حين يتعطل العقاب ويختفي الجزاء، لا تتوقف المشكلة عند حدود مخالفة عابرة أو سلوك فردي منحرف، وإنما يبدأ الخلل في الانتقال من الأشخاص إلى المنظومة بأكملها. فالقواعد التي لا تُطبق والقوانين التي لا تجد طريقها إلى التنفيذ والحقوق التي لا تجد من يحميها سرعان ما تتحول إلى مجرد نصوص لا تملك قوة الردع، فينشأ مناخ مؤسسي يسمح بالتجاوز ويمنح المخطئ شعورًا بأن كلفة الخطأ قد تكون معدومة.
والمشكلة الأكبر أن تعطيل العقاب قد يأتي أحيانًا تحت عناوين تبدو في ظاهرها إنسانية؛ «لا نريد الإضرار بأحد»، أو «فلنمنح فرصة أخرى» أو «لا نريد خلق مشكلات داخل المؤسسة» لكن حين تتحول هذه الاعتبارات إلى نهج دائم يصبح التساهل مع الخطأ ظلمًا لمن يلتزم وإضرارًا بالمؤسسة وقبل ذلك كله إهدارًا لحق الدولة.
وفي مثل هذه البيئات، غالبًا ما يزداد المتجاوز جرأة ويتسم سلوكه بالبجاحة وانحدار القيم المهنية والأدبية فيرفع صوته ويفتعل الصدام ويتخذ من سياسة «خُدُوهم بالصوت» وسيلة لإرباك المشهد وصرف الأنظار عن أصل المخالفة وكأن ارتفاع الصوت يمكن أن يصبح غطاءً لتجاوزاته وانحرافاته الوظيفية. ومع غياب الحسم تتحول هذه الأساليب من مجرد سلوك فردي إلى وسيلة لفرض الأمر الواقع وإرهاب من يفكر في المساءلة فيتراجع المنضبط ويتقدم المتجاوز وتختل موازين العدالة داخل المؤسسة.
فالدولة لا تحمي أموالها بالشعارات وإنما بالانضباط والرقابة والمساءلة وتطبيق الجزاء عند وقوع المخالفة والمال العام ليس مساحة للمجاملة أو التهاون وليس حقًا مباحًا لمن يسيء استخدامه
أو يتجاوز القواعد المنظمة له وكل واقعة تمر دون محاسبة حقيقية قد تصبح رسالة ضمنية للآخرين بأن التجاوز يمكن أن يمر وأن المخالفة لا تستوجب بالضرورة ثمنًا.
وهنا تبدأ المنظومة في فقدان أهم عناصر قوتها: الضبط والربط والثواب والعقاب فيتراجع الملتزم ويتمدد المتجاوز ويصبح أصحاب السلوكيات المنحرفة أكثر جرأة لأنهم يرون أن الجزاء غائب أو مؤجل أو قابل للتعطيل.
ولنا في واقع المؤسسات أمثلة عديدة تؤكد أن أي منظومة تفقد قدرتها على فرض الانضباط ومحاسبة المخطئ لا يمكن أن تحافظ طويلًا على كفاءتها أو مواردها أو حقوقها فالترهل لا يبدأ فجأة والانحدار لا يحدث بين ليلة وضحاها وإنما يتسلل تدريجيًا عندما تصبح المخالفة بلا حساب والتقصير بلا مساءلة والإضرار بحقوق المؤسسة أمرًا يمكن تجاوزه بالصمت أو المجاملة.
إن الحفاظ على حقوق الدولة والمال العام لا يعني القسوة كما أن تطبيق القانون ليس انتقامًا من المخطئ العقاب العادل ليس هدفه الإضرار بالأشخاص وإنما حماية المؤسسة ومنع تكرار الخطأ وصيانة حقوق المجتمع والدولة. أما أن تتحول الرحمة إلى تعطيل للمساءلة والعاطفة إلى غطاء للتجاوز والسلبية إلى وسيلة للهروب من المسؤولية فهذه ليست حماية لأحد وإنما مشاركة غير مباشرة في صناعة الفوضى.
فالمنظومة الناجحة لا تقوم على الخوف وحده وإنما على وضوح القواعد وعدالة تطبيقها؛ تكافئ من يحسن وتحاسب من يخطئ وتحمي المال العام وتغلق أبواب الاستباحة قبل أن تتحول المخالفات الصغيرة إلى خسائر كبيرة.
وفي النهاية تظل القاعدة واضحة: من أمِن العقاب أساء الأدب، ومن أيقن أن الجزاء لن يطاله تجرأ على ما لم يكن ليتجرأ عليه لو أدرك أن القانون حاضر والمساءلة قائمة وحقوق الدولة فوق كل اعتبار.
فالخطر ليس في عقوبة مستحقة تُطبق وإنما في حق عام يُهدر ومال عام يُستباح ومنظومة تتآكل تدريجيًا لأن الجميع أدرك أن الخطأ يمكن أن يمر بلا ثمن.. استقيموا يرحمكم الله.