٍ كبيرة من تيَّارٍ صغير، أو إنتاجًا للماضى البائس على صُوَرٍ أردأ وأشدّ بُؤسًا.